لا تخطئ عيناك وأنت تجول بهما في كتاب حضارة العرب، للمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، أن تقف على هُيام الرجل بالحضارة العربية التي تبلورت على يد زعيمها محمد – صلى الله عليه وسلم –  كما يصفه الكاتب، إذ لا يُخفي الكاتب إعجابه الشديد بشخصية محمد الفذة ودورها المحوري في توحيد قوة العرب وتوجيهها الوجهة السليمة، وبالرغم من أن الكاتب يقرر أن ثمة مؤهلات متينة كان يحوزها العرب قبل الإسلام، إلا أن القيادة المحمدية استطاعت أن تستثمر الخامات الجاهزة، والقابلية الجيدة لدى العرب لصناعة الحضارة التي أدهشت العالم.

ويفند المؤرخ الدعاوى التي تذهب إلى أن لحظة ميلاد العرب كانت على يد محمد، فهو وإن كان يؤمن بالدور المحوري للنبي في إعادة بعث العرب، إلا أنه يجزم بأصالتهم وعمقهم الحضاري، فيقول: (لو لم نعلم شيئًا عن ماضي العرب، فإن أمكن ظهور حضارة أمة ولغتها بغتة على مسرح التاريخ لا يكون هذا إلا نتيجة نضج بطيء، فلا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدرج، ولا تبلغه درجة التطور العالية التي تبدو للعيان إلا بعد الصمود في درجات أخرى).

ونحن نميل إلى أن العرب كان لديهم مؤهلات واستعدادات جعلتهم يتقبلون رسالة النبي ويصلون بها إلى أقاصي العالم آنذاك، تلك القابليات والجاهزيات التي وظفها النبي وخرجت على يده خير أمة أخرجت للناس كما وصفها القرآن.

ثم يعزو المؤرخ سبب هذا الوهم لدى بعض المؤرخين في اتهام العرب بالهمجية إلى أسباب حيث يقول: (ولم ينشأ وهمُ الناس في همجية العرب قبل ظهور محمد عن سكوت التاريخ فقط، بل نشأ عن عدم التفريق بين أهل البدو وأهل الحضر من العرب… ويسهل علينا أن نثبت وجود حضارة عظيمة لهؤلاء المتحضرين من العرب وإن كنا لا نعرف تفاصيلها، كحضارة اليمن التي حكم ملوكها ثلاثة آلاف سنة، وأنها غزت بلاد الهند والصين من المشرق وبلغت بغزواتها مراكش من المغرب.. وعاشت دولة الحيرة أربعمائة سنة، وكانت الحيرة تنافس القسطنطينية وعاصمة الفرس ولم تقِل عنها أهمية مملكة غسان التي أسسها عرب اليمن بعد ظهور المسيح بزمن قليل، والتي دام سلطانها نحو 500 سنة، واشتملت على ستين مدينة محصنة، وظهرت عظمة حضارة مملكة غسان بعد حل الكتابات الحميرية المنقوشة على آثارها التي اكتشفت بالقرب من عاصمتها بصرى الواقعة على حدود سورية).

ثم ينتقل المؤرخ إلى سر عظمة الإسلام – المُحرِّك الأساس للعرب – في بساطة عقيدته وسهولتها وخلوها من التعقيد فيقول: (تُشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، وإدراكه سهل، ولا شيء أكثر وضوحا وأقل غموضا من أصول الإسلام القائلة بوجود إله واحد، وبمساواة جميع الناس أمام الله، وإنك إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة، وهو بذلك على عكس النصراني الذي لا يستطيع حديثاً عن التثليث والاستحالة وما ماثلها من الغوامض).

ثم يؤكد أن الزمن لم يمس (دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي، والذي لايزال ذا سلطان كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تخسر كل يوم شيئًا من قوتها).

يأخذك الكاتب متتبعا أسباب النهضة الأولى وعوامل سقوطها، ثم لا يبارح أي فصل في الكتاب دون أن يخوض جدالًا علميًا مع بني قومه ويرُد على تصوراتهم الخاطئة تجاه العرب.

ويرى أن للجنس العربي في ذاته تألقًا وذكاءً وهو إذ يقارنه بالجنس الغربي لا يرى أي تفوق للغرب اليوم إلا في خلو البيئة العربية من العقول العملاقة التي أحدثت طفرات علمية كبيرة، والزعامات الصالحة، التي لو رُزقها العرب اليوم لأخذوا زمام الحضارة العالمية، وأدهشوا العالم بذكائهم وسمو أخلاقهم.

ويعزو المؤلف إلى التفوق الأخلاقي لدى العرب والتسامح الذي ظهر جليا في فتوحاتهم، سر إقبال الشعوب عليهم.

ولا يُخفي الكاتب إعجابه من تواضع العرب وتتلمذهم لعلوم السابقين لهم من اليونان وغيرهم، ثم تفوقهم على من سبقهم فيقول: (إن العرب الذين كانوا أميين في بدء الأمر لم يلبثوا أن فاقو أساتذتهم، وأنهم تعلموا بسرعة ما كانوا يجهلون من فنون الحرب، فسبقوا أعدائهم في ذلك، وأنهم بعد أن كانوا مبتدئين في العلم والفنون ماثلوا الأمم الأخرى فيها بفضل ما أنشأوا من المدارس ثم تقدموها، وأنهم بعد أن كانوا غير عالمين بفنون العمارة، استطاعوا بالتدريج أن يتخلصوا كل الخلاص من كل مؤثر أجنبي بما أحدثوا من التغيير والتبديل في فنون العمارة وفق ذوقهم الفني).

ويعزي للعرب أنهم نقلوا العلم من الفضاء التأملي الذي كان عند اليونان إلى الميدان التجريبي وهو ما أدى إلى ولادة علوم جديدة على أيديهم كالكيمياء والبصريات وغيرهما، وقفزت علوماً أخرى كالفلك والطب قفزات نوعية على يد العرب، ثم يُثني على عشقهم للمعرفة وانفتاحهم على الأفكار التي سبقتهم، وبفضل هذا الانفتاح حافظوا على تراث البشرية الذي وصل إليهم، ولم يقترفوا ما أقترفه الرومان من حرق للمكتبات وطمس للتراث المصري واليوناني بحجة كونه تراثا وثنيا، بل فند المؤرخ التُهم التي ينسبها الباحثون إلى العرب بإحراق المكتبات.

ولم يضِنَّ العرب بعلومهم، بل جعلوها بين أيدي الناس لمن شاء أن يتعلم، ويؤكد أن العرب هم مصدر المعرفة في القرون الوسطى، وأن (جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردا علميا سوى مؤلفات العرب، وأنهم هم الذين مدنوا أوروبا مادةً وعقلا وأخلاقا، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يفُقهم قوم في الابتداع الفني).

ويؤكد أن (الغرب وليد الشرق، وأنه لا يزال مفتاح ماضي الحوادث في الشرق، وعلى العلماء أن يبحثوا عن هذا المفتاح).

ثم انتقل الكاتب ليقف على أهم عوامل سقوط العرب، فيجعل من بينها تحول الطاقة الفاتحة إلى طاقة مدمرة، فعندما توقفت حركة الجهاد والفتوح نحو الخارج، ارتدت الطاقة نحو الداخل فنشبت الصراعات التي أدت إلى تبديد الطاقات العربية ليستغلها الآخرون في هزيمة العرب إذ يعلق قائلا: (وأخذ العرب يتقاتلون بعد أن خلا العالم من بلد يفتحونه، وحلّت ساعة تفرق كلمتهم، ودخلوا دور الانحطاط، وقوّضوا كيانهم بسلاحهم أكثر مما قُوّض بسلاح الأمم التي خضعت لسلطانهم).

ومن أساب سقوط العرب انزواء العدل والمساواة التي نادى بها القرآن من حياتهم (فلم يدم ذلك العدل زمنا طويلا، فقد صار الخلفاء ملوكا مستبدين، وإنما بقي العرب متساوين أمام القرآن حتى الزمن الحاضر).

ثم يُلمّح إلى دور النُظم السياسية العقيمة في سقوط سلطان العرب فيقول: (فالعرب وإن كانت عبقريتهم الثقافية من الطراز الأول، لم يبدُ نبوغهم السياسي غير ضعيف).

بل يؤكد أن تلك النظم ستحجبهم عن تجاوز العتبة الحضارية المعاصرة فيقول: (ولكننا لا نعتقد، مع ذلك، أنهم كانوا يبلغون مستوىً أفضل مما بلغوا؛ لما كان يسفر نقص نُظُمهم عنه من الموانع). وهي أزمة لا تزال تستنزف العرب حتى اليوم وتحرمهم من فرصة النهوض ثانية.

ثم وقف الكاتب على ورثة العرب في البلدان التي سيطروا عليها، فجعل من نصارى إسبانيا أسوأ وارث للعرب، فقد حرموا إسبانيا من العقول التي بنت نهضتها وحكموا عليها بالموت البطيء ولا تزال إسبانيا حتى اليوم وبعد مرور قرون طويلة تدفع فاتورة التخلف الذي جنته محاكم التفتيش حين طردت العرب فيقول: (إن التاريخ لم يرِو خبر أمة كالإسبان هبطت إلى دركةٍ عميقةٍ في وقت قصير جدًا، فقد توارت العلوم والفنون والزراعة والصناعة، وكل ما هو ضروري لعظمة أمة، عن بلاد إسبانية على عجل، وقد أغلقت أبواب مصانعها الكبرى، وأهملت زراعة أراضيها، وصارت أريافا بلاقع.. ولم تلبث المدن الكبرى كقرطبة أن أصبحت كالصحارى تقريبا، بعد تواري العرب).

ويختم المؤرخ حديثة بمسألتين: الأولى تعجبه وحسرته على قومه الذين لا يزالون ينظرون للعرب بمنظار الحروب الصليبية ومخلفاتها، ولم يستطيعوا بعد أن يتجاوزوا الأوهام التي نسجتها خيول فرسان الصليب تجاه العرب، وهي أوهام لا يزال كثير من المستشرقين يعيدون إنتاجها باسم البحث العلمي فيقول: (وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة، وصارت جزءا من مزاجنا، وأضحت طبيعة متأصلة فينا تأصل حقد اليهود على النصارى الخفي أحيانًا والعميق دائما).

ومسألة أخرى يتنبأ بمستقبل زاه للعرب في حال توفرت لهم قيادة عظيمة، فهم أمة من الخامات الجاهزة للمنافسة على قيادة العالم، ولا تزال وصايا محمد ترن في آذانهم، ولم تستطع الحضارة الغربية أن تخترق قواعد بنيانهم الفكري ومنظورهم العام للحياة، وما ثم إلا قشورا تأثر بها المشارقة، سرعان ما ينفضونها عنهم، إذا ما حانت الانطلاقة الذاتية فيقول: (وهم لا يفتقرون إلا إلى أمر أساسي، أي إلى طبقةٍ عاليةٍ كافيةٍ وبعض العظماء؛ ليكونوا هم والأمم الأوربية المتمدنة على قدم المساواة، ومن حظنا الحَسن أن كانوا عاطلين من مثل هؤلاء، وإلا لاستطاعوا بالإضافة إلى طبقاتهم الوسطى، أن يقوموا مقامنا، وأن يقبضوا على زمام الحضارة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد