لم تعد الشعوب العربية تحتفل بجلاء المحتلين عنها، بل أصبحوا يترحمون على تلك الأيام، بعد أن عانوا ما عانوا في ظل التخلف والرجعية التي يعيشونها.

حين ذهبت إلى عدن ومشيت في أحيائها القديمة، لا أكاد أخطو خطوة حتى يخبرني صديقي أن هذا الحي قد بني في عهد الاحتلال، وهذه الساحة كلها قد بنيت أيام الاحتلال، ويتفاخر بأن شارع المعلا في عدن كان أطول شارع في الشرق الأوسط، وميناء عدن المتحارب عليه اليوم كان الميناء الثالث في العالم، والمفارقة هنا أنه كان يتفاخر بإنجازات الاحتلال البريطاني، بينما لن يذكر لي أي إنجازات للحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال في عدن، وتمنى لو أن البريطانيين لا يزالون يحتلون عدن.

اليوم لا نستطيع التحدث عن العروبة أمام من نحبهم حيث إن تكلمت بالمنطق القومي العربي ستنهال عليك الشتائم من كل حدب وصوب، وتبدأ التساؤلات: ما الذي قدمه لنا القوميون العرب؟ لن يقدموا سوى الخطابات الرنانة التي تستفز مشاعر الجماهير الغاضبة المظلومة.

من عجائب العرب في الوقت الحالي أنهم كانوا متفرقين في عدة قضايا، ولكنهم أخيرًا تحالفوا على شعوبهم المتطلعة للنهضة، تحالفوا لضرب بلد عربي كاليمن، وتحالفوا لمقاطعة بلدان عربية.

أكثر قضية نستطيع من خلالها جس النبض العربي، هي تلك القضية التي كانت سابقًا القضية الوحيدة والأولى في عقل المواطن العربي، قضية فلسطين، اليوم بعض أبناء الوطن العربي يحسدون أولئك الفلسطينيين المقيمين في كنف الاحتلال الصهيوني، ويتمنون لو أنهم يمتلكون جنسية المحتل؛ حيث يمجدون كل شيء فيها، من الجامعات وغيرها، وإذا اعترضت على ما يقوله، فسيجيبك: قل لي ماذا فعلوا لنا حتى نعاديهم هم؟ لن يفعلوا عشر ما فعلنا بأنفسنا!

لا أحد يستطيع نكران أننا ممن دمر بلاده بيده، ولا أحد يستطيع نكران أن السرطان الصهيوني نخر في جسدنا عبر اللوبي الصهيوني المنتشر في كل أصقاع الأرض من خلال تسويق سياساته المدمرة للدول المجاورة له، فبالرغم من اشتعال المنطقة كلها يعيش هؤلاء باستقرار لم تشهده سابقًا.

الردة العربية متمثلة أيضًا في سياسات الدول التي تتجه نحو التطبيع مع الصهاينة من خلال اللقاءات السرية، وتوجيه الإعلام نحو تقبل صدمة التطبيع، وتوجيه الشعوب بأن الصهاينة ليسوا الخطر الأكبر على الأمة، وإنما هناك خطر أكبر، ألا وهو التمدد الفارسي، وهذا ما صرح به كسينجر في كتابه: (النظام العالمي الجديد)، بأن بعض الدول العربية تشترك مع إسرائيل في قضية مواجهة إيران، وأنا هنا لا أقلل من خطر إيران أبدًا، وإنما أحذر من خبث الصهاينة في تسييس الأزمة لصالحها.

أصاب المواطن العربي عقدة النقص؛ بسبب العواصف التي اجتاحت هويته؛ فظن نفسه عالة على هذا العالم، بالرغم من أن تركيبة البشر لا تختلف، والمواطن العربي أثبت نفسه في الخارج أكثر من الداخل، وإنما الخلل الرئيس فيمن تولى القيادة: فالعرب في الجاهلية كانوا متناحرين، إلى أن أتى النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – ليجعلهم قادة للأمم، ومن تولى القيادة اليوم هو احتلال مصغر نتج عن همجية الاحتلال الأكبر الذي خلف وراءه النزعات الطائفية والجهل والانقسام، وقتل الأبرياء كالمليون شهيد في الجزائر، وليس الهمجية في العرب، كما وصفهم ابن خلدون بامتلاكهم طبيعة التوحش والنهب وغيره ممن كتب في جلد الذات العربية، ولم يكتب في بنائها، فكم كانوا بارعين في تحقيق عقدة النقص في العرب، وهذا ما تريده الدول الاستعمارية التي مازالت تحكم من خلال موظفيها، فالاحتلال دائمًا ما يخلف احتلالًا فكريًا، فلا تظنوا أن دولنا تحررت من الاحتلال، وإن بعض الظن إثم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد