ما جدوى مراكز الأبحاث والدراسات العربية!

نشر «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» والذي يديره المفكر العربي – كما يُلقّب – الدكتور عزمي بشارة قبل أسابيع من هذا المقال، كتابًا من أكثر من ألف صفحة تحت عنوان: «الطائفة، الطائفية، والطوائف المتخيّلة»! وأتساءل هنا ما الفائدة من هذا الكتاب الذي، بالتأكيد، كلّف الدكتور الكثير من الجهد وبالتأكيد المال ليشرح ما باتت الغالبية العظمى من العرب، صغارًا وكبارًا أميّين ومتعلمين، يفقهون معنى الطائفية، والسبب بسيط أنهم يرونها تُمارس كل يوم في بعض الدول العربية ومحيطها، وتُشاهد هذه الممارسة من قبل العرب جميعًا على شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات منذ احتلال العراق عام 2003. ولا أعتقد أن كتاب الدكتور عزمي بشارة الآنف الذكر سيضيف أي فائدة للجماهير العربية، لأن الجمهور العربي لن يقرأ ألف صفحة محشوة بمعلومات يراها تُمارس عيانًا كل يوم، وبلغة ربما كان القصد منها إظهار «ثقافة» الكاتب أو تحدي أدونيس أكثر من نيته إفهام القراء!

ولكن الكتاب ربما «يشغّل» بعض العاطلين وربما الطامعين بـ«البترودولار» أو «الغازدولار» الخليجي، فقد يترجمونه لعدة لغات «والحسابة بتحسب»! وإن كان هناك من تفاصيل «متكلّفة» في ألف صفحة فلا أعتقد أنها تهم القراء في زمن لا يجدون فيه الوقت لقراءة رسالة طويلة في تطبيق «واتساب» مرسلة من حبيب أو صديق مقرّب. فالدكتور عزمي بكتابه هذا يتذاكى لاستغباء القراء العرب، خاصةّ وأن عنوان الكتاب فيه شيء من الجاذبية في كلمتي «الطوائف المتخيلة»، فهو كمن يسترسل في وصف ممل لطريق طويل فقط ليذكر عيوبه الواضحة لمن سار عليه أعوامًا وعرفه بشكل جيد!

ونذكّر الدكتور عزمي أن الطائفية موجودة ومعروفة حتى عند الغربيين المسيحيين، فلا يزال البروتستانت يحتقرون الكاثوليك والعكس صحيح، وما يجمعهم أحيانًا هي المبادئ العابرة للأديان والطوائف كالمحافظة Conservatism أو الليبرالية Liberalism. كما تجمعهم الوطنية في أحوال أخرى، أي أن الروح الطائفية دفينة في أعماق نفوسهم كما في نفوس كل البشر وتظهر حين التعرض لأي خطر خارجي – أي خطر من مجموعة تعتبر طائفة خصم أو عدو على أساس ديني. وبالتأكيد تعاطَف الكاثوليك مع الجيش الجمهوري الأيرلندي في النصف الثاني من القرن الماضي، وإن كان التعاطف غير ظاهر ولم يأخذ صورة الدعم المادي لعدم وجود الدافع القوي كاشتراك دول بروتستانتية في حرب الكاثوليك المسلحين، أي أن الصدام كان داخليًا وعلى نطاق محدود ولأهداف حقوقية اجتماعية وسياسية. إضافة إلى محادثات السلام بين الطرفين والوساطات التي لم تتوقف مما كبح جماح «التطييف» العنيف!

هل سيزيد فهم القارئ للطائفية |إذا ما قرأ كتاب الدكتور عزمي بشارة، أم أن فهمه قد اكتمل منذ زمن واستوعب المعنى والسياق من التاريخ ومما يشهده حاليًا على الطبيعة أو على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد وأثير الإذاعات، ولم يعد بحاجة إلى المزيد من التفلسف بلا طائل؟! ثم إن توظيف بعض الدول للطائفية كما ذكرتَ في الفصل الثامن ليس جديدًا، فكل حكومة أو جماعة تشعر بالتهديد تلجأ إلى الأسلحة الاستراتيجية للتجييش وأهم هذه الأسلحة هو الدين والطائفية الدينية. لعلك تعلم أن «حزب الله» الشيعي اللبناني لم يقبل انتساب أي رجل سني إليه على الإطلاق، كما لم تقبل التنظيمات السنية في أفغانستان شيعة في صفوفها. ولم تُدخل التنظيمات المسيحية اللبنانية: «القوات اللبنانية» و«المردة» مسلمين في صفوفها! ذلك أن الطائفية متأصلة في الأديان جميعًا بلا حاجة لتأليف الكتب، وما ذكرته قبل قليل دليل على ما أقول وأضف لذلك حرب الثلاثين عامًا المدمرة بين الكاثوليك والبروتستانت من 1618 إلى 1648، وأيضًا ما حصل ويحصل اليوم في العراق وبلاد الشام (سوريا ولبنان) تحديدًا وفي الجزيرة العربية بين السنة والشيعة!

أما المقدمة التي كتبها الدكتور عزمي بشارة لكتاب «استراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح»، وهو من تأليف عدد من الباحثين، فكانت من ثلاثة أجزاء تحت عنوان: «في تطبيع غير الطبيعي». ونصح الدكتور عزمي أتباعه، إن صح التعبير، بالالتزام في ثقافة المقاطعة وكأنه على العرب الأحرار أن ينسوا مسألة تحرير فلسطين وحتى مجرد التفكير بتحريرها، وأن عليهم سلوك الطريق الأسهل وإن أخذ عشرات السنين الأخرى – وهذا لأن المقاطعة ستكون «استراتيجية»، أي طويلة الأمد! مقاطعة يبدو أن هدفها هو العمل على «خنق» الدولة العبرية بالمقاطعة فكأنها تستورد من العرب «غذاءها ودواءها»، ومعظم قطع الغيار لآلتها العسكرية، أو ربما يعتقد الدكتور عزمي بشارة ومركز الأبحاث الذي يديره أن العكس هو الصحيح؟! ولهذا فقد فهمنا أن المقاطعة «مجدية» وتوفر أرواح ودماء الشعوب العربية. وكأن الدولة العبرية لا تجد من يدعمها بكل شيء، من رغيف الخبز حتى الغواصات النووية وطائرات الـ F35!

ويقول الدكتور عزمي في الجزء الثالث من مقدمته: «لكن استراتيجية المقاطعة تكتسب أهميّة كبرى على الساحة الدوليّة، في دول تحتفظ بعلاقات طبيعية مع إسرائيل. المقاطعة، في هذه الحالة، أسلوب نضال على الساحة الدولية؛ فهي الجواب الحالي على كيفية ترجمة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني إلى خطوات عمليّة». ونلاحظ أن الدكتور يدعونا لتكون المقاطعة هي سبيلنا الاستراتيجي للتحرير! ويقول في الجزء الثاني: «إن رفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل نضال عربي أولًا.» يبدو -حسب الدكتور عزمي – أن المقاطعة هي قدر كل العرب وليست قدر الفلسطينيين وحدهم!!

ثم نأتي على الكتب التي نشرها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» التي لم تكن بأي شكل من الأشكال مختلفة عن كتاب الدكتور عزمي عن الطائفية من حيث فائدتها للقراء العرب، بل ربما أسوأ بكثير. وسأكتفي في كثير من الأحيان بذكر أسماء بعض الكتب المؤلّفَة والمترجمة، وكما يقول المثل: «المكتوب يُقرأ من عنوانه»، وأدرج شيئًا مما قاله المركز في التعريف بهذه الكتب! ونلاحظ أن معظم الكتب المترجمة، مترجمة عن اللغة الفرنسية، لماذا؟!

  1. 1. صدر حديثًا عن سلسلة «ترجمان» في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب ظلال وأضواء على عائلة نور: مقاومة التهميش في مجتمع المهاجرين، وهو ترجمة رياض الكحال لكتاب كاترين ديلكروا Ombres et lumières de la famille Nour: Comment certains résistent face à la précarité، الذي تتتبّع فيه تجربة عائلة المغربية المهاجرة المقيمة في فرنسا منذ عقود، والتي تتلاطمها البطالة والافتقار المزمن إلى المال وأشكال التمييز المختلفة.
  2. 2. في كتابه بحر الصين الجنوبي: تحليل جيوبوليتيكي، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يبحث دياري صالح مجيد في الأهمية التي يحظى بها اليوم بحر الصين الجنوبي بسبب وقوعه جغرافيًّا في نقطة التقاء طرق المواصلات البحرية الأكثر كثافة في العالم!
  3. صدر حديثًا عن سلسلة «ترجمان» في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية، وهو ترجمة محمد عبد النور وسعود المولى لكتاب فالنتينا غراسي Introduction à la sociologie de l’imaginaire.

يعرض هذا الكتاب للدراسات المخيالية ومؤسسها جيلبير دوران، ولمؤسسي علم الاجتماع الفهمي والظاهراتية الاجتماعية.

  1. صدر عن سلسلة «ترجمان» في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب ولادة الطب السريري، وهو ترجمة إياس حسن لكتاب ميشيل فوكو Naissance de la Clinique. هذا الكتاب (336 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) مؤلف من مقدمة وعشرة فصول.

في المقدمة، يقول فوكو إن بحثه هذا يتضمن مشروعًا يُقصدُ به أن يكون تاريخيًا ونقديًا معًا، من باب أن الأمر منوطٌ، خارج كل مقصد موجَه، بتحديد شروطِ إمكان الخبرة الطبية مثلما أدركها العصر الحديث. ويجب القول بوضوح إن هذا الكتاب لم يُكتب لمصلحة طبّ دون آخر، أو ضدّ الطب لمصلحة غيابه، إنّما المقصود دراسة تسعى إلى أن تستخلص من سماكة الخطاب شروطَ تأريخه.

  1.  اللغة العربية في النظام الصهيوني – قصّة قناع استعماري إسماعيل ناشف

يتألف الكتاب (272 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من أربعة فصول وخاتمة. في الفصل الأول، الفائض والقهري – «العربية»، يتطرق ناشف إلى قضية التاريخ البنيوي لاستعمال اللغة العربية الفصحى ومنتجاتها من قبل الفلسطينيين في إسرائيل، ويتتبع الشروط البنيوية التي تمكن القراءة والكتابة للفلسطينيين في إسرائيل في أعقاب نكبة 1948 التي أدت إلى فقدان الفلسطينيين قدرتهم على الفقدان، وبهذا سلبت منهم إمكانية تشكيل جماعيةٍ ما. بحسب ناشف، كان هناك إغلاق لبنْية قراءة وكتابة صهيونية محددة مبنية على الفائض، تحتم على كل حدث أن يقرأ وأن يكتب من جديد بحسب علاقته بالمشروع الصهيوني.

  1. صدر حديثًا في سلسلة «ترجمان» عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب حنّة أرندت: السياسة والتاريخ والمواطنة، وهو تعريب خالد عايد أبو هديب لكتاب Hannah Arendt: Politics, History and Citizenship لفيليب هانسن. يقتفي هانسن في كتابه هذا مساهمة حنة أرندت في دراسة الحياة العامة، ومحاولتها تخطيط طبيعة «السياسي» في عصرنا، والسبل التي يرتبط فيها الناس بعضهم ببعض، وما يعلّمنا ذلك بشأن ماهيتنا وما في مقدورنا فعله. 384 صفحة بالقطع الوسط.

اسأل عن خلفية إصدار مثل هذه الكتب والترجمات! وما الفائدة التي جناها أو يمكن أن يجنيها القارئ العربي من مثل هذه الكتب! وأتساءل أخيرًا ما جدوى مراكز أبحاث كهذا، ومنتديات أخرى مشابهة في النهج لمراكز البحث – ربما لم يسمع عنها العرب برغم الميزانيات الضخمة وربما سأكتب عنها لاحقًا – وما هدفها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد