قرن من الهزائم المتوالية ضربت جذور المنتج الثقافي العربي، يعالج هذا المقال تحولات الثقافة العربية، إبان سقوط الدولة العثمانية والفشل الذريع في بناء المشروع البديل وهي النقطة الأولى أما الثانية فهزيمة 1967، والتي شكلت الأيديولوجية العربية فيما بعد.

سقوط السلطنة

بدا شكل الدولة العربية مهزوزًا من الداخل شكلانيًا في بنائه، وتبعتها مشكلة خارجية تمثلت في سلسلة الهزائم العربية المتتالية حالت دون أي تقدم يذكر مع مقتضيات الرأسمالية من الناحية المجتمعية والفكرية كذلك، بل وولدت شكلًا أيديولوجيًا خاصًا بها وذلك بدأ منذ سنة 1924 وهو التاريخ الذي أطلق فيه مصطفى كمال أتاتورك رصاصة الرحمة على دولة الخلافة المتهالكة ذاتيًا، وأعلنت الدولة التركية طلاقها النهائي من تاريخها الإسلامي/ العربي، واتخذت مجراها الطبيعي في ولادتها الحداثية الجديدة، ولكن تلك النقلة فتحت بابًا للتأزم العربي على كل المستويات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، بحيث بقيت الكولونيالية الغربية في الوعي العربي العائق الأساسي دون تحقق الدولة القومية العربية على غرار جارتها التركية أو ما تبقى من الدولة السلطانية.

ولد سقوط الخلافة شعورًا عامًا بالهزيمة في الوسط الإسلامي، ولا سيما لدى مدرسة النهضة ومتبعي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، السقوط الذي أفضى إلى إسقاط الأسئلة السياسية التاريخية حول العدالة السلطانية ومقتضياتها وشروطها، وأفقد الفكر السياسي الإسلامي مضمونه، وباتت النقاشات الإسلامية هلامية تدور حول الدولة الوهمية وحسب. وهو التحول التاريخي الأول في العصر الحديث – إن صح التحقيب – إلا أنها – بما هي هزيمة – لم تتجاوز الوسط الإسلامي وتصوراته عن دولة الخلافة. وفي المقابل بدا نصرًا لمثقف آخر كان أكثر طموحًا للدولة القومية الحديثة، فقد بدا رشيد رضا مدركًا لمفاعيل الانهيار الذاتي للسلطنة العثمانية بفعل الفساد على كافة مستويات السلطنة إضافة إلى سياسة القمع كصفة عامة للمنظومات السلطانية حيث يقول: «فقد كان السواد الأعظم من هؤلاء الملايين يرمي من يخالف أهواء السلطان عبد الحميد بالخيانة أو المروق من الدين» ولكن في المقابل وجد في مقام الخلافة ذاته منزلًا مبجلًا ينبغي تصحيحه لا تدميره مناشدًا الرمق الأخير مما تبقى من نزعات سلطانية لدى الشعب التركي للقيام بمهام التسيّد «أيها الشعب التركي الباسل، لا يجرمنك المتفرنجون على تقليد الإفرنج في سيرتهم، وأنت أهل لأن تكون إمامًا لهم بمدنية خير من مدنيتهم، انهض بتجديد حكومة الخلافة الإسلامية». ولم تنقطع ارتدادات تلك الهزيمة الكبرى لدى العقل الإسلامي حتى وقتنا الراهن.

تبخر الدولة القومية

بيد أن التطورات العالمية منذ القرن التاسع عشر والخُطا المتسارعة نحو الرأسمالية تحدو بنا إلى إدراج ملف الخلافة ضمن النسق القومي العربي من جهته اليمينية. وبذلك لا يعدو سقوط مشروع الخلافة سوى سقوط المشروع العربي التاريخي في بناء الدولة المستقلة ذات السيادة بصيغتها السلطانية. الأمر الذي يحيلنا إلى ثورة الشريف حسين (الثورة العربية الكبرى) بما هي محاولة لاستعادة مركز السلطة الإسلامية إلى الديار العربية ذاتها بل إلى قيمتها الرمزية الأولى في الحجاز.

إلا أن دخول العالم العربي في المرحلة الكولونيالية الغربية أزاح المشروع العربي لصالح الحكام الجدد متمثلًا في (سايكس – بيكو)، ليعود المشروع للحياة مجددًا مع الناصرية ومعها تنفتح الطموحات القومية إلى أقصاها ليحتل عبد الناصر مكانة (رجل القدر) لدى المخيال الشعبي، بل ولدى مثقفيه أيضًا، الذي سيقود العالم العربي نحو الدولة الحديثة على غرار الجانب الآخر من المتوسط، وإن لم تظهر تلك الأمنيات بشكل واضح لدى المثقف العربي إبان الحقبة الناصرية ذاتها والتي اتسمت بظاهرة المناهضة للناصرية عمومًا ولا سيما لدى اليسار العربي والإسلامي آنذاك، إلا أن نزول الواقعة في يونيو (حزيران) كشف عن غير ذلك.

ففي نموذج جورج طرابيشي من الطرف الاشتراكي الواقعي لا يرى مثيلًا للمذلة التي ألحقتها هزيمة يونيو (حزيران) بالأمة العربية فإن «دوي قصف الطائرات الإسرائيلية التي أذاقت العرب في يونيو 1967 مرارة هزيمة بدا معها حلوًا طعم جميع الهزائم التي مني بها الوطن العربي»، لتنعكس شعورًا عامًا بالإحباط يدخل الفكر العربي في أزمة لا تبدو ذات مخرج لدى غليون «وأزمة الفكر العربي اليوم لا تثير اليأس والشك بالمستقبل العربي فقط ولكنها تدفع أكثر من ذلك إلى انسداد كل أفق جديد» فيما بدا حنفي نادبًا على الأطلال فــ«بعد هزيمة يونيو 1967، تحول كثير من الشباب العربي، مفكرين وأدباء وشعراء، فقد شعروا أن من الخيانة أن يكتبوا أعظم الأعمال الفلسفية والأدبية والشعرية ليحفظها التاريخ والمنزل يحترق، والدار مهدمة، وما الفائدة من عمران في أرض خراب؟» وليست تلك النصوص المقتبسة انتقائية بقدر ما تعبر عن شعور من الهلع العام لدى مثقف عول بشكل أو بآخر على بناء الأرضية للتحرك الثقافي في إطار الهوية العربية ولو كان على نقيضها كما يبدو أيديولوجيًا.

فبدا المثقف العربي حيال الانهيار التام للطموحات القومية منفعلًا أكثر مما هو فاعلًا. وقبل الدخول في ساحة الفعل الثقافي الممكن ومعوقاته سيبدأ البحث في قراءة التمفصلات الانفعالية لدى المثقف العربي.

فسلسلة الهزائم المتوالية التي افتتحت مع 67 لم تنتهِ، فقد ألحقت بالتطبيع بعد حرب أكتوبر ومن ثم سقوط الاتحاد السوفيتي الحليف الوحيد للقضايا العربية، ومن ثم توقيع اتفاقية أوسلو. ومن جهة أخرى شهد العالم العربي صعودًا مستفزًا للتيارات الإسلامية التي سجلت بعض الانتصارات الطفيفة في لبنان وفلسطين لم ترق لتمهيد صعود قومي ما، وبالتالي اضمحل الطموح القومي بالدولة العربية الموضوع المنطقي للمحمولات الحداثية وبالتالي وقف المثقف أمام جملة من الأفكار التحديثية التي بدت فراغية بلا معنى وتبين أن الدولة القِطرية لم تستطع منذ سقوط السلطنة أن تكوّن أجهزة الدولة العريقة التي يمكن فصلها بأي شكل من الأشكال عن الحزب الحاكم أو العائلة الحاكمة، بل وتبين أن جهاز الدولة مرهون بها بعد أن صادرت الأنظمة العربية الدولة ومؤسساتها وتماهت معها، علاوة على الضعف الداخلي للدولة القِطرية الذي تطلب منها حماية استقرارها بالارتهان للدول الرأسمالية الكبرى.

فقاقيع أيديولوجية

والمثقف العربي وانفعالًا منه أعاد إنتاج الجدالات اللفظية دون طائل ومن الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها في هذا السياق تلك الزوبعة التي أثارتها المسألة العلمانية التي تحولت على مدى ما ينوف عن نصف قرن إلى مجرد أدلوجة غير ذات معنى، إذ تغافل المثقف العربي عن كون العلمانية هي صفة دولة وحسب بمعنى آخر هي المحمول المنطقي على موضوع الدولة، وبما أن الشكل الجنيني للدولة قد انتهى منذ أمد، بقي المثقف العربي يناقش العلمانية من خلال وعيه الأيديولوجي. بل إن من أهم من كتب في المسألة العلمانية لم يستطع الخروج من الحلقات المعجمية المفرغة، فيحتج المسيري على العلمانية بأنه «وحيثما يُنقل مصطلح مثل هذا من معجم حضاري إلى معجم حضاري آخر وتتم ترجمته فإنه يظل يحمل آثارًا قوية من سياقه الحضاري السابق» مستعيرًا التعبير عن حسن حنفي، وعلى ما يبدو تحولت تلك العبارة سابقة الذكر إلى مقولة أيديولوجية محدثة لمناهضة الثقافة الغربية، بل أكثر من ذلك يمكن القول إن المسيري قد أصّل العلمانية في القالب الأيديولوجي وأبعدها تمامًا عن واقعها، بما هي صفة للدولة الحيادية في شكلها القانوني عن أي محدد أيديولوجي يغير في بنية الدولة ذاتها.

وبينما كانت الدولة القطرية تمنى بالفشل وتتحرك في طريقها التاريخي الخاص سار المثقف العربي باتجاه آخر ضمن أوالية النسيان التي تستنكر اضمحلال مشروع الدولة، وفي سياق الأزمات الانفعالية إزاء المفاهيم الحداثية، فقد عالج محمد باقر الصدر مسألة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية إبان الحرب الباردة معالجة طائفية بحتة، إذ تبدت له الشيوعية والرأسمالية طائفتين دينيتين تتصارعان حول ثنائية الحق والباطل مما دعاه إلى تأسيس ما سماه (الاقتصاد الإسلامي) ولكن الواقع يقول إنه لم ينتج سوى ليبرالية معدلة وبمصطلحات إسلامية وحسب، وبالتالي بقي المثقف العربي يحلق بعيدًا عن الواقع وأسيرًا للأيديولوجيا وللنص على حد سواء