عرف المجتمع العربي في وقتنا الراهن عدة تحولات مست مختلف مكوناته الثقافية والاجتماعية…، ساهمت إلى حد كبير في خلخلة بنياته، ونظام الأسرة ليس في منأى عن ذلك؛ إذ شهد تحولات بنيوية وقيمية كانت لها تداعيات على مؤسسة الأسرة، ومن أبرز قضايا الأسرة المعاصرة مسألة زواج القاصرات بعقود الدين.

ما هو زواج القاصرات بعقود الدين؟

ما تداعياته على الأسرة والمجتمع؟

كيف عالجه التشريع الإسلامي؟

زواج القاصرات بعقود الدين هو زواج يجري فيه تزويج الفتاة القاصر مقابل توقيع الزوج على وثيقة دَين بعد أن تبلغ السن القانونية، ويعقد عليها شرعًا حينها يسقط عنه الدين، حيث يلجأ إليه والي الفتاة القاصر للتحايل على القانون، فمثلًا في المغرب نصت مدونة الأسرة في مادتها 19 على أن: «تكتمل أهلية الزواج بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية ثماني عشرة سنة شمسية»، وقد اعتبره البعض نوعًا من الاتِّجار بالبشر أو العبودية المعاصرة، فهو الاتجار بأجساد القاصرات مستغلين الفقر وأمية الأولياء، وعدم معرفة المقاصد الشرعية للزواج، وكذا عدم تجريم زواج القاصرات في القوانين العربية، فقد جاء في تقرير أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي بعنوان «ما العمل أمام استمرار تزويج الطفلات القول»: «بأن المغرب لا يتوفر على إحصائيات دقيقة حول زواج الأطفال ضحايا الاتجار بالبشر، أي ضحايا الزواج المسمى «زواج الكونطرا»، وهو زواج بوساطة عقود مبرمة بين رجال يعيشون في الغالب خارج المغرب، وأولياء الفتيات القاصرات، مقابل الحصول على مبالغ مالية، وهناك شبكات لوسطاء يملكون لوائح حقيقية لفتيات جاهزات للعرض في السوق، ويعرض هذا النوع من زواج الفتيات للاستغلال الجنسي في إطار شبكات للدعارة والعمل القسري، ويعاقب القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر هذه الجرائم بشدة، خاصة عندما يكون الضحية قاصرًا… وهذا النوع من الزواج يضيع حقوق الزوجة والأبناء».

إن هذا النوع من الزواج لا يحقق المقاصد التي رعاها الشارع في الزواج، منها مقصد السكن النفسي والمودة، فهو أساس الاستقرار الأسري لأنه يولد الشعور بالراحة النفسية والاطمئنان كل منهما لشريك حياته، فيشعرون بالسعادة الزوجية والاستقرار النفسي وهذا من أهم أهداف الزواج ، لقد جاء في كتابه العزيز قول الله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، لكن زواج القاصرات بعقود الدين لم يراع تلك المصلحة بل على النقيض من ذلك، زواج القاصرات بعقود الدين لم يحقق مقصد السكن والمودة بل ألحق بالفتاة القاصر مفسدة عظيمة تتجلى في سلب حقوقها وهضمها، فهي ما زالت في حاجة إلى رعاية وحنان الأبوين، وحرمانها من الدراسة وتحقيق أحلامها، فهو يلحق بالفتاة ندوبًا لا تندمل مع الأيام، هذا النوع من الزواج يعد عنفًا نفسيًّا اجتماعيًّا وصحيًّا، وله انعكاسات خطيرة، فبدل السكن والمودة والرحمة تتحول حياة الفتاة إلى كابوس يؤرقها، إذ تتعرض لاضطرابات نفسية بسبب الصدمة التي تتعرض لها، فهي غير مستعدة لهذا التغير المفاجئ في الانتقال من مرحلة الطفولة إلى النضج بشكل مباشر، بل معظم الفتيات القاصرات اللاتي كن ضحايا هذا النوع من الزواج تصاب بعديد من الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والاضطرابات بسبب العزلة الاجتماعية والعنف المنزلي، وكذا مخاوف مرضية للطفلة القاصر وفي ظل تلك الظروف تتحول الحياة الزوجية من الاستقرار والسكن إلى صراع واضطراب، وقد عرف علم الاجتماع الأسري زواج القاصرات «العلاقة الزوجية غير المتكافئة التي تنشأ في سن مبكرة، وتفتقد للاستقرار النفسي والروحي والعاطفي والأسري»، على ضوء ذلك فإن زواج القاصرات بعقود الدين لا يحقق مصلحة السكن والمودة المرجوة من الزواج، وفي المقابل يحقق مفسدة عظيمة إذ يعطل تقدم المجتمع والاستفادة من نصفه الثاني وهذا منافٍ لمقاصد الشريعة التي جاءت للحفاظ على مصالح العباد الدنيوية منها والأخروية، وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك بقوله: «الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازي ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع»، فزواج القاصرات بعقود الدين يفوت مصلحة الفتاة القاصر في تحقيق أحلامها التي تجعلها سعيدة مقبلة على الحياة، وهذه المفسدة يجب التنبيه إليها حتى لا تترك الفتاة القاصر لداعية هوى وليها وكما ذكر الشاطبي: «فالمصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية… فالشريعة جاءت لتخرج المكلفين من أهوائهم… فدل على أن المصالح والمفاسد لا تتبع الأهواء».

بالإضافة إلى أن الأسرة هي البذرة الأولى لبناء مجتمع قوي متماسك، فهي أول مؤسسة تربوية يحتك بها الشخص، حيث يعرف فيها ما له من حقوق وما عليه من واجبات، كما تساهم في تشكيل شخصيته الاجتماعية ويتعلم فيها مكارم الأخلاق والإيثار وأساليب التعامل مع الآخر وكيفية الاندماج في المجتمع، ففي الأسرة تجري عملية التنشئة الاجتماعية السليمة ويكسب فيها الفرد معارفه ومهارته وميوله وتنمية ملكاته الفكرية والإبداعية ويتعرف من خلالها على خصائص مجتمعه وعاداته وتقاليده، والأسرة بوصفها وحدة أساس المجتمع وهي البيئة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الفرد، فأي خلل يصيبها ينعكس سلبًا على المجتمع كبناء اجتماعي، ولهذه الاعتبارات أولى الإسلام عناية خاصة للأسرة بوصفها وحدة أساسية من وحدات العمران الكوني ففصل في أحكامها وسن تشريعات تنظم العلاقة فيما بينها، وذلك من خلال إقرار الحقوق والواجبات بين الأزواج يقول الله عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، و قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وغيرها من الآيات الكريمة، وفي حالة تعذر العشرة بين الأزواج شرع الطلاق يقول سبحانه: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، كما نظم العلاقة بين الآباء و الأبناء قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، كما وردت أحاديث نبوية تبين العلاقة بين الأزواج فقد ورد في الحديث: «الرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده»، كما حث صلى الله عليه وسلم على حسن تربية الأبناء لقوله صلى الله عليه وسلم: «علموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعًا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا وفرقوا بينهم في المضاجع»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم».

وقد وضع الإسلام أسسًا لبناء أسرة قوية أهمها حسن اختيار كل من الزوجين شريكه، هنا لا بد من بيان إذا كان من مصلحة الزواج إنشاء أسرة قوية متماسكة وفي المقابل زواج القاصرات بعقود الدين يترتب عليه أسرة مفككة؛ إذ كيف لطفلة قاصر سلبت منها حقوقها وأحلامها عرضت لبيع كسلعة، ورجل لم يحترم كينونتها أن يكونا أسرة قوية متماسكة، بل ينتج منه أسرة متصدعة ويسودها الشقاق والصراع فاقدة لروح المحبة والثقة منعدم فيها أي أمان، فهذا الزواج له آثار سلبية وتداعيات خطيرة تلقي بضلالها على النسيج الأسري والبناء الاجتماعي، فزواج القاصر قبل البلوغ فيسيولوجيًّا وسيكولوجيًّا له آثار اجتماعية تفقد معه القاصر هويتها الاجتماعية، وغالبا ما ينتهي هذا الزواج بالفشل وتعود الفتاة القاصر إلى بيت أبيها ولديها طفل أو أكثر لا تعرف كيفية رعايتهم لنقص إلمامها بأساليب التربية، فهي ما زالت في حاجة للرعاية، تجد نفسها أمام مسؤولية كبيرة غير مؤهلة لتحمل أعبائها، ناهيك عن هضم حقوقها الشرعية من نفقة متعة ومؤخر الصداق، لأن الزواج غير موثق بالإضافة، لمشكل ثبوت نسب الأطفال وتسجيلهم؛ مما يشكل عائقا أمام التحاقهم للدارسة مثل أقرانهم.

وتجدر الإشارة إلى مسألة مهمة، وهي أن الشارع الحكيم وضع أركانًا وشروطًا لإتمام الزواج، فهو الوسيلة الشرعية لبناء الأسرة قال الله تعالى عنه إنه ميثاق غليظ، لأنه الطريق الذي تتحقق به المصالح العمرانية والمصالح الشرعية، وصون أخلاق المجتمع والحفاظ على تماسكه، لذلك جعل من أركانه الإيجاب والقبول بين الزوجين دون ضغط من أي جهة لكن في زواج القاصرات بعقود الدين لم يتحقق هذا الركن لأن القاصر لم يترك لها الخيار بالإضافة لعدم نضجها العقلي حتى تستطيع أخذ القرار الصائب.

والشارع الحكيم وضع شروطًا لإتمام الزواج من بينها الرضا ما رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تنكح الأيم حتى تُستأذن، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت»، وقوله، صلى الله عليه وسلم: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها في نفسها وإذنها صمتها»، في المقابل زواج القاصرات بعقود الدين نجد تعسف الوالي في تزويجها دون رضا الفتاة القاصر ويجبرها على ذلك، وهذا ما ينافي الشرع، فقد روي عن خنساء بنت خذام الأنصارية، أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت فأتت رسول الله فرد نكاحها، كما روي أنه جاءت جارية بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي، صلى الله عليه و سلم، بين القبول والرفض، وفي رواية أنها قالت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا له كارهة، فقال لها: إن شئت أمضيت أمر أبيك وإن شئت فسخته، فقالت: أمضيت أمر أبي ولكن فعلت ذلك ليعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.

نخلص إلى أن زواج القاصرات بعقود الدين له آثار سلبية على الأسرة والمجتمع؛ إذ يشكل عائقًا أمام التنمية المستدامة، بسبب عدم مراعاة الفتاة التي تشكل نصف المجتمع ومجال خصب للتنمية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، ويجعلها في وضعية تابعة عاجزة عن اتخاذ أي قرارات مصيرية، وهذا منافٍ لمقاصد الشارع من الزواج، وكما ذكر ابن القيم: «كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل»، وفي السياق ذاته يجب أن تتضافر الجهود من خلال سد الثغرات القانونية لمنع هذا النوع من الزواج وتجريم زواج القاصر، بالنسبة لرجال الدين تسليط الضوء على مسألة تزويج القاصر بعقود الدين وتوعية الأولياء بمقاصد الزواج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد