بالتأكيد مرت إحدى هذه المنشورات أمامك يومًا ما، إذا لم تكن أحد من نشروها فعلًا، طفل صغير نام وبجواره قطعة من الحلوى فاستيقظ في الصباح بألم شديد في رأسه وتوجهت والدته للطبيب الذي لاحظ وجود النمل داخل دماغه ومات الولد. رحمه الله!

في السنة الأولى من دراستنا الطبية، يعلموننا أن قناة الأذن الخارجية مفصولة تمامًا عن الأذن الوسطى بطبلة الأذن، والأذن الوسطى مفصولة تمامًا عن الأذن الداخلية (التي لا تحتوي أي فراغ أو هواء بطبيعة الحال) والأذن الداخلية متصلة مع المخ بعصب وليست ملتصقة به، إذن على النمل أن يخترق طريقًا للداخل ربما لا تستطيع فتحه بشنيور في مريض تم تخديره! وليس في طفل نائم!

كذلك أخبروك أن كوبًا من الماء المثلج على الإفطار أو العشاء سيسبب لك تليف الكبد، أنت لا تعلم ربما ما هو تليف الكبد (إذا لم تكن طبيبًا)، ولكن ما أعلمه جيدًا أنك عندما تبتلع شيئًا ما فإنه سينزل إلى معدتك وليس إلى كبدك! ثم سيخرج (خلال ساعتين كاملتين) إلى أمعاء طولها يفوق الستة أمتار، تغيرت حرارته من زمن بعيد! لا توجد علاقة ولو بعيدة بين ما شربته وبين الكبد!

لا أدري لماذا تحديدًا تليف الكبد! وما علاقة الماء بالتليف! وكيف يختلف تأثير آيس كريم مثلج صباحًا عن كوب ماء بنفس درجة الحرارة في نفس الوقت!

قس على ذلك معظم ما يتداوله الناس طبيا وما أراه من فترة لأخرى، الباراسيتامول وتأثيره على جدار المعدة (ولا أدري لماذا اختار مؤلف هذا الكلام المسكن الوحيد الذي لا يؤثر على جدار المعدة في كذبته!)، أكل البيض بعد الموز (أو العكس) يشكل سمًا في الجسم! بيض وموز! وسم في نفس الوقت؟ لا يستطيع ماركيز أن يضيف هذه الجملة إلى رائعته (مائة عام من العزلة) حتى.

أحد المشروبات الغازية بعد نوع ما من الأسماك قد يسبب التسمم! أي شيء يمكن أن تكتبه على مواقع التواصل الاجتماعي ليحصد في لحظات آلاف المشاركات والإعجابات، وضعت لك بعضًا من تلك الكذبات في المصادر، للعلم بأنها كذب.

الكذب الطبي.. المصدر والأهداف

بعض الكذبات الطبية ربما نجدها مبررة في تنافس ما بين أباطرة الأدوية، أو حملات إعلانية منظمة على الشبكات الاجتماعية، ولكن هذا ينطبق على حالات قليلة جدا، لكن الغالب يظهر عليه آثار جهل غير معقول لدى المؤلف، لا يعطي أي انطباع أن مؤلف هذه المهازل له علاقة بمجال الصحة من قريب أو بعيد، ربما الرغبة في جمع عدد لا بأس به من المتابعين والمشاركات هو السبب الأساسي، واستغلال خوف الناس الفطري على صحتهم وصحة ذويهم.

كيف تعرف الكذبة بسهولة؟

إجابة هذا السؤال هي ذاتها إجابة ” كيف نعرف أصلًا أسباب مرض ما، أو كفاءة العلاج، أو ابتكار طريقة جديدة ” لن أجرك بالطبع إلى تفاصيل أكاديمية معقدة، ولكن أكثر الطرق قبولًا في العالم الآن كما نسميها “Evidence Based Medicine”0 الحقيقة الطبية القائمة على تجربة على مجموعات كبيرة من المرضى، بطريقة منظمة ومدروسة بعناية شديدة.

فلنحصل على مثال صغير من الكذبات في الأعلى لنطبقه على ما نقول، أن تشرب كوب ماء مثلج كل صباح فذلك يعرضك إلى تليف الكبد.

هذا يعني أننا سنحصل على عينة على الأقل من 1000 فرد، كلهم أصحاء الكبد تمامًا وقت بدء التجربة، ونجبر كلًا منهم على شرب كوب ماء مثلج قبل الإفطار كل يوم.

ليست هذه هي المشكلة، ربما تعلم أن تليف الكبد Liver cirrhosis هو مرض مزمن، أشهر أسبابه فيروسات الالتهاب الكبدي بي وسي، HBV HCV، هذه الفيروسات التي يستغرق بعضها ربما خمسة عشر عامًا من الإصابة إلى الوصول لمرحلة التليف “وهي فيروسات الالتهاب الكبدي ذاتها” فما بالك بأكواب ماء لا علاقة لها بالكبد.

معني ذلك أنك ستضيف شرطًا آخر إلى ال (1000 فرد) السابقين، وهو أن يشربوا ذات الكوب كل يوم لمدة 15 عامًا متواصلة، وأن تضمن أنهم طوال ال (15 عامًا) أصحاء، ملتزمون بالشروط، تعلم الآن جيدا أن هذه محض خزعبلات لن يقدم علىها أحد. ليس فقط لأن أساسها العلمي مفقود، وضد المنطق، ولكن لأن التجربة العملية لها حتى من ضروب المستحيلات.

سأدعوك ربما الآن للإجابة عن هذه التساؤلات:

لماذا لا يشكل الموز والبيض سمًا إذا خلطتهما خارج الجسم؟ وستحصل على (سمكة مخلوطة بالصودا) فقط إذا سكبت المياه الغازية على السمك؟ ما التفاعل الكيميائي الذي يمكن أن ينتج أصلا من موزة وبيضة؟!

إذا كانت قطعة الحلوى بجانب الصبي، ما الذي جعل النمل أصلا يدخل إلى أذنه الخارجية بدلًا من الذهاب للحلوى؟ إلا إذا كان النمل قد أصابه “الحول”؟

قبل أن تختار مشاركة شيء من هذا القبيل، ربما عليك أن تفكر فيه بعض الشيء حتى بدون أساس علمي، وستكتشف ربما أنك كنت مشعوذًا من العصور الوسطي عندما قررت مشاركة هذا الشيء

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة, طب, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد