المعلم بين أشواك المهنة ونكران الجميل

يكثر في المجتمعات قول كان، وما زال مرجعًا فخريا لأكثر صنف اجتماعي تقديرًا، المعلم، قم للمعلم وفه التبجيل، ذلك الرمز الذي يحترم ويبجل ويقدم ويشار إليه بأصابع التقدير في كل مكان، فمن تحت يديه مزرعة اسمها المجتمع وهو يغرس الرؤساء والأطباء والجند والمفكرين والصحافيين، مهنته خطيرة وحساسة؛ لأنه قد يتسبب في توجيه حياة أناس قد يكونون قادرين على صنع تاريخ شعوبهم، وقد كانت مهنة في الماضي تتشرف بها العائلات وحتى الاحياء والقرى، ثم انحالت بمرور الزمن مهنة المضطر، الذي ينوء دائمًا بعائلة عديدة الأفراد، وبات اليوم رمزًا للانتهازية والعنف وضعف التمكن العلمي، لا نكاد نطالع صفحة جريدة إلا وأخبار المعلم تزين أعالي الصفحة.

في أكثر من جريدة وضع العام الماضي بالبنط العريض خبر في الصفحات الأولي يفيد بتلقي المعلمين منحة راتب بأثر رجعي تفوق الأربعين مليونًا، وسارع الكثيرون لشراء الخبر، لكن بعد قراءة المحتوى وجد أن المنحة لا تخص المعلمين، بل الإداريين العاملين في في قطاع التربة والتعليم من ذوي الرتب العليا، مع الأخبار اليومية التي تكتب عن تعنت النقابات في تعطيلها مع الوزارة المكلفة بالتعليم، وكل إضراب أو احتجاج تعنونه أغلب الصحف بالمطالب المادية، فصور المعلم كائنًا انتهازيًا يهدد مستقبل أبناء الشعب بالسنة البيضاء والإضراب المفتوح، ولا أحد يكلف نفسه عناء قراءة المطالب كلها غير المتعلقة بالجانب المادي، الذي لعب طويلًا دورًا جوهريا في حياة المعلم.

في الماضي وحتى أيامنا هذه يتندر الناس ببخل المعلمين ومئات النكت تحكي عن ذلك، وصار المعلم مضرب مثل في الحرص والبخل، لكن مرد ذلك الراتب الذي تقاضاه المعلم لسنوات طويلة جعلت من الحرص والحسابات ديدنًا وعادة، حتى لا يكمل الشهر بوجه شاحب، ومن البديهي أن أداء الموظف في أي عمل قوامه معطيات عديدة أهمها على الإطلاق الراتب الدي يحقق بشكل جزئي، لكن كبير الرضا الوظيفي مما يساهم بفعالية قصوى في تحسين المردود العام، وكيف نطلب من المعلم تحسين المردود العلمي والسلوكي للمتعلمين براتب لا يكمل الشهر، ومقارنة عادلة بسيطة بين ما يتقاضاه المعلم عندنا وما يتقاضاه المعلم في الدول ذات التطور المعرفي، سنجد المقارنة بين الأدائين والمردودين ظالمة حتمًا، فمبدأ: دعه يعمل، اتركه يمر، الذي عمل به المسلمون الأوائل يؤثر بدون شك في مردوردية المعلم، فقد كانت الدولة في الحضارة الإسلامية تضع الأوقاف والميزانيات التي تجازي المعلم عن هم المال وعناء التفكير في تحصيله، وحمايته من الفاقة والاحتياج، فازدهر التعليم بازدهار الجانب المالي للمعلم.

تمر السنوات تلو السنوات والمعلمون يناضلون من أجل حقوق تبدو أساسية في أغلب الدول دات المستوى التعليمي المتطور، ذات الحقوق التي من أجلها يجب أن يحس بالرضا الوظيفي، تعويضًا عن قائمة طويلة من الأمراض العضوية والعصبية والنفسية، ففي دراسة أجرتها جامعة الأغواط الجزائرية وجدت نسب شديدة الارتفاع بين المعلمين الذين يعانون من القلق المزمن بنسبة 93% والذين يعانون اضطرابات نفسية بنسبة 84%، وهذا راجع لجملة من المعوقات التقنية في مهنة التعليم، كالتعيين البعيد عن الأسرة وتدني الراتب الشهري والعلاقة المتوترة مع الإدارة وأولياء الأمور، مع قلة الإمكانات التي توفرها المدارس، والأعمال المكتبية فمعظم المعلمين يأخدون العمل معهم للبيت من أجل التصحيح والتحضير اليومي للدروس، مع ما يتعرض له أغلبهم في المستوى الثانوي من مضايقات واعتداءات لفظية تتطور في كثير من المرات إلى اعتداءات جسدية، والإنترنت مليئة بفيديوهات توثق عمليات اعتداء من بعض التلاميد على الأساتدة، في كل هذا يجد المعلم نفسه عرضة للتهميش الاجتماعي والتشويه المستمر من الحكومة والصحافة مع عدم التقدير المرجو من المجتمع.

شَوْقِي يَقُولُ وَمَا دَرَى بِمُصِيبَتِي — قُمْ لِلْمُعَلِّـمِ وَفِّـهِ التَّبْجِيــلا

وَيَكَادُ يَفْلِقُنِي الأَمِيرُ بِقَوْلِـهِ — كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا

قْعُدْ فَدَيْتُكَ هَلْ يَكُونُ مُبَجَّلاً — مَنْ كَانِ لِلْنَشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلًا؟

يحيل هذا البيت لإبراهيم طوقان، على قول مأثور عن الجاحظ رحمه الله، يذم فيه مهنة تعليم الصغار، فهم مع طول المدة سيلحقون بعقول معلميهم الضرر البالغ، فيصيرون أطفالًا بكيفية ما. ويسوق الدكتور شوقي ضيف في كتابه العصر العباسي الثاني، عند ترجمته لحياة الجاحظ ص 608، قولًا تتناقله الكتب عن الجاحظ بأنه ألف كتابًا في نوادر المعلمين، وما هم عليه من الغفلة، ولو كان في هذا نوع من الطرافة ففيه قدر من الحقيقة الكوميدية المرة، حول معاناة المعلم الذي أقل ما يجب أن يقدم له هو الوقوف تبجيلًا، وتقديرًا لمعاناتهم، وليس استهدافهم في ضمائرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد