شريعة الإسلام أتم الشرائع وأكملها، هي في الحقيقة صالحة لكل زمان ومكان، بتنوع مصادرها، ودقة قواعدها، وحكمة مقاصدها. شريعة عجيبة وازنت بين المادة والروح، والخلق والسياسة، والعلم والعمل، والواقعية والطموح بصورة واضحة منضبطة.

الصورة البشرية والإنسانية بكل متطلباتها واحتياجاتها الضرورية والحاجية والتحسينية مكفولة في الشريعة على أحسن حال من الناحية النظرية. الشمول النظري للأحكام الشرعية العقدية والأخلاقية والعبادية والسياسية والاقتصادية والعادية في ظني استوفى حقه من البحث والدراسة والتنظير المناسب، ولا مانع فيه من المزيد الذي يناب كل عصر ومصر.

المكتبة الإسلامية فيها ملايين الأبحاث الدقيقة في جميع الفنون والمعارف، لكنها مركونة على الرفوف، تستغيث من تراكم التراب عليها، وأكلة الأرضة لها. عدد الباحثين في مصر والعلماء بعدد الكيان الصهيوني كله برجاله ونسائه وشبابه وشيوخه. الفجوة الكبيرة عندنا والتقصير الواضح في الشمول التطبيقي، ومعناه تحويل النظريات العلمية والحقائق المتفق عليها إلى كيانات عملاقة ومؤسسات عابرة للقارت.

الجانب العقدي عند أهل السنة والجماعة منضبط بصورة علمية دقيقة، لا إفراط فيه ولا تفريط. أما تربية المسلمين على هذا الجانب وتحويل العقيدة من صورة ذهنية نظرية إلى صورة إنسانية متحركة، تؤمن بالله حق الإيمان، فتتعامل وتتفاعل مع الكون المنظور بليله ونهاره وشمسه وقمره ورعده وبرقه وبحاره وأنهاره وجباله وصخوره بكل ما تملك من أحاسيس ومشاعر، تحتاج هذه النقلة إلى وسائل كثيرة وإجراءات متعددة، وكيانات متخصصة، ومؤسسات مبدعة.

الدعوة الفردية قد تنتج عناصر جيدة في عقيدتها، لكنها لا تربي شعوبًا بأكملها، أصبح التنوع في الاتصال الآن يحتاج إلى رؤية مؤسسية تعمل على جهة العموم وليس على جهة الخصوص.

الجانب الأخلاقي في شريعتنا وديننا سمو ورفعة وحضارة راقية في التنظير والمعرفة والثقافة. أما تحويل الخلق إلى واقع يمشي على الأرض، بصدقه وأمانته وعفته وحيائه ووفائه وكرمه وشجاعته فأمر آخر، يحتاج إلى كيانات ومؤسسات وتدريب وترويض شاق للنفس البشرية بالليل والنهار.

إنتاج أمة قائمة على أمر ربها، ساهرة لتحقيق الكفاية الإيمانية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية ليس هينًا ولا سهلًا. الغرب تفوق علينا بكذبه ونفاقه وخداعه وتدليسه في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية، وعندنا شريعة مبهرة لم نحسن جعلها واقعًا ملموسًا فتنقل الغرب والشرق من الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الغدر إلى الوفاء.

الناس لم تر لنا نموذجًا مشرقًا في أي ناحية من نواحي الشريعة الكاملة في عصرنا الحاضر. السبب في ذلك في نظري أننا توقفنا على الحلول الفردية، والرموز البشرية، لم نعمل على إنتاج أمة متكاملة بتكامل شريعتها. في الجانب الدعوي عندنا مئات الآلاف من الخطباء والدعاة، لكن أكثرهم يصرخ في واد ومشكلات المجتمع في واد آخر.

في الجانب السياسي عندنا مئات السياسيين لكن لا تجمعهم رؤية واحدة، ولا استراتيجية متكاملة، عندنا سياسة بلا عقل جامع كالأمم القوية والفتية. التنظيمات الكبرى أضرتها الفردية، وهزمتها العصبية، وقهرتها العشوائية، ونالت منها المحسوبية، وأصبحت الرمزية أعلى من المؤسسية.

ثقافة يحسبها الظمآن ماء، فلما اختبرها بالري والشراب لم يجد إلا سرابًا. لست مع من يقول: إن كل ما ذكرت يحتاج إلى دولة، لا يستطيع الأفراد مهما كانت قوتهم أن يفعلوا مثلما قلت أو قريبًا منه. الإمكانات محدودة، والظروف صعبة، والانقلاب يمنع الهواء والماء والحركة عن الناس. نعم هذا واقع مرير وأليم بلا شك، لكن ألمنا الأكثر جرحًا، والذي ينزف منه الدم بالليل والنهار من داخلنا، ومن ذواتنا. كل الصعاب الخارجية لها حل وتعامل، لكن الفوضى والعشوائية والرمزية والفردية والأنا هي من أفشلتنا، لا تحملوا الشيطان أكبر من حجمه «فلا تلوموني ولوموا أنفسكم…».

التحديات كبيرة ومتراكبة وصعبة قل ما شئت، لكن مواجهة التحديات بطريق العقل الجمعي لها لذة، وتحطيم الأصنام التي صنعها البشر لها شهوة، وإقامة الصروح الكبيرة لها في الأرض متسع، «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها»، الهجرة ليست للنوم أو الاختباء، ولكن لصناعة النموذج في أجواء قد يكون الحال فيها أحسن، والنشاط أكمل.

من عاش لنفسه فهو ميت، ومن تحرك بمفرده فهو كسيح، ومن نظر إلى رأيه على أنه عقيدة لا تمس فهو ناقص، ومن تترس بالرمزية الملهمة فهو واهم. ليس أمامنا سوى جمع العقول الواعية بتخصصاتها المختلفة في كيانات كبيرة مؤثرة، ثم إدارة جامعة لكل هذه التخصصات لإنتاج الأمة المؤمنة، والشعب الواعي صاحب الخلق المتين، والرأي العام المنفعل والمدافع عن مقدسات الأمة، وإقامة وتحقيق الكفاية المادية المناسبة، حتى يتم للشريعة شمولها التطبيقي كما أتم الله لها شمولها النظري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات