في العقد الماضي سافرت مع أسرتي إلى أحد البلاد العربية، وكانت تلك الفرصة من المراحل الفارقة في تاريخ أسرتنا الصغيرة للفارق في المستوى الاقتصادي ما بين بلدي الأم وتلك الدولة. كنت طفلًا صغيرًا ولأول مرة أتعامل مع ثقافات مختلفة وأطفال آخرين من شتى بقاع الأرض، حينها وجه إليّ أحدهم سؤالًا فقال: أي البلدين أفضل هنا أم بلدكم؟ عندها أجبت بدون تردد: الوطن بالتأكيد. بالطبع كنت أكذب! حينها كنت أدري أنه لا يوجد فارق اجتماعي كبير بين بلادهم وذاك البلد وأنهم لم يجيئوا إلا من أجل المال، ولم أرد أن أكون أقل منهم لانتسابي إلى بلد نامٍ.

كالعادة في مجتمعاتنا العزيزة تحدث الكثير من الفتن بين أبناء العقيدتين المختلفتين بسبب الكثير من المشاحنات المتراكمة وانحياز الأطراف المفترض أن تكون محايدة كالحكومات لأبناء عقيدة دون الأخرى، وينتج عن هذا التفريق بين مواطني البلد الواحد والعنصرية في التعامل الكثيرُ من التعديات التي يتضرر بسببها العديد من الناس في الحوادث المتكررة، وفي النهاية يكون الحل الأمثل أن يظهر رجال العقيدتين في الإعلام وهم يتصنعون التصالح.

ويعد المساس بالشرف أو العرض في مجتمعاتنا الشرق أوسطية من الأمور المفرطة في الحساسية طبقًا لموروثاتنا سواء العقائدية أو المجتمعية، فحين يمس شرف عائلة ما – مثلًا – بأن تفقد إحدى بناتها عذريتها بدون عقد نكاح، يخشى معظم الناس من العار الذي سيحيق بهم، فيصبح شغلهم الشاغل هو الستر على الفضيحة حتى قبل أن يحلوا المشكلة – إن اعتبرناها مشكلة – وإن تأخروا في ذلك يضطر كثيرون إلى هجر أماكنهم، أو للأسف يلجأ البعض إلى القتل حتى لا تلوث سمعة العائلة من وجهة نظرهم. وبعد أن ينتهوا من أمر الفضيحة تأتي حلول معظمهم بأشكال عجيبة كأن يمنحوها غشاء بكارة جديدًا لتتزوج من مغفل، وغيرها من الحلول المقززة حتى إنه في أحد البلاد العربية يكافأ المغتصب بالزواج من البنت أو المرأة المعتدى عليها.

أيضًا نسمع كثيرًا كلمات مثل السمعة وكلام الناس، وأمثالًا شعبية مثل «بنت الناس تخاف مالعار ولو ضربوها بالنار!» وحين يخرج من بطون هذه المجتمعات بعض المتنورين والمثقفين الذين ينظرون للأمور بطرق مختلفة قليلًا، يتفرغ الكثيرون لتتبعهم والتدخل في حياتهم، ونعتهم بانعدام الأخلاق وانحراف السلوك، لذلك يفضل هؤلاء إما عيش حياة مزدوجة وإما فصل أنفسهم عن المجتمع الكبير بداخل مجتمع صغير، ويقول الإنجيل عن هؤلاء المتطفلين: «هل اتهمك الناس بشتى التهم الكاذبة؟ هل أنت هدف لكلام الناس؟ سلم الأمر للرب وهو يجري وهو يجعل من شر الإشاعات وفرح بكلام الناس يأتي ويسجد أمامك ويحتاجك(رؤ3:9)».

كلنا وقعنا ضحية مثلث التخلف في أي مجتمع؛ الجهل والفقر والمرض، ومن نتائجه اهتمامنا المبالغ فيه بمظاهر الأشياء وعدم اكتراثنا بجواهرها. نهتم بأن تظهر بلادنا وعائلاتنا وعقائدنا بأحسن صورة حتى وإن كانت الحقيقة عكس ذلك، مما يخالف الأديان التي يتبعها هؤلاء الأشخاص أنفسهم فمثلًا يقول القرآن: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداءَ لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين إن يكنْ غنيًا أو فقيرًا فالله أوْلَى بهما فلا تتّبعوا الهوَى أنْ تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا (النساء 135)». نُسَكِن آلامنا دومًا بدلًا من معالجتها حتى لا تعود مرة أخرى، مع أن الخلاص في الأغلب يكون في الالتزام الصارم بالعلاج وأحيانًا في الاستئصال، ولذلك تجميل مظهر الشيء لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يغير جوهره، وهذا ما يجب أن ندركه سريعًا.

أرى أن الحل أيضًا يكمن في مثلث آخر هو مثلث التقدم؛ الوعي والعمل والحرية. مما لا شك فيه أن الوعي العام متدنٍّ بصورة ملحوظة، ولن يتغير الحال بدون أن يعاد تشكيل هذا الوعي ليتناسب مع العالم الحالي، وتنتشر أفكار مثل حرية الرأي وحرية العقيدة والحريات الشخصية انتشارًا حقيقيًا بين عوام الناس، وتثقيف الأفراد والجماعات وفق خطة واضحة قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وهذه مسئولية الحكومات وشعوبها على حد سواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد