أثارت الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية بروز بعض الحركات والتجمعات، التي يعود تأريخها إلى أكثر من مائة عام، والتي انطلقت من منظور مناهضة الحركات العنصرية والفاشية والرأسمالية آنذاك، واستمرت بمسيرتها الاحتجاجية رغم افتقارها للهيكلية التنظيمية المعتادة.

أنتيفا ANTIFA أي مناهضة الفاشية – Anti-Fascist كلمة مشتقة من اللغة الألمانية Antifaschismus، وهي حركة يسارية سياسية(1) رافضة للنظام الهيكلي الموجود في المجتمع. وهي بمثابة أيديولوجية أكثر مما هي جمعية أو منظمة؛ فهي تقف ضد كل الحركات والتوجهات السياسية ذات الصبغة العنصرية واليمينية المتطرفة، وتحظى بسمات اشتراكية مناهضة لمفهوم الرأسمالية الجديدة وسيطرة القادة العنصريين.

حيث برزت بشكل مميز في عهد الرئيس الإيطالي بينيتو موسوليني، ومن ثم ظهرت في ألمانيا بعد استلام أدولف هتلر دفة الحكم في ألمانيا، وتصاعد الوتر الفاشي في القارة الأوروبية آنذاك، وابتدأ مشوار هذه الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد عام 1960، وظهرت بوضوح عام 1980 كما يذكر مارك براي، إذ أسماهم بـ Anti-Racist Action أي (الأعمال المناهضة للعنصرية)، ويذكر أن مريدي هذه الحركة قد دخلوا سباتًا عميقًا في الولايات المتحدة الأمريكية من عام 2000 حتى عام 2016، أي بعد تولى دونالد ترامب الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ نشطت هذه الحركة من جديد وعملت على تنفيذ أنشطة متعددة بهدف التأثير من صعود القادة الفاشيين أو البيض النشطين في المجتمع الأمريكي لمنصات الحكم، وجرت مواجهات عنيفة مع الجماهير اليمينية المتطرفة، مثل أفراد منظمة بوغالو Boogaloo المعروفة بتوجهاتها اليمينية.

وفي سياق التحليل عن أيديولوجية هذه الحركة، ترى أن فكرتهم متجذرة في الافتراض بأن الحزب النازي لم يكن ليتمكن من الوصول إلى السلطة في ألمانيا لو حاربهم الناس بقوة أكبر في الشوارع خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ووفقًا لهذه الرؤية غالبًا ما يتهمون بأنهم يستخدمون العنف والقوة ويثيرون الفوضى والشغب في حركاتهم ومظاهراتهم، أو يستخدمون العنف لدواعي الدفاع عن النفس باعتبارهم «أن أغلب الجرائم ضد المجتمع تنبع من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة»، وهي تشرع بهذه الجرائم رغم استحواذهم على السلطة في البلاد، وبهذا سيكون من الأجدر استخدام القوة والفوضى إزاء هذه الفئة من المجتمع والدولة بشكل خاص.

ومع مقتل جورج فلويد الأمريكي من أصل أفريقي على يد رجال الشرطة البيض في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا قبل أيام، حتى اشتدت أنشطة هذه الحركة في كل الولايات الأمريكية، مما استدعى بالرئيس الأمريكي ترامب إلى التغريد على صفحتهِ الشخصية في التويتر بالقول «ستصنف الولايات المتحدة الأمريكية أنتيفا كمنظمة إرهابية»، إذ عدها حركة فوضوية تخريبية تسعى إلى إحداث الفوضى والخراب على الممتلكات العامة والخاصة في البلاد، وأنها تشكل عائقًا عبثيًّا يصعب على الأجهزة الأمنية مواجهتها بشكل عام، وأنها السبب الرئيسي في شن الخراب وإخلال الأمن في الولايات المتحدة.

«إلى جانب ذلك هناك تنظيم رسمي في الولايات المتحدة، يتمثل بمنظمة روز سيتي أنتيفا، وهي منظمة تبلغ من العمر 13 سنة وتقع في بورتلاند، وهي أقدم مجموعة أنتيفا في الولايات المتحدة، وهي منظمة تنظيمًا جيدًا ونشطة بشكل خاص على الإنترنت وعلى «فيسبوك»، في حين أن أعضاءها مجهولون بشكل فردي وفقًا لما أوردته The USA Today الأمريكية» (2).

لا شك أن بروز هذه الحركات في الظرف الحالي يمثل فكرة أساسية أن الحركات اليمينية المتطرفة والعنصرية (النازية الجدد والفاشية الجدد) تقابلهم أفكار يسارية راديكالية يعود تأريخها إلى أكثر من مائة عام، تستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بغية إيصال أفكارها وأهدافها، وهي لا تمتلك قيادة حقيقية ولا سياقات رسمية، بل هي عبارة عن هيئات محلية أو أفراد يعملون بشكل فردي أو جمعي بسيط، تعمل على قيادة التظاهرات أو تحمي المتظاهرين من بطش القوات الأمنية، وتعمل على رفض الواقع المعيشي والتنظيمي لفئات المجتمع، وترفض كل اللغات التي تذيع خلالها كلمات الكراهية والعنف ضد الأقليات أو الفئات المجتمعية، وهي تستنكر الفكر الرأسمالي المسيطر على قوت وخيرات الشعب، وهي تعطي فوائدها إلى الطبقة الغنية فقط دون الاكتراث للفئات الأخرى.

وما تجدر إليه الإشارة، أن أفراد أنتيفا يرتدون ملابس سوداء مع تغطية وجوههم؛ خشية من ملاحقتهم من قبل الأجهزة الأمنية والحركات اليمينية، وشعارهم راية ذات لونين الأحمر والأسود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد