دخل المسلمون القرن العشرين وهم في حالة ضعف وسيطرة استعمارية كلفتهم خسارة تميزهم الحضاري وشخصيتهم الثقافية، وجعلتهم في صراع طويل لتحقيق الاستقلال, فجلت عن أراضيهم القوى العسكرية في النصف الثاني منه لكنهم في الحقيقة ظلوا تابعين للدول الاستعمارية ويدورون ضمن منظوماتها المختلفة شرقية كانت أم غربية.

وبالتزامن مع تحقيق الاستقلال المتمثل في جلاء القواة العسكرية الأجنبية، بدأت القوى الإسلامية في المجتمعات المسلمة تسعى نحو تطبيق الشريعة في خطوة إلى استعادة الذات الحضارية للأمة.

أما وقد أصبحنا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فإننا نرى المشروع الإسلامي لتطبيق الشريعة قد تعرض لانتكاسات عديدة وفشل في محاولاته المرة تلو الأخرى, لذا فإننا في هذه الأسطر نسلط الضوء على لمحات من مسار هذه التجارب علنا نستطيع إنارة مصابيح في طريق يجب أن ندرك أنه طويل، وأن التعجل وحرق المراحل فيه هو حرق للمشروع نفسه.

حسب صحيفة  (The National Interest )أظهرت استطلاعات للرأي أجريت في العام 2013 على 38000 شخص في 39 دولة ذات أغلبية مسلمة، أن الغالبية الكاسحة تؤيد تطبيق الشريعة الإسلامية. وفي مسألة الهوية، جاءت النتائج مشابهة في استطلاع أجري في العام 2011، حيث أظهر أن المستطلعة آراؤهم في باكستان والأردن وتركيا بل وحتى أميركا يعتبرون أنفسهم مسلمين أولًا قبل انتمائهم إلى أوطانهم. (1)

لكن لنكن واقعيين وواضحين هذه الإحصاءات لا تعني أن الجميع متفقون على نظرة واحدة للشريعة وطريقة تطبيقها، بل هي تعبر عن شعور مستقر في وجدان الأمة. أما إن تحدثنا عن التجارب الواقعية فإننا نلحظ فيها ملمحًا مهمًا هو تركيزها على الجانب القانوني التشريعي وعدم إدراكها لكلية وشمولية الشريعة واتساعها لكل جوانب الحياة.

فتنظيم كداعش والقاعدة والجماعات التي تسير بنفس الطريقة الصدامية في الوصول لأهدافها، ولم يتح لها السيطرة على بقعة أرض لتطبق نظرتها عليها, أول ما تعنى وتصدره عن نفسها كمطبقة للشريعة قضية الحدود وقطع الأيدي والرؤوس وغطاء وجه المرأة (الخمار) ومهاجمة دور الخمر والملاهي وما شابه، حتى جعلت منه صورة نمطية لتطبيق الشريعة مع تعسف في التطبيق ومظالم ظاهرة وأحادية في الرؤية الفقهية دونما اتفاق بين علماء المجتمع المعتبرين على القضايا الاجتهادية، مما جعل الشريعة جسدًا بلا روح بل عظمًا منشوزًا لم يُكْسَ لحمًا.

والملاحظ لطريقة عمل هذه الجماعات يجد أنها تشكل كياناتها الصلبة في المجتمعات التي تجتاحها الاضطرابات، مستغلة فراغ السلطة السياسية فيها فتبدأ كفاحها المسلح لتفرض سلطتها بالقوة غير آبهة بأوجاع الناس ورؤاهم, متسلحة بغيبيات يشحنون الأنصار بها ليقدموهم شهداء على مذبح بقائهم وصراعاتهم التي لم تخدم سابقًا ولا أظنها ستخدم الأمة في قادم الأوقات.

في الجانب الآخر، تظهر جماعات وأحزاب رضيت بمسار الدولة الحديثة المبنية على النمط الغربي، وتنازلت عن الشريعة مضمونًا مع الحفاظ على بعض الأشكال التزيينية والخطابات الجوفاء التي تستدر عطف الأمة ساعة الحاجة، مقابل قبول وجودها ضمن النسيج المشكل لتلك الدول, كل ذلك بحجة التدرج فبرز فقه الواقع الذي كثيرًا ما يعبر عن الانهزام أمام الواقع الموجود وكأنه أزلي غير قابل للتغيير.

كلا الجانبين لم يعط الشريعة الإسلامية ومقاصدها حقها، بل حصد الكثير منهم الفشل والهزيمة وفي بعض الحالات تم تدمير بنية المجتمع ومقدراته بعد تلك التجارب.

بعد ذلك يحق لنا السؤال كيف نطبق الشريعة إذًا؟

هذا سؤال كبير لا يمكن لشخص مثلي وحده الجواب عليه، لكنه يحتاج لجهود متضافرة من علماء الأمة وفقهائها الشرعيين والسياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، لكني سأرمي بحجر قد يرسم خيوطًا لذلك.

إننا بتتبع سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نلاحظ أنه بدأ حياته داعيًا وحاول طوال الفترة المكية أن لا يدخل جماعته في صراعات فناء مع قوى الشرك، المتمثلة في قريش وكفار العرب، عداك عن القوى العالمية الكبرى آنذاك الروم والفرس, ثم كانت الخطوة التالية بالهجرة التي كانت تجاه مجتمع قرر بشكل ذاتي بغالبية سكانه الطاعة لأمر الله ورسوله بدون فرض أو إكراه أو طمع في مصلحة دنيوية, في هذا المجتمع بدأ رسول الله يبني الجزء القانوني من الشريعة الذي تنزل عليه من ربه في المرحلة المدنية من الدعوة، مع تأسيس لمنظومة إنسانية ميزت الشريعة فهي شرعت للعدل بين الناس, يقول تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) (2).

كما أنه صلى الله عليه وسلم بنى منظومته على الشورى: ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (3).

الشورى هي المبدأ الإسلامي المثبت في القرآن، والذي عبثت به التفسيرات حتى فرغ من مضمونه، بينما كان صلى الله عليه وسلم يشاور قومه حتى في كبريات الأمور وأشد الأخطار, فهو يوم بدر والعدو على الأبواب يشاور الأنصار والمهاجرين في الخروج ولا يحسم أمره حتى يسمع أصحاب الحق والدار وهم الأنصار، وفي ذلك دراية كبرى ومن ورائه قصد عظيم هو الحفاظ على متانة الجبهة الداخلية كي لا يأتي مغرض ويقول قاتل محمد لصالح المهاجرين ولا مصلحة للأنصار بذلك الصراع.

والملاحظة الأهم في سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يسعَ للصدام مع القوى الكبرى قبل حصول الجهوزية التامة من توحيد جزيرة العرب تحت راية واحدة، وتأصيل الدين في قلوب ذلك الجيل فيصبح قادرًا على تلك المواجهة صابرًا عليها.

ذلك الجيل الذي تربى على المسؤولية ومخافة الله في عباده فرأينا عمر يقول: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضياعًا لخشيت أن يسألني الله عنها.

لذا يا من تسعى لتطبيق الشريعة مهلًا, قبل فرضها بشكل قانون على البشر وحدود شرعية, قم بالدعوة لتأسيس المجتمع الذي يتبناها هو طائعًا محبًا مؤمنًا واعيًا بما يترتب على ذلك الإيمان, ولا تغتر بالعواطف ولا تعد الناس بالمصالح والمنافع المادية فهي شيء قد يتأخر ولا يجد أثره الجيل الأول من العاملين, فيصبح من رفعك اليوم عدوك الذي يهوي بك غدًا, واحذر أن تفرضها أنت بالقوة وابحث عن استقلال هذا المجتمع إذ لا يمكن لتجربتك أن تنجح  في مجتمع تابع اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، نخبه ملوثة فكريًا برؤى الشرق والغرب, لا يزرع ما يأكل ولا يستطيع تأمين موارده المائية النقية ومصادر الطاقة وتصنيعها، ولا يصنع السلاح ليدافع عن نفسه بل لا يملك حتى خريطة حلفاء مفترضين يمكنه الاعتماد عليهم في مواجهة من يريد به شرًا، ولا يدرك مصالح هؤلاء الحلفاء منه ومدى قدرته على تلبية تلك المصالح دونما الإضرار بمشروعه.

بالمقابل لا يدعوك ضعفك للاستسلام والتسليم بتفوق الغرب عليك وعدم مقاومة هجومه المتوازي على كل الصعد لتدمير مجتمعك، وتذكر المقاصد الكبرى لهذه الشريعة وأولها بناء الإنسان الذي يقصد الله بأفعاله، ويملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا، ويحقق مصلحة الجنس البشري في الدارين الأولى والآخرة , فلا تحرق تلك المقاصد باستعجالك.

واحذر أن تهدم البناء على رؤوس ساكنيه، وتستجلب قوى الشر من كل اتجاه لتنازلك في ملعبك لتقدم الوعود بعدها للأحياء منهم عن انتصارات غيبية وأخرى وهمية، بينما هم سكنوا الخيام وفقدوا أسباب الحياة الرئيسية.

كل ما سبق لا يعني أيضًا أن عليك السير في دائرة الدولة الحديثة المفرغة التي ستجعلك تدور لعشرات السنين دونما تقدم مباشر باتجاه هدفك.

سأختم بقول الدكتورة هبة رؤوف عزت في كتابها الخيال السياسي للإسلاميين: (لا يكفي نقد الدولة الحديثة بل علينا واجب الاجتهاد في كيفية “الانتقال” إلى السلطة والإرادة السياسية التي نريد, من دون دفع ثمن سقوط أنقاض هذه الدولة فوق رؤوس الناس. وهو خيار صعب يستلزم بناء إجماع وطني وتيار رئيس وعقد اجتماعي مغاير وخريطة قوى جديدة؛ لكن السياسة البراغماتية تفرض منطقها عادة لأن ما سبق يحتاج إلى صبر طويل وحسن إدارة). (4)

يا أيها الإنسان المسلم، كن خليفة الله على الأرض فلا تفسد فيها ولا تسفك الدماء. قد يكون هذا الطريق طويلًا لكن خطواتك عليه ستكون ثابتة نحو تطبيقٍ مستدامٍ للشريعة, نافعٍ يغرس جذوره في أرضية مجتمعية صلبة من جديد.

_________________________________________________________________________________________

  1. صراعات الشرق الأوسط محورها الدين

  2. الآية 25 الحديد.

  3. الآية 159 سورة آل عمران.

  4. الخيال السياسي للإسلاميين: هبة رؤوف عزت الصفحة 126.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد