منذ ما يقرب من العام كنت أنتمي إلى قوم يدّعون أنهم يريدوم الإسلام والشرع وكانت أسمى مبادئهم ومطالبهم تحكيم الشريعة ونصر الدين، وكانت خبراتهم في مجال السياسية وقتها محدودة جدًا، كانوا يرتدون دائمًا أقنعة تتناسب مع كل موقف ولكل موقف قناع يناسبه، وأي قناع؟

إنه قناع الدعوة والدين، قناع الحب ومعسول الكلام. ثم جاءت الحوادث الواحدة تلو الأخرى وبدأت الأقنعة تتساقط عن وجوههم ولكن ما يحزنني حقًا، أن فيهم أشخاصًا صالحين عابدين زاهدين، قد انخدعوا بكلامهم وانساقوا وراءهم، فلله المشتكى.

كانوا يدعون أنهم من حملة لواء السنة وتبيلغ الشريعة والدعوة وكان شعارهم “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون” وكأنهم هذة الأمة الصالحة الورعة التقية، وأن منهجهم وسياساتهم هي الصحيحة التي لاغبار عليها ولا شك فيها. وأنهم “سلفيون” يسيرون على خطى النبي والصحب والتابعين والسلف.

وقاموا بتأسيس حزب سياسي جديد، وحين تسألهم عن السبب أو حتى تعارضهم، يرمونك بالعلمانية والليبرالية وغيرها وأنك تريد فصل الدين عن السياسة.

ولكني أدركت مؤخرًا أنهم جماعة ليسوا بأهل للحق وليسوا على الطريق المستقيم ولا المنهج الصحيح، ولا يفقهون شيئًا عن الحق والصدق، وهم أهل للمصالح والتلون ويتبعون مبادئ لا تمت للدين بأي صلة من قريب أو من بعيد. وأي دين هذا الذين يشجع على إتيان الباطل وترك الحق والتلون بناءً على الحوادث والأمور؟

 

ثورة الخامس والعشرين من يناير

خرجوا وظهروا للعالم في رداء قوي من وجهة نظر البعض، وقاموا بتأسيس حزب سياسي كما ذكرت سابقًا ويحمل في آخر اسمه مذهبهم أو ما يدعونه، وبدؤوا يظهرون في الكادر ويلعبون على المشاعر ويستخدمون الدين وحب الشريعة سبيلاً إلى مرادهم، وزعموا أنهم ممن شاركوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير وكانوا من رجالها وفرسانها، ولكن الواقع أنهم صعدوا على أكتاف الأبرياء وركبوا الموجة، واستغلوا الدماء ليضعوا لأنفسهم مناصب ومكانات، وتم بالفعل وحصلوا على نسبة كبيرة من مقاعد مجلس النواب.

وتستمر الأحداث وتتوالى وهم يتلونون في أفعالهم وأقوالهم بداية بالاستفتاء الدستوري ومرورًا بالانتخابات الرئاسية بعد انتهاء فترة حكم العسكر الانتقالية. قاموا بتأييد الدكتور أبو الفتوح وبذلوا في ذلك الجهود وأنه هو المزعوم الذي سيطبق الشريعة، كل الاحترام لهذا الشخص العظيم حقيقة، لكنهم أيضًا استغلوه.

 

كنت أسير نحو خطاهم وأفعل أفعالهم وأقول أقوالهم. ثم خرج أبو الفتوح ولم يحالفه الحظ وبقي في السباق الدكتور محمد مرسي والفريق أحمد شفيق. وقاموا بتأييد مرسي وفور فوزه بالسباق صعد المتحدث الرسمي باسم حزبهم على المنصة وأخبر بأن المهمة قد تمت والمعركة قد انتهت بالنصر المجيد، وزعموا أنهم أيضًا من مقومات نجاح د.محمد مرسي وأسبابها.

 

الشرعية

ويخرج المتحدث الرسمي مرة أخرى على القنوات في بداية حكم د.مرسي ويقول أنهم لن يسمحوا بالتعدي على الشرعية أو انتهاكها ولن يسمحوا بخروج محمد مرسي من منصبه مهما كانت الأسباب، وأيضًا إلا بعد الأربع سنوات ويكون ذلك بحكم الصندوق لا وضع اليد.

30 يونيو

كما تسميها أنت فهي كذلك، سواء كنت تراها ثورة أو انقلابًا أو حتى تصحيحًا للمسار، خرج في هذا الوقت طائفة من الناس يحتجون على حكم مرسي ويطالبون بعزله، ويرون أنه لامجال لحكم الإخوان بعد اليوم. وفور إعلان عزل محمد مرسي أو الانقلاب عليه كان قادة هذا الحزب وهذا التيار هم أول من يجلسون على منصة إعلان الخبر ثم تبدلت الأقوال والأفعال ويخرج المتحدث الرسمي مرة أخرى، بعد أن أصبح نائبًا لرئيس الحزب ويقول أن الحزب لم يرَ في د.مرسي أو غيره الحاكم الشرعي الذي تكون له شريعة تحميه، وأن ما حدث كان تصحيحًا للمسار وهو شيء لابد منه من أجل مصر أفضل.

