على الأرجح جميعًا لدينا سابق معرفة بالفلسفة «اللاإنجابية»، ثقافته بدأ يُسمع صداها منذ أن تبناها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور قبل عقود مضت وربما قبل ذلك أيضًا. ويبدو أن المجتمعات الحديثة، الشرق أوسطية منها أيضًا باتت مهتمة، بل مُقبلة على مُناقشة وتبني الأفكار التي تحملها لنا هذه الفلسفة.
يميل الأفراد عند التفكير بأخلاقيات الإنجاب إلى مناقشة نُقطتين أساسيتين (المآسي المعيشية والطبيعة البيولوجية للإنسان)، سواء كانوا من الشق المؤيد للفلسفة أم من المعارضين.

الطبيعة البيولوجية للإنسان وإمكانية الاختيار

يرى بعض المؤيدين أن الكائنات الحية مصممة لتتكاثر باستثناء الإنسان: فالإنسان قد مر بمراحل تطورية بيولوجية عديدة، وأصبح يمتاز بالوعي، بالتالي هو من يمتلك القرار عند اختيار الإنجاب من عدمه.

وتُتبع هذه الفكرة بالمشاكل البيئية، الاجتماعية أو الاقتصادية التي يربطها مؤيدو الفلسفة بالإنجاب.

مِنها مشاكل ازدياد عدد الأحياء والمناطق الفقيرة العشوائية وما يترتب عليه من مشاكل بيئية واجتماعية وأزمات صحية. علاوة على ذلك فالبشر قد أوجدوا بالفعل أوبئة مُقاومة للمُضادات بسبب الإفراط في استخدام هذه المُضادات مسبقًا؛ مما يعني مُعاناة أكبر للكائن البشري وألمًا أكبر.

ثم تأتي احتمالات نقص الموارد الحيوانية والنباتية فضلًا عن الهدم العشوائي للغابات وفي حالة استمرار التكثار واستمرار الإنسان في الهدم ونشر الأمراض سيؤدي ذلك لا محالة الى صراعات وحروب قد تؤدي بدورها إلى فناء البشرية، والاحتمال الأسوأ سيحدث إن تسببت هذه الكوارث بعدم قدرة دول على العيش في مناطقها المعتادة على هذا الكوكب حيث إن المناطق ستصبح غير مؤهلة للعيش وهكذا يعود كل شيء إلى نقطة الألم المُستمر لهذا الكائن البشري.

المآسي المعيشية

من ناحية أخرى فمؤيدو اللاإنجابية يطرحون أيضًا أفكار تستدعي التعاطف والشفقة للطفل الذي سيولد إلى هذه الحياة بلا ذنب منه أو قرار. كما قد يُنظر للإنجاب على أنه شر، ولكن ليس شرًا لا بد عنه.

ويصل الأمر عند اللاإنجابيين المُتعصبين الى الرغبة في الإنقراض الطوعي للبشرية، وتدعم «الحركة التطوعية لانقراض العنصر البشري (VHEMT)» هذه الرغبات لمؤيديها عن طريق الحد من التكاثر، حيث يلتزم كل منتم ومؤيد لهذه الحركة بعدم الإنجاب، ولكنه لا يُمنع من تبني ورعاية الأطفال.

أما معارضي الفلسفة اللاإنجابية فيُفسر جزء منهم أن المآسي المعيشية ما هي إلا اختبار ديني دنيوي وُضع من أجل قياس مدى تَحمل البشر وطاعتهم وهو اختبار مؤقت سينتهي في يوم ما، فيما يسعى البعض الآخر إلى إيجاد حلول عمليه عبر مناقشة الإيمانيات الأساسية الخاصة باللاإنجابيين، منها «عبثيةالوجود» و«عدم وجود المعنى في الحياة» و«الآلام غير المبررة» التي يعاني منها الإنسان لمجرد كونه إنسانًا له وعي وتطلعات في الكثير من الأحيان لا يمكن تحقيقها لأسباب تتعلق بطبيعة حياة البشر ناهيك عن الأسباب الاجتماعية أو الصحية وغيرهما.
ومن حسن الحظ أننا على أرض الواقع نجد أن معظم مؤيدي الفلسفة اللاإنجابية يتخذوا من فلسفتهم طريقًا فرديًا ونادرًا ما ستصادف أحد اللاإنجابيين في عملك أو جامعتك يدعوك لإجراء عملية قطع القناة الدافقة أو لاستئصال الرحم بنبرة تبشيرية مثلًا!

دعوة للتأمل قبل اتخاذ القرار

يكمن الفاصل بين الإنجاب والإنجاب الأناني في أسباب رغبتنا بالإنجاب حقًا، فإذا سألنا أنفسنا، «ما هي الفوائد العائدة علي من إنجابي للأطفال» ماذا ستكون الإجابة؟

الشعور بدفء العائلة والترابط الأسري والنجاح الاجتماعي.
لمساعدتي عند الكبر، سواء على الصعيد المالي أم المعنوي والصحي.
نقل جيناتي الى أجيال اُخرى واستمرار نسل العائلة واسمها.
إعطاء فرصة الحياة لإنسان جديد قد يجد فيها فرصة تستحق الوجود!
الحصول على معونات اجتماعية إضافية.
أسباب دينية.

وبالإمكان إضافة واستبعاد أسباب بالطبع، لكن كل نقطه تحمل في طياتها الكثير عن أشخاصنا وأهوائنا، هي التي ستكون الحد الفاصل لتقييم ما إن كانت هذه الرغبة في الإنجاب رغبة خالية من الأنانية أو الاستغلال كأن نرغب في إعطاء الفرصة في الحياة لكائن جديد سنعمل على توفير جميع متطلباته، إما كنوع من المحبة والعطاء وممارسة الشغف التربوي وإشباع مشاعر الأمومة أو بمقابل حمله لجيناتنا واسم العائلة وربما ملامحنا الجميلة.

وقد يجد البعض في نفسه مفاجأت ورغبات اُخرى تميل إلى الأنانية.. لا بأس في ذلك فالتفكير في الحلول لصنع توازن بين رغباتنا وبين الحياة الجديدة التي سنخلقها سيُنتج التوازن الذي يمكن له تحقيق قدر من العدالة وربما الإيثار.

في النهاية تأمل الأفكار التي نحملها قبل الخوض في إنجاب الأطفال هو أحد الحلول المبدئية التي ستحد من أزمات الإنجاب الأناني وما يترتب عليها من الأضرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد