في العراق يتناسل الطغاة في المضمون و ان اختلفت الأسماء و الأشكال

إذا كان لكل نتيجة سبب تتحقق من خلاله، فالمؤكد أن الطريقة التي سقط بها صدام ونظامه عام 2003 كانت المحصلة المنطقية لكل ما جرى طيلة السنوات الـ35 منذ وصوله إلى السلطة عام 1968، فلا يمكن لدورة الزمن الإلهية أن تخطئ في مسارها وقواعد عملها مهما كانت الأهواء ومهما سولت الأنفس لأصحابها كي ينكروا الحقيقة الصارخة.

إن قدر العراق وربما سوء طالعه وربما أسباب أخرى، تمثل في أنه لم ينل فرصة وجود أشخاص ذوي كفاءة وقدرة تؤهلهم لقيادة بلد بحجم العراق وإرثه التاريخي العظيم، فللأسف الشديد لم يتسلط على العراق سوى المخبولين والجهلاء وضعاف النفوس الذين وجدوا في خيراته وثرواته مطمعًا وغنيمة لا بد أن ينالوا منها أقصى قدر ممكن.

ودائمًا ما وجد هؤلاء أن سر بقائهم يكمن في إضعاف العراق بمؤسساته وتمييعها وإفراغها من محتواها وبالطبع وأد أي محاولة لوصول شخص ذي كفاءة ومصداقية، واللعب دومًا على ورقة التناقضات والاختلافات وتغذيتها وإشغال الناس بمصارعة بعضهم البعض وإشاعة روح الفساد والفوضى والعنف والعسكرة.

إن عام 2003 وما حدث فيه لا يتعدى كما نرى سوى نهاية فصل وبداية فصل جديد، اختلفت الأسماء والأشكال لكن الأساليب بقيت متشابهة، فبدل الفرد جاء أفراد، وبدل الحزب جاءت عشرات الأحزاب، وأصبح لكل حزب ومؤسسة هناك (قائد ضرورة) أو بالأحرى، هناك صدام، واستُبدل الخوف من الانتقاد حتى بمجرد الهمس، بديمقراطية (قل ما تشاء.. ونفعل نحن ما نريد).

 سلم القائد العراق وشعبه كما سلم نفسه فيما بعد للمحتل الأجنبي بعد أن أدى دوره في تخريب العراق حاضرًا ومستقبلًا بامتياز منقطع النظير، ولأن دوام الحال محال فكان لا بد لهذا الجزء من لعبة تخريب العراق من ختام كي يحل محله الجزء الجديد، وسقطت الدمية من عليائها بيد صانعيها في 9 أبريل (نيسان) 2003 بعد 3 أسابيع من اندلاع الحرب التي لم تختلف عن سابقتها عام 1991 في انعدام التكافؤ بين الطرفين، وبدأ العراق القرن الحادي والعشرين محتلًا من قبل الأمريكيين كما بدأ القرن العشرين محتلًا من قبل البريطانيين.

أصبحت بغداد الأسيرة منذ فجر تاريخها، في عهدة سجان جديد بعد أن سلم السجان القديم عهدته وأخلى مسؤوليته بمحضر استلام وتسليم رسميين، إيذانًا بدخول العراق فصلًا جديدًا من فصول محنته مع الأسر الذي طال ظلامه واشتد قيده وكثر ضحاياه.

وفي أكثر الأماكن قسوة وإيلامًا في ذاكرة العراقيين، في مبنى (الشعبة الخامسة) التابعة لمديرية الأمن في بغداد، لاقى صدام مصيره المحتوم، فلم يشفع له كل أولئك المادحين والمتغنين من كتاب وشعراء وفنانين كتبوا فيه ما كتبوا مأجورين أو مضطرين، ولا حتى القابه التي أضفاها على نفسه، ولا كل تلك البهرجة ومظاهر السلطة التي حرص على أن يظهر بها، وبشكل مشابه لمصير ولديه وحفيده الذين لقوا مصرعهم بعد اشتباكات مع القوات الأمريكية في تموز (يوليو) 2003 لينتهي بهم المطاف داخل خيمة بائسة في أرض المطار الذي حمل اسم والدهم لسنوات، جثثًا هامدة تتصفحها عدسات الكاميرات وتتناقلها شاشات التلفزة، وكما هو الحال بالنسبة لأغلب المقربين منه الذين تناوشهم الموت إما إعدامًا أو لفظًا للأنفاس الأخيرة داخل السجون.

ورغم الواقع المر والماضي المليء بالمآسي، تبقى الدعوة إلى إنهاء تسلط الجهلاء و غير الأكفاء على مقدرات البلاد ومراكز قرارها، وجعل التنوع الديني والثقافي والقومي الذي يتميز به العراق سببًا للقوة وليس الضعف والكف عن اللعب على تلك الأوتار البائسة من فرقة أو تمزيق لوحدة الشعب ونسيجه الاجتماعي.

إن سياسة إشاعة الفساد والاستبداد وزرع بذور التخلف والجهل ووأد أي تيار أو حركة إصلاحية وغيرها الكثير، مبادئ أساسية تنتهجها الأنظمة الدكتاتورية لضمان بقائها أطول فترة ممكنة في الحكم وبذلك سيفتقر المجتمع إلى ديناميكية العمل السياسي، وبالتالي فإن إلقاء اللوم بالكامل على المجتمع بأنه هو الذي يصنع الأنظمة الدكتاتورية بتخلفه وجهله، قول غير دقيق وغير منصف، لأن الفرصة من أساسها لم تُتح للمجتمع لفرز من يمكنه قيادته بالشكل الصحيح، وما الذي يمكن توقعه لمجتمعات أدخلتها السياسات التخريبية المتهورة في حروب وصراعات طائفية وعرقية ونشر للفساد والجهل والتخلف وقمع كل من يفكر أو يعمل لأجل إصلاح أو تغيير أو رفض للسياسات الطائشة وأصحابها؟!

يقول الكاتب المصري الراحل «محمد حسنين هيكل» والذي نختم هذه الوجيزة بما أورده في كتابه «حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر» الصادر عام ١٩٩٢ «إن القول المأثور عن حصول كل شعب على نوع الحكم الذي يستحقه، قاعدة صحيحة أو يجب أن تكون كذلك في مجملها، وخير ما يعبر عنها هو الحديث النبوي الشريف (كيفما تكونوا يولَّ عليكم) . لكن هذه القاعدة لا تنطبق في مطلق الأحوال ولعلها تصدق في المجتمعات التي يكون فيها للأمم والشعوب حق اختيار السلطة التي تمثلها والمفوضة للحكم باسمها، أما في العالم الثالث والعرب بضمنه فإن الشعوب لم تتملك بعد هذا الحق، وفي غياب آليات التغيير التي تستند إلى قوى اجتماعية حقيقية تظهر وتنمو، تتعطل حركة تداول السلطة وينفسح المجال لتكنولوجيا الأمن لتجمد الأوضاع الراهنة بدعوى الحرص على الاستقرار أو الحفاظ على مصالح الأمن القومي، ولعل ذلك كان انعكاسًا لأحوال مرحلة من التطور العربي دون أن يكون بالضرورة تعبيرًا عن نوع الحكم الذي تستحقه الأمة العربية … ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صدّام حسين
عرض التعليقات
تحميل المزيد