وما أن غرقت مركبة الإخوان وصعدت مركبة العسكر على “وش البحر” ركبوا معهم.

 

مذبحة رابعة العدوية
تلك الجريمة التي أنكرها كل ذي عقل، كل “إنسان”، وكل “رجل”، إنها الأبشع في تاريخ مصر. يخرج الرجال ويؤيدون السيسي ليقتل إخوتهم وأزواجهم ورجالهم، قتل فيها أصحاب المبادئ والعقول، وأسر فيها أحرارنا ورجالنا.

 

وقبل الفض يخرج رجال هذا الحزب ويطالبون المعتصمين بإنهاء الاعتصام والذهاب إلى بيوتهم وأن هذا ليس حلاً أبدًا، وأن الطريق الصحيح هو الذي نحن عليه الآن، “لا ياراجل ” من أي جنس أنت؟ م

اذنبنا أنك لا تعرف عن القيم والمبادئ أي شيء؟ هل الثبات على الحق والصدوع به هو مبرر للقتل في بلدي؟! ولكنني لم أرَ أحدًا منهم خرج وتكلم عن حرمة الدماء والقتل! ألا يوجد في دينكم هذا يا سلف الأمة؟ حتى وإن قالوا فكان ذلك من وراء حجاب لأنهم يخشون أن تقلب الطاولة عليهم فيخرجون بلا أي مغنم.

 

وبعد انتهاء حكم المستشار منصور والفترة الانتقالية، جاءت الانتخابات الرئاسية النزيهة، دخل فيها مرشحان أولهم القائد العام عبدالفتاح السيسي وحمدين صباحي ثانيهم.

ودخل الأول بلا أي برنامج انتخابي مطلقًا، ولا أي رؤية تصلح لقائد دولة بحجم مصر، فكان العدل أن يخرج الحزب ويقاطع أو يؤيد صاحب البرنامج والرؤية ولكن كيف؟ يخرج الحزب ببيان ويعلن تأييد المرشح عبدالفتاح السيسي .

 

على أي شيء لا أعلم ولا أعرف، هل هذا هو الشرع الذي تبحثون عنه؟ هل هذا هو الدين يا رجال الدين؟

ويعلنون التأييد ويقيمون الدعايا والإعلانات، وفور فوزه بالمعركة، أصبح يوم 30 يونيو هو يوم عظيم لهذا البلد وأنهم أيضًا كانوا من رجاله وأحد أهم الفئات المشاركة فيه.

شاركوا في الخروج على الحاكم، لا أعلم هل هذا هو صميم الدين أم ماذا؟ وتتوالى الأحداث وتتسابق وتشهد قتل الأبرياء واعتقال الأحرار وسحل النساء والفتيات من جامعتهم ومبنى العلم القويم. ولم نسمع لأحد منهم صوتًا وكأن الدين لا يأمر بالصدوع بالحق مهما كانت العواقب. وكأن الدين لا يحرم الدماء ولا الظلم وكأنهم قد ابتكروا دينًا جديدًا.

وتستمر المصائب وتنزع الأقنعة عن الوجوه، ويأتي حدث قناة السويس الجديدة وهو الأمر الذي أجمع أصحاب العقول والدين أنه ربا خالص لا شك فيه، ويخرج حزب النور ويعلن هذا ولكن أيضًا من وراء حجاب، ولم يعطِ للأمر أي جدوى وكأن برنامج “الراقصة وفيلم حلاوة روح” كان أهم من ذلك الحدث.

ومواقفهم في ذلك الأمر لا تعد، إنهم قوم أخشى أن يكونوا باعوا الدنيا بالدين وتركوا الدين وتمسكوا بأحد فروعه وهو السياسة وليس إلا. ولا أعرف إلى متى سيظلون هكذا، راجعوا أمركم وارجعوا إلى الحق أيها الناس.

ولا تخشوا الظلمة والطغاة، و”كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قومِ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون.”

 

وإني لأعجب من سكوت الشيخ محمد إسماعيل المقدم، ذلك الرجل الذي تحتاج مصر إلى أمثاله، وحينما سألوه عن ذلك قال بالنص “الإخوة يريدون أن يسمعوا ما يوافق هواهم” والشيخ يرى أن الموضوع كبير كبير، وأن الورع الترك ولمن لا يعرف الشيخ فهو في الوقت الحالي يكاد يكون أعلم علماء مصر وأفقههم في الدين.

نقطة ومن بداية السطر، وأمثال هؤلاء الأقوام كثيرة في زماننا، والمتلونون أيضًا كذلك وقس على ذلك الإعلام وغيره.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد