محمد إلهامي
محمد إلهامي

731

وصلنا في سلسلة المقالات الماضية[1] إلى لحظة التمهيد لإقامة الدولة العباسية، ونواصل فصول تلك القصة الثرية بالدروس الثورية.

خرج أبو مسلم على رأس طائفة من أهل الدعوة إلى الحج (129هـ)، ولما كان في قرية قومس في طريق الحج وصلته رسالة من الإمام إبراهيم يأمره فيها بإعلان الدعوة هذا العام، وبعث مع الرسالة راية النصر، فعاد أبو مسلم إلى خراسان وأناب عنه في الحج قحطبة بن شبيب؛ ليذهب إلى الإمام بما معه من الأموال ومن أخبار خراسان[2].

ولا بد هنا من الإشادة بهذه القيادة البعيدة عن مسرح الأحداث في خراسان والعراق -لا سيما في هذا الزمن البعيد؛ حيث لم تكن الأخبار تصل إلا بعد حين- ولكنها مطلعة عليه بدقة يدل عليها اختيار هذا التوقيت لإعلان الثورة:

فإذا نظرنا إلى هذا العام وما وقعت فيه من أحداث سنجد الآتي:

الشام: تعيش على قلق مكتوم؛ فهي لم تخلص بعد من آثار ثورة سليمان بن هشام على مروان بن محمد، وما حدث من مقاتل في البيت الأموي وفي القبائل العربية، التي انحازت لكلِّ طرف، وكانت حمص وفلسطين أكثر المدن اضطرابًا.

العراق: الخليفة الأموي مروان بن محمد يطارد الخوارج، وقد بلغت المعارك بينهما ذروتها، ورماهم فيها بخيرة قادته وجنوده، كعامر بن ضبارة، وحشد لهم جيش الشام وجيش العراق.

فارس: يسيطر عليها عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الثائر على بني أمية.

خراسان: تشتعل بالنزاع بين نصر بن سيار والي الأمويين من جهة، وبين الكرماني والحارث بن سريج من جهة أخرى.

الحجاز: يشتعل بثورة أبي حمزة الخارجي.

اليمن: يحكمه عبد الله بن يحيى الحضرمي الملقب بطالب الحق، وهو من الخوارج.

وأما المغرب والأندلس فعلى ما فيهما من الحروب بين القبائل وبعضها، وبين الأمويين والخوارج فإن أحدًا لم يَعُدْ متفرِّغًا أن ينظر في شأنها؛ وهي البعيدة عن قلب الخلافة.

فلا يكاد يوجد عام في عمرِ بني أمية منذ استقراره لعبد الملك بن مروان كان أكثر اضطرابًا من هذا العام!

ودليلًا على وجود القيادة في الحميمة باعتبارها عنصرًا فاعلًا رئيسيًّا؛ نجد بعض الروايات تصرح بأن كل التخطيط كان من لدن الإمام إبراهيم، فيما لم يكن دور أبي مسلم الخراساني إلا التنفيذ والموهبة العسكرية[3].

وكان مجلس النقباء قد عقد اجتماعًا لينظروا في أمر المكان الملائم لإعلان الثورة فيه، وكان محضر الجلسة على هذا النحو كما نقله صاحب أخبار الدولة العباسية:

  • قال سليمان بن كثير: انظروا في الموضع الذي تبتدئون بإظهار أمركم فيه.
  • فقال أبو النجم وعدة وافقوه على رأيه: نرى أن يكون أول ظهور أمرنا بخوارزم، فإنها بلاد منقطعة عن نصر، فإلى أن يرسل إلينا عسكره يكون قد تسامع بنا إخواننا فيأتونا ويكثر جمعنا؛ فنقوى على مَنْ يأتينا.
  • قال موسى بن كعب ولاهز بن قريظ: مرو الروذ فإنها متوسطة بين مرو وبلخ.
  • وقال مالك بن الهيثم والعلاء بن حريث وطلحة بن زريق: فإن بها خلقًا كثيرًا من إخواننا، وبها السلطان قد وهن أمره، وبمن نقاتله يقوينا عليه ويقوى بنا عليه، ومتى يقو بها أمرنا يقو في غيرها.
  • فقال أبو مسلم لسليمان بن كثير: ما تقول يا أبا محمد؟
  • قال: ما أرى إلا كما قال، فإن قومنا بها أعظم وعدونا أضعف.
  • قال أبو مسلم (متوجهًا بالحديث إلى كامل بن المظفر): ما تقول يا أبا صالح؟
  • إذا اجْتُثَّ الأصل فلا بقاء للفرع، إذا ظهرتم بغير مرو تفرغ لكم سلطانكم، وساعده عدوه عليكم.
  • فقال أبو مسلم: قلتَ الحق يا أبا صالح والرأي أن نظهر بمرو.

فأطبقوا على ذلك ورضوا به[4].

وبدأت الترتيبات اللازمة لإخبار الأتباع في كل هذه المناطق بموعد إعلان الدعوة، فأمر أبو مسلم النقباء بالاجتماع بأهل دعوتهم، والإرسال إليهم ليكونوا مجتمعين جميعًا في مواضعهم إلى دخول (المحرم عام 130هـ).

إعلان الدعوة قبل الموعد

لكن المخابرات الأموية رصدت فيما يبدو هذه التحركات؛ حتى وصل إلى علمها ماذا ينوي القوم أن يفعلوا، وأشار أحد المقربين من نصر بن سيار -وهو سلم بن أحوز- عليه أن يُسارع بالخروج إلى القوم وقتالهم؛ قبل أن يتجمعوا في مكان واحد فيستفيد باجتماع جيشه وتفرق جموعهم، وأخذت هذه الفكرة طريقها إلى التنفيذ.

غير أن الخبر تسرَّب إلى الدعوة العباسية، فوصل إلى سليمان بن كثير وكامل بن المظفر، فأشارا على أبي مسلم بضرورة إعلان الدعوة قبل الموعد المحدد لها وإلا فشلت، فسارع أبو مسلم إلى الإرسال لكلِّ أهل الدعوة بالقدوم إلى قرية شنفير؛ حيث المكان الذي اختاروه لإعلان الدعوة؛ وكان مكانًا حصينًا وتابعًا لسليمان بن كثير، فأقبل الناس إليهم، وجاءته الأرسال تباعًا، وكان أول من وصل رجال خزاعة الأقرب منزلًا من هذا المكان، وأقبل أهل الدعوة من كل وجه من نواحي مرو، وتحدَّث الناس باجتماعهم فكثر سوادهم عند أبي مسلم[5].

هذه اليقظة وهذا التنبه، ثم هذه الجاهزية والسرعة في اتخاذ القرار أنقذت الدعوة من مصير مجهول، والحقيقة أن افتقاد الكثير من الحركات والدعوات والثورات إلى هذيْن العامليْن هو الذي وضع نهايتها، فكم من دعوة فوجئت بأن السلطة تهاجمها وتفاجئها؛ لأنها لم تكن تملك معلومات من داخل أروقة السلطة! ومن ثَمَّ لم تتوقع تصرُّفها، ففوجئت بها فانتهت على حين غِرَّة.

وفوق هذه السرعة والجاهزية، كان اختيار أهل الدعوة للمكان الذي يُعسكرون فيه ذكيًّا أيضًا؛ إذ كان في ديار القبائل اليمانية، التي تمثل عصب الدعوة من جهة حيث يكثرون فيها، وهي من جهة أخرى على توتر مع نصر بن سيار، وبمثل هذا القرار كانت الدعوة في موضع القوة، وكان نصر بن سيار في موضع الأزمة.

والحقيقة أن المطالع لهذه الفترة يكاد يرثي لحال نصر بن سيار، الذي تداعت عليه الهموم، وانفتحت عليه الجبهات، وصارت أكبر من طاقته، حتى ولو كان من رجال الدهر حزمًا ورأيًا وسياسة كما وصفه المؤرِّخون، وقد جاءت الأخبار إلى نصر بأن تجمع أهل الدعوة قد تم بالفعل، وقد فشلت خطَّة اصطيادهم فرادى، جاءته هذه الأخبار وهو منشغل بمحاربة علي بن جديع الكرماني، «فجمع ثقاته؛ فشاورهم فيما بلغه عن أهل الدعوة، فأجمع رأيهم على أن يبعث إلى قرى خزاعة ومَنْ لجأ إليها من أهل الدعوة فيُبَيِّتَهم[6] ويأخذ رجالهم ورؤساءهم قبل أن يتفاقم أمرهم.

فقال لهم سلم بن أحوز (صاحب اقتراح إدراكهم قبل أن يتجمعوا): كان هذا الرأي يوم أشرت عليكم أقوى، ولم يفتكم بعد.

فلما اتسقوا على ذلك قال لهم عقيل بن معقل: إن فعلتم ذلك خالفتكم أحياء اليمن، ورأوا أنكم تريدون هضمهم وإذلالهم بدخولكم عليهم في منازلهم، ولا آمن أن يدعوهم ذلك إلى أن يدخلوا فيما دخل فيه القوم، ويُسَوِّدوا كما سَوَّدوا (أي ينتمون للدعوة العباسية التي شعارها اللون الأسود)، ولكني أرى أن تناظرهم وتبعث إليهم، فإن سَهَّلوا لكم الإقدام عليهم أقدمتم عليهم، وإن منعوكم عملتم على قدر ذلك، وما أهون شوكة هؤلاء إن كفت عنهم اليمن وربيعة.

فبلغنا[7] أن عاصم بن عمير السمرقندي قال لهم: لا يجيبكم والله ابن الكرماني إلى إسلامهم، والحيلة بينكم وبينهم أبدًا. فانقضى المجلس على ذلك ولم يبرموا فيه رأيًا»[8].

إن الوضع كان يمثل أزمة بلا شك، لكنَّ انفضاض المجلس دون اتخاذ قرار في هذه المعضلة كان الخطأ الأكبر؛ إذ ساهم هذا في استمرار نصر بن سيار في موضع الضعف وفي موقع ردِّ الفعل، وجعل أبا مسلم في موضع الاطمئنان على وضعه، وانتقاله إلى المبادرة والفعل.

ولم يُضِع العباسيون وقتًا، فسارع أبو مسلم فعسكر مع شيعته في منازل اليمانية، وتتابع الناس إليهم من أهل الدعوة ومن غير أهل الدعوة، فأما الأولون فتداعوا لما كان بينهم من اتفاق على الموعد، وأما الآخرون فتتابعوا حميَّةً وأنفة أن يدخل نصر بن سيار إلى ديارهم محاربًا لمَنْ نزل بينهم واحتمى بهم، وهكذا اجتمع الناس حتى لم يكن ممكنًا تأجيلُ إعلان الدعوة في موعدها المحدد في عيد الفطر لعام 129 هـ. وقبل عيد الفطر بخمسة أيام أعلن أبو مسلم أمر الدعوة، ولبس الثياب السوداء شعار الدعوة العباسية هو وأصحابه، وعقد اللواء الذي سموه: «الظل». وذلك -عندهم- لأن الأرض لا تخلو من ظلٍّ أبدًا، وهي كذلك لا تخلو من خليفة عباسي أبد الدهر، ونشر الراية التي سموها: «السحاب». وذلك لأن السحاب يطبق على الأرض مثل دعوة بني العباس[9]، وتلا قول الله – عز وجل -: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، وما إن تم الإعلان حتى تكاثر الناس وأقبل أهل الدعوة من كل وجه؛ حتى صاروا قوة كبيرة، وما هو إلَّا أنَّ وصلت رسالة من أبي سلمة الخلال تحمل وصية من الإمام بأن يُخَنْدِقوا على أنفسهم حال اجتماعهم؛ فإن هذا خير لهم؛ إذ يساعدهم في انحياز كل خصوم نصر بن سيار إليهم، وأوصاه أن يُؤَجِّل الحرب مع نصر بن سيار أطول فترة ممكنة، إلى نهاية المحرم على الأقل، وألا يُظْهر له العداوة؛ بل أن يترك مساحة من الود معه[10].

ومن موقعه هذا بعث أبو مسلم إلى أهل الدعوة في الحواضر الخراسانية الأخرى بأن يُعلنوا الدعوة، وبألا يدخلوا في قتال إلا إن هُوجِموا، وقد جاءت الأنباء بما يسر من ظهور الدعوة وقوة أهلها في نسا والطالقان ومرو الروذ وآمل وغيرها، إضافة إلى أنه وبمجرَّد ظهور أهل الدعوة انحاز إليها كثير من العبيد الذين كان انضمامهم إلى الدعوة يعني تحررهم من العبودية كما أعلن العباسيون، وصاروا قوة كبيرة، وظلَّ الأمر هكذا في ازدياد حتى بلغوا عشرة آلاف بحلول المحرم عام 130 هـ[11].

وهكذا ظهرت الدعوة العباسية إلى العلن، وهكذا انطلقت شرارة الثورة..

وبهذا، صار العباسيون قوة جديدة تضاف إلى الخريطة السياسية في خراسان، وما تلبث أن تحتويها وتهيمن عليها، وهو ما نراه إن شاء الله في المقال القادم.


[1] راجع: اختيار مكان الثورة، وتأسيس الخلايا السرية، ومقاومة الاختراقات، وصورة مختصرة عن التنظيم السري العباسي ، وعوائق في طريق الثورة، ولحظات ما قبل الثورة العباسية، أبو مسلم الخراساني، درس التمهيد للدولة.

[2] الطبري: تاريخ الطبري 4/ 306، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5/ 31، ومحمد طاهر البرزنجي: صحيح وضعيف تاريخ الطبري 4/ 386 (قسم الصحيح).

[3] البلاذري: أنساب الأشراف 4/ 122، 123، وابن عساكر: تاريخ دمشق 7/ 204، ود. فتحي أبو سيف: الدولة العباسية والمشرق الإسلامي ص23.

[4] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص273 وما بعدها.

[5] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص274، والطبري: تاريخ الطبري 4/ 306، 307.

[6] يُبَيِّتَهم: أي يقتلهم ليلاً، وعلى حين غرة.

[7] الكلام على لسان صاحب كتاب أخبار الدولة العباسية.

[8] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص275.

[9] إلَّا أنَّ هذا التأويل لم يعلن بهذه الصراحة «العباسية» بطبيعة الحال، ففي هذا الوقت كان المعلن والمعروف أنها دعوة «هاشمية» للرضا من آل البيت ولا يعرف الناس أنها عباسية، وإنما هذا هو مدلول هذه الأسماء لدى أصحاب الدعوة العباسية.

[10] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص275 – 277، والطبري: تاريخ الطبري 4/ 307.

[11] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص277 – 281، والطبري: تاريخ الطبري 4/ 307.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك