قبل أن أبدأ .. أحذرك بأن تربط حزام الواقعية، تستعد للاكتئاب، فلن تجد في المقال أدناه أي عبارة تشير إلى التفاؤل أو الأمل .. هل أصبحت جاهزًا؟! لنبدأ الآن.

 

نظرًا لكثرة الإنجازات التي تحققها دولنا العربية نبدأ بالتذكير ببعضها ونبدأ من مصر عندما احتفلت بأكبر طبق كشري في العالم، مرورًا بعمان وأكبر طبق “مكبوس اللحم”، والمغرب بأكبر “عجة بيض”، ولبنان بأكبر طبق “حمص وفلافل”، وتونس بأكبر طبق “بيض بالنقانق”، وفلسطين بأكبر طبق “مسخن”. بعد مرور بعد الوقت على تلك الاحتفالات نأتي اليوم لنحتفل بإنجاز آخر حققته دولنا العربية في العام 2014 .. الدول الأكثر فسادًا !!

 

الحقيقة أن دولنا العربية لا تتوقف عن المنافسة على المراكز الأخيرة في الفساد منذ زمن طويل، نعم الأكثر فسادًا في العالم. “لا صوت يعلو فوق صوت الواسطة والمحسوبية، ولا سبيل لدينا إلا الفساد” رسالتها للعالم!! إذن لدينا الآن ما نحتفل به.

 

تعود القصة إلى مؤسسة “الشفافية الدولية” ومقرها برلين التي تصدر تقريرًا سنويًا عن الفساد يضم قائمة بالدول الأكثر فسادًا في العالم، على مؤشر فساد يبدأ من الأقل فسادًا رقم (1) وحتى الأكثر فسادًا يتم ترتيبها وفق معايير محددة معروفة دوليًا بالشكل الذي يحدد مستويات الفساد والشفافية في القطاع العام.

تقرير المنظمة لعام 2014 الصادر في ديسمبر لنفس العام يضم 177 دولة، فلسطين غير مدرجة ليس لأنه لا فساد فيها أو أنها فوق القانون، إنما لأن معايير المنظمة لا تنطبق عليها، فهي تقع في كوكب آخر ومكان لم تستطع تلك المنظمات الوصول إليه بعد.

 

بالنظر إلى نتائج التقرير احتلت الدنمارك المرتبة الأولى، واحتلت الصومال المرتبة الأخيرة. أما على صعيد بقية الدول العربية فقد احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى عربيًا والمركز 25 عالميًا، وجاءت قطر الثانية عربيا والمركز 26 عالميا، والثالث عربيا لكل من البحرين والأردن والمملكة العربية السعودية، واشتركوا جميعًا في المركز 55 عالميًا، ثم سلطنة عمان والكويت في المركزين الرابع والخامس عربيا والمركزين 64 و67 عالميًا. ثم بعد ذلك تونس والمغرب ومصر والجزائر في المراكز 79 و80 و94 و100 على التوالي، وفي المراكز الأخيرة عربيًا وعالميًا جاءت سوريا في المركز 159، واليمن 161، وليبيا 166، والعراق 170، والسودان 173، ثم الصومال 174.

 


خارطة توضح تصنيف الدول بالألوان بشأن الفساد لعام 2014 وفق منظمة الشفافية الدولية (الفساد باتجاه اللون الأحمر)

الآن بعد ظهور النتائج جاء الوقت لنقف قليلًا امام تلك النتائج .. شاهد الترتيب لأكثر الدول فسادًا في العالم حسب الجدول التالي:

 


كما يظهر تصدرت سبعة دول عربية قائمة الدول الأكثر فسادًا لعام 2014 في العالم، وهي على الترتيب: الصومال، السودان، جنوب السودان، العراق، ليبيا، اليمن، سوريا.

 

ذلك ليس حقيقيًا بالتأكيد، فنحن العرب!!، لا أعتقد أنها صحيحة على الإطلاق، هل تعتقد أنت؟!!، إذن تعال لنبحث عن تلك الدول لنبين للعالم أنه مخطئ .. تعال لنلق نظرة واقعية على تلك الدول الفائزة:

 

  1. الصومال:
  2. الترتيب 174/174 – المركز الأخير

    المنضمة تحت لواء جامعة الدول العربية عام 1974م، لديها اللغة الصومالية وبجانبها اللغة العربية، صاحبة الحرب الأهلية عام 1991م، لم تتنازل عن المركز الأخير في الفساد منذ عام 2007م، أصبح الأمر عاديًا هناك، تتردد على هذا المركز كما يتردد السؤال المتكرر منذ حين، لماذا تصنف الصومال دولة عربية؟!!!.

     

    في الصومال معسكرات لاجئين ونزوح يموت فيها الناس من الجوع والعطش، حكومتها مبنية على الفساد المالي والإداري، لا تستطيع توفير رواتب موظفيها وتعتمد على المنح والأموال الخارجية، تتعايش مع العجز القانوني والمعلوماتي والاقتصادي والأمني.

     

    ذكر تقرير لقناة الجزيرة لشهر يوليو 2013م أن 80% من عمليات سحب الأموال من البنك المركزي في الصومال تتم لأغراض شخصية وليست لصالح الحكومة كما أشار التقرير إلى أن 12 مليون دولار تم فقده من 16.9 مليون من المنح المقدمة للصومال.

     


     

     

  3. السودان:

     

    173/174 المركز قبل الأخير
    أو شمال السودان بعد انفصاله عن جنوبه، يقسمها نهر النيل إلى جزء شرقي وآخر غربي عاصمتها الخرطوم، لها تاريخ طويل مع الحروب الأهلية، البنية التحتية مدمرة والاقتصاد ضعيف ويعيش أكثر من 46% من سكانها تحت خط الفقر.

     

    تعالج السودان قضايا الفساد بالفساد، هكذا وصف المعارضون طريقة تعامل الحكومة مع قضايا الفساد في تقرير للجزيرة شهر مايو 2014. أصبحت أخبار الفساد فيها كأخبار الرياضة، تثير الحماسة في النفوس.

     

    قضايا الفساد المرفوعة على الحكومة في المحاكم كثيرة، منها إدخال بذور قمح فاسدة بقيمة 10 ملايين يورو سببت تراجع الإنتاج وفشل المحصول الزراعي.

     

    الثروة النفطية تذهب مباشرة إلى يد الحكومة، الرشاوى تطلبها الحكومة علنا من المواطنين، الكسب غير المشروع أساس المكاسب هناك.


 

 

جنوب السودان:

 

تحتل المركز 171/174
دولة جنوب السودان جنوب دولة شمال السودان!!، أصبحت كذلك عام 2011 بعد استفتاء شعبي وانفصلت عنها بعد مقتل 2.5 مليون شخص في الحروب والنزاعات، كانت جزءًا من فساد كل السودان قبل الانفصال ولا تزال بعد انفصالها عنها، يبدو أن علاقتها بالفساد علاقة عشق لا تنتهي بانتهاء العلاقة.

 

هي إذن دولة وليدة وليس لديها هياكل حكومية منظمة، ما يعطي للسياسيين والعساكر مجالًا واسعًا في تجريب أنواع الفساد واختيار الأفضل. يدخل على جنوب السودان مليارات الدولارات كل عام من أمريكا، إضافة إلى عائدات النفط التي تقدر 10.6 مليار دولار سنويا. المفارقة في الأمر أن معظم تلك الأموال تذهب إلى جيوب المسؤولين الحكوميين بالإضافة إلى شركات النفط التي تستفيد منه أكثر من الحكومة والشعب.

 

في جنوب السودان 85% من القوى العاملة فيها مرتبطون بعمل غير مدفوع، وحصلت الدولة على لقب رائع وهو لقب أسوأ مكان تتواجد فيه المرأة لولادة طفل حسب صحيفة “الإندبندنت” البريطانية.

كما أن لديها ميزة مختلفة عن أختها الشمالية، فهذه الدولة الجديدة تحتوي على 85% من احتياطي النفط السوداني قبل الانفصال وهي منطقة غنية بالثروة المعدنية والبترولية إلا أن ذلك لا يعني شيئا لأهلها وسكانها، يكفي أن تعرف أن مصدر الدخل الرئيسي لأغلب السكان هو زراعة الكفاف فضلًا عن أن أكثر من نصف السكان يعيشون في فقر مدقع.

 


 

العراق:

170/174

الفساد في العراق الحديثة أصبح قاعدة وليس استثناءً، أصبح عنوانا .. والسرقة بالمليارات، أصبح للفساد فيه مواقع إلكترونية خاصة وعناوين جذابة، حتى لقبها البعض بعاصمة الفساد الأولى في العالم.

 

بدأت قصة الفساد الحديث في العراق قبل نهاية السنة الأولى من الغزو الأمريكي لها ولم تنته بعد، حالات الكسب غير المشروع والرشاوى أصبحت معاملة عادية تستخدم للخروج من السجن وتلبية خدمات توصف بالعسكرية إضافة للحصول على وظيفة، أما في البترول يعملون عليه بطرق إبداعية فالفاسدون يقومون ببناء منازل على رأس أنابيب البترول ومن بعدها يقومون بشق ثقوب لسرقة البترول لحساباتهم الشخصية فهي بذلك تصبح ملكًا لهم.

 

الحكومة ومسؤولوها قصة أخرى، فكما ذكر “موسى فرج” الرئيس السابق لهيئة النزاهة في العراق في تقرير لموقع الجزيرة أن قادة الفساد في العراق هم الساسة ورؤوس الحكومة، حتى أن الفساد طال أجهزة كشف المتفجرات ما كان نتيجته مقتل عشرات الآلاف من العراقيين، كما أشار إلى أن 40% من المواد الغذائية في السوق العراقي فاسدة ومنتهية الصلاحية، في حين أن نسبة فساد الأدوية أكثر من ذلك!!

 


 

 

ليبيا

166/174

 

تبدأ دورة الفساد فيه عندما يتم وضع الموازنات المالية السنوية فيها بدون أي سند ولا تنتهي إلا بإعلان عجز الموازنات .. وللفساد عناوين رئيسية .. الصفقات المشبوهة وقضايا الاختلاس الكبيرة، والوظائف التي توزع على هذا وذاك خاصة المنتمين للقبائل الكبيرة.


 

 

اليمن:

161/174

 

أصبح الفساد في اليمن ثقافة وتحول إلى سلوك يومي، الترهل الإداري القانوني له كلمة عليا، يعملون جاهدين على تدليل القضاء والقضاة، فكثير من قضايا الفساد فيه تنتهي أثناء التحقيقات ولا تنظر أمام المحاكم وتحل خارج القانون.

 

هل سمعت يومًا عن موظف وهمي؟! نعم إنه موجود في اليمن، تجد ذلك الوهمي منتشر في كل الوزارات الحكومية وغيرها، ما يعني تدمير الخدمات والمؤسسات.

 

هل تعلم أن الفساد في اليمن طال “الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد” بعد اتهامها بإجراء خروقات قانونية وتجاوزات مالية؟! وهل تعلم أن عضوًا في رئاسة تلك الهيئة متهم بأنه تقاضى 200 ألف ريال شهريا بدل تعرض منزله للقصف في إحدى محطات العنف هناك بالإضافة إلى 70 ألف ريال بدل سكن شهري كما بلغت عدد سفرياته في عام واحد 10 سفريات تقاضى عن الواحدة منها مليون ريال لبعض السفريات.


ولا تعتقد أن الأمر فردي إذ كشف الصحفي أحمد عايض في تقرير لموقع الجزيرة عن قضايا فساد في إحدى الوزارات قيمتها تزيد عن 4 مليار دولار ولكن الهيئة لم تقم بأي إجراء بالخصوص.

 


 

سوريا:

158/174

سوريا … إذا أردت معرفة حجم الفساد هناك عليك النظر إلى ما يحدث فيها الآن .. إذ أن نتيجة الفساد بصورة أو بأخرى بالإضافة إلى مسببات أخرى تعود للفساد أيضًا!!


 

 

بصراحة معلومات غريبة، ليست صحيحة، وحتى لو كانت فيها بعض المصداقية فالفساد سببه فئة صغيرة تسطير على الدولة ولا دخل لنا بذلك .. أقنع نفسك بذلك إن استطعت!!

 

دعونا نكون صادقين مع أنفسنا فما فساد الدول إلا انعكاسًا لفساد الشعوب، فالحكومة الفاسدة اختارها الشعب، ولو كانت النتائج مزورة من قام بذلك حتمًا من الشعب، ولا فرق بين الشعب في الحالتين إلا باختلاف الأشخاص وهم في النهاية منا. ومن يدعم الواسطة والرشوة من الشعب، ومن يقتل ويخرب أيضًا من الشعب. كفانا مثالية خداعة هدامة، لا تنظر إلى نفسك وتقول الشعب طيب والدنيا بخير .. لا تضحك على نفسك.

 

ذلك ليس تشاؤمًا إنما قد يكون قمة التشاؤم ولكن .. لم لا؟! ألا نعرف جميعًا أن أول خطوة تجاه التحول للمسار الصحيح هو اكتشاف الخطأ والاعتراف بالمشكلة؟! إذن لا تطالبني بأن أكتب شعرًا في بلاد فاسدة ما دمت تريد أن تصحح مسارها.

 

لن أطرح حلولًا جوهرية أيضًا فلو أردتها فهي موجودة في كل مكان .. في كتب الإرادة والحياة، في تطبيق القانون والنظام، وتصحيح التعليم والعلم، في الاعتماد على الخبرة ومن يستحق، وتغليب الصالح العام على الخاص، في العمل وأن تبدأ بنفسك .. فقط افعل شيئًا يا صديقي.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد