الأردن: وصاية تستنزف، وتفاعل باهت

يعد الأردن بما لديه من وصاية على المقدسات في مدينة القدس، أبرز جهة رسمية فاعلة في حماية المسجد الأقصى، والتفاعل مع ما يجري داخله، وعلى الرغم من هذا الدور الكبير، اكتفى الأردن بمطالبة الاحتلال بـ«وقف ممارساته» في المسجد الأقصى، وضرورة احترام القانون الدولي، مع إعادة تأكيد تمسك الأردن بوصايته على المسجد. ولم تتجاوز ردود الفعل الأردنية الرسمية، سقف بعض الجهود القانونية والدبلوماسية، إضافةً إلى تصريحات الشجب والاستنكار.

ومع استهداف سلطات الاحتلال للوصاية ومكوناتها بشكل مكثف، حذر وزير الخارجية الأردني في 1 فبراير (شباط) 2020، من «العواقب المدمرة لأي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم للمقدسات بالقدس المحتلة»، وجاء تصريحه في الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية في القاهرة. وفي شهر مارس (آذار) 2020 صرح رئيس الوزراء الأردني حينها عمر الرزاز، بأن علاقات الأردن مع «إسرائيل» في أدنى مستويات لها منذ توقيع معاهدة السلام بين البلدين.

ومع ترويج الاحتلال ووسائله الإعلامية لدورٍ مرتقب للسعودية في إدارة الأقصى، في سياق استهدافها للوصاية الأردنية، وتركيبة مجلس الأوقاف التابع لوزارة الأوقاف، قال جواد العناني نائب رئيس الوزراء الأردني السابق في 1 يونيو (حزيران) 2020، إن وزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة الوحيدة المخولة لتشكيل مجلس أوقاف القدس، وإنه لا يحقّ لـ«إسرائيل» أن تبحث نيابة عن الوزارة هذه التشكيلة مع أي جهة كانت. وأضاف العناني أنه يتعين على السعودية إذا كانت ترغب في القيام بدور بشأن أوقاف القدس أن تبحث ذلك مع الأردن مباشرة وليس مع «إسرائيل».

المستوى العربي والإسلامي الرسمي: ترهل في المواقف، والمزيد من الانزلاق نحو التطبيع

لم تحمل الأشهر الماضية في 2020 جديدًا من التفاعل الرسمي العربي والإسلامي مع الأقصى، فقد استمر تراجع اهتمامهما بالقضية الفلسطينية عامة، وبالقدس والأقصى خاصة، ولم تكن ردود الأفعال العربية والإسلامية الرسمية، مناسبة لحجم ما يتعرض له المسجد المبارك من اعتداء، وغلب على هذا التفاعل كما جرت العادة، بيانات التنديد والشجب والاستنكار، وما يتصل بها من مطالبات للمجتمع الدولي بالتعامل بحزم مع انتهاكات الاحتلال بحق الأقصى.

وشكلت موجة التطبيع العربي الأخيرة مع الاحتلال، أبرز تجليات هذا التراجع، الذي لم يقتصر على دول خليجية، التي وقعت اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال، بل شارك فيه النظام السوداني، بما لا يعكس حقيقة مواقف الشعوب العربية والإسلامية. هذه العوامل دفعت نحو المزيد من التراجع على مستوى اهتمام الدول العربية والإسلامية بالقضية الفلسطينية، ولم يؤثر الإعلان الأمريكي عن «صفقة القرن» ولا الاعتداءات التي يتعرض لها الأقصى في هذا التفاعل، وفي سقف هذه المواقف.

ولم يكن أداء الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بعيدًا من الأنظمة الرسمية العربية، فقد اختزلت مواقفهما بالبيانات والإعلان عن مخاطر ما يجري في القدس، من دون تقديم أي خطوات عملية تواجه تغول الاحتلال واعتداءاته. ومع ما حفلت به سنة 2020 من مستجدات خاصة في ملف التطبيع، بقيت هاتان المنظمتان تمثلان التوجه الرسمي البحت، ولا تهتم بالقضية الفلسطينية إلا ضمن أدبيات عامة وسقف المطالب ذاته، من أمثال «مركزية قضية فلسطين بالنسبة إلى الأمة العربية»، و«الهوية العربية للقدس الشرقية المحتلة»، و«أن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، يرتكز بالأساس إلى التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية، ولمجمل الصراع العربي الإسرائيلي».

ولم يبرز في هذه الأشهر سوى عدد من الدول أمثال الكويت وتركيا والجزائر وباكستان، التي تضامنت مع القضية الفلسطينية، وتفاعلت مع ما يجري في القدس والأقصى من اعتداءات. فقد أعلنت الكويت أنها لا يمكن أن تطبع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي على أثر تصريحات ترامب أن الكويت هي الدولة القادمة في التطبيع. وفي شهر فبراير 2020 أعلن مجلس الأمة الكويتي رفضه وتنديده بـ«صفقة القرن»، وفي 7 فبراير 2020 أعلن مرزوق الغانم رئيس البرلمان الكويتي حينها، في المؤتمر الطارئ للبرلمان العربي في العاصمة الأردنية عمَّان أن المكان الطبيعي لـ«صفقة القرن» هو سلة القمامة. في 22 سبتمبر (أيلول) 2020 أكدت الكويت التزامها بدعم الشعب الفلسطيني، وشدد مجلس الوزراء الكويتي على مركزية القضية الفلسطينية.

أما تركيا، فمع بداية عام 2020 سلمت السلطة الفلسطينية، نسخة من الأرشيف العثماني، الذي يضمُّ وثائق السجل العقاري الخاص بأراضي الدولة العثمانية. ما يسمح للمحامين الفلسطينيين باستخدام هذه المواد، للطعن في ادعاءات الاحتلال حول ملكيته الكثير من الأراضي في الضفة الغربية والقدس المحتلتين. وأبدت الرئاسة التركية اهتمامها بالقدس والأقصى في أكثر من مناسبة. وفي 26 سبتمبر 2020 هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاحتلال الإسرائيلي، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال إن «فلسطين هي الجرح النازف للإنسانية في ظل استمرار سياسة العنف الإسرائيلية»، وندد بالقمع والعنف اللذين يتعرض لهما الفلسطينيون، ومحاولة فرض واقع جديد في القدس المحتلة، قائلًا: «اليد القذرة التي تمتد للقدس حيث توجد الأماكن المقدسة للأديان تزيد من وقاحتها».

تفاعل شعبي عابر للحدود

على الرغم من تهافت الأنظمة الرسمية إلى حضن الاحتلال، وتراجع الاهتمام الرسمي بالقدس والأقصى، بقيت الشعوب العربية وفية لقضية فلسطين، متفاعلة مع ما يجري في القدس من اعتداءات وانتهاكات؛ إذ سجل التفاعل الشعبي مع المسجد الأقصى حضورًا لافتًا، واستطاع الشارع العربي تسجيل مواقف مميزة، ولكنها لا تترجم ضغطًا على الحكومات، نتيجة انعزال المستوى الرسمي عن مطالب الشارع الحقيقية، ما رسخ حالة الافتراق، بين المستوى الرسمي الغارق بالإملاءات الأمريكية، والمستوى الشعبي الرافض لهذه الهيمنة، والداعم للشعب الفلسطيني وقضاياه.

وفي سياق الرفض العربي للتطبيع، كشف المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، أن 66% من الرأي العام العربي يرى في الاحتلال والولايات المتّحدة الدولتين الأكثر تهديدًا لأمن الوطن العربيّ، وأن 89% من المستطلعين يرون أن سياسات الاحتلال تهدِّد أمن المنطقة العربية. ويمكن الإشارة إلى أبرز أرقام المؤشر تلك التي تتعلق بالتطبيع مع الاحتلال؛ إذ يرفض 88% من مواطني المنطقة العربية الاعتراف بالاحتلال، وكشف المؤشر عن أن 79% من مواطني السودان يرفضون الاعتراف بالاحتلال، بينما رفض 65% من السعوديين تطبيع علاقات بلادهم مع الاحتلال. وتُشير هذه المعطيات إلى أن اتفاقيات التطبيع الأخيرة بعيدة من وجدان الشعوب العربية.

ومع ما يعانيه العالم من جراء جائحة كورونا، نظمت العديد من اللقاءات الإلكترونية، ومن أبرزها «ملتقى علماء الأمة لنصرة القدس والمسرى»، في 13 يونيو 2020 تزامنًا مع الذكرى 53 لاحتلال القدس، شارك فيه نحو 800 عالم وشخصية إسلامية، من 19 دولة عربية وإسلامية. وحذر المشاركون من المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية. وأطلق الملتقى لقب «أمين المنبر» على الشيخ عكرمة صبري، لدفاعه عن الأقصى.

وفي 7 و 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 انعقد «مؤتمر روَّاد بيت المقدس الإلكتروني»، تحت شعار «القدس أمانة.. التطبيع خيانة»، من تنظيم «الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين»، ومركز «علاقات تركيا والعالم الإسلامي». ليكون أضخم مؤتمر إلكتروني عالمي نصرة لفلسطين ودعمًا لصمود الشعب الفلسطيني، شارك فيه العشرات من الشخصيات البارزة والفاعلة في خدمة القضية الفلسطينية على مستوى العالم، فيما بلغ عدد المشاركين فيه نحو 5 آلاف مشارك من 75 بلدًا.

وفي 8 نوفمبر 2020 دعا ملتقى «علماء تركيا لأجل القدس»، مؤسسات المجتمع المدني في تركيا إلى إنشاء لجنة القدس في مؤسساتهم دعمًا للمدينة المحتلة، بحضور نخبة من علماء وشخصيات تركية، وشدد البيان الختامي على أن الهرولة التي تمارسها بعض الأنظمة للتطبيع مع الاحتلال «خيانة لله ورسوله والمؤمنين وللقدس والمسجد الأقصى»، ودعا البيان إلى تضمين القضية الفلسطينية في المناهج الجامعية، وإنشاء تخصص «قضية فلسطين» في الدراسات العليا في الجامعات التركية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد