عندما تضيع الحقائق في بحر من الكذب اللعين

ما هي نوعية المرح أو التنكيت عندما يخرج علينا أحدهم كل مطلع شمس في شهر أبريل (نيسان) ويذكر شيئًا حدث لهُ، أو سوف يحدث، ثم يُتبعهُ في الأسفل بجملة «كذبة أبريل»؟

هل أحدهم هذا يشعر بالسرور حقًا كلما فعل ذلك؟ هل هذا يرُضي الجزء السخيف في روحهُ حقًا؟

ما زلتُ لا أدري.. وما زال الغيظ يَقتنلي، كيف للكذب أنه يستحلهُ ضعاف النفوس هؤلاء القوم السُخفاء طيلة شهر كامل؟ كيف نسوا حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما زال الرجلُ يكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا.

أذكرُ جيدًا وأنا صغير عندما كذبتُ ذات مرة على جدتي في أمر ما، ووبختني بُعنف وقالت لي «الكدب خيبة»، ظللت أفكر كيف للكذب أن يكون خيبة إذ إنهُ أحيانًا يُخرجني من مآزق كثيرة؟ وقلت لنفسي لا.. إن الكذب ذكاء وليس خيبة، ومرت الأيام والسنين حتى صرتُ في الاعدادية.. وذات مرة سألني أبي عن درجتي في امتحان نصف الترم في اللغة العربية، فأجبتهُ بأني حصلت على العلامات الكاملة رغم أني لم أتجاوز العشر درجات من 10.. وتجاهلتُ أن مدرس المادة من زبائن قهوة «الناصية»، والتي اعتاد أبي الجلوس بها.. فجاء ليلة الجمعة من الخارج وقام بتوبيخي، بل بضربي.. وأخذ بعلو الصوت يقول: «هي دي درجاتك يا خايب!».. حينها فقط أدركتُ أن «الكذب خيبة» كما قالت جدتي.

يقولون إن كذبة أبريل تلك حدثت عندما تَم تغيير بداية العام في التقويم الميلادي، علي يد «جريجوري الثالث» عام 1564، حيث كان الناس يحتفلون بِرَأس السنة في 25 من مارس (آذار) وتستمر الاحتفالات حتى الأول من أبريل، ثم تغيرت رأس السنة على يد غريغوري وصار الأول من يناير بدايةً للسنة، وبدأت مجموعة من الناس التي تحتفل في بداية العام بالأول من يناير بالسُخرية من أولئك الذين استمروا في التصديق بأن السنة لا زالت تبدأ في الأول من أبريل وأصروا على الاحتفال بهِ.

في الحقيقة لا أعلم مدى حقيقة هذا.. ولكني أعتقد أنهُ أمر سخفيف، فكلما حل علينا أبريل جديد أصبحتُ قلقًا، وأتمنى أن ينتهي ذلك الشهر سريعًا.. قبل أن تخرج علينا طائفة من المنافقين الكاذبين طوال العام، وبكل سخافة وثُقل، يكذبون في كل دقيقة من الشهر بحجة أنه شهر أبريل (المخصص للكذب) لقد أصبح الوضع مُملًا.. مُملًا جدًا، حتى إن لي صديقة تمنت ذات مرة أن يمر العام دون أبريل!

من مأساة هذا الشهر، أنك لا تستطيع التفريق بين الأشياء الجدية وتلك التي يظنون أنها مجرد مِزحة، حتى أنك لو كنت مُغتربًا في مدينة ما بغرض الدراسة مثلًا، وجاءك هاتف من صديقك يقول إن صديقكم الثالث قد توفي.. فربما لا تعيرهُ اهتمامًا، لأنك تعرف جيدًا مدى سخافة صديقك المُتصل وعشقهُ «الأهبل» للترندات! أو ربما أرسلت لك صديقتك «مسدج»، تلك التي حاولت مرارًا وتكرارًا أن تلمح لها أنك تُحبها وما زالت لا تفهم وتعاملك كصديقها المفضل، وقالت لك إنها تحبك.. ربما أيضًا تضحك وتقول شكرًا صديقتي.. وتكون قد أضعت على نفسك فرصةً ذهبية كي تخبرها بكل شيء.. أنت أساسًا لم تسألها إن كان ما تقولهُ لك حقيقة أم أنها مجرد كذبة من كذبات أبريل الملعونة.

منذ أربعة أعوام في الأول من أبريل اتصلت بي فتاة كنت أحبها، ولكني لم أقابلها في حياتي قط.. اتصلت ووعدتني بأن نلتقي في اليوم الخامس من هذا الشهر، ونحتسي فنجانين من القهوة سويًا في إحدى مقاهي شارع شامبليون، ولكنها لم تأت في الموعد.. وما زلتُ في الخامس من أبريل من كل عام أذهب إلى ذاك المقهى لعلها تأتي.. ولكنها لم تأت أبدًا فعرفتُ أن ذلك الموعد كان كذبة من كذبات أبريل السخيفة، وبتُ أكره هذا الشهر وأكرهُها وأكره الكذب، إلا أني علمتُ اليوم بمحض الصدفة أن تلك الفتاة قد ماتت مُنذ أربعة أعوام.

مهلًا أصدقائي.. لا تنزعجوا، ولا تكترثوا لهذا العبث، فكل ما قُلته هنا.. ليس إلا مجرد «كذبة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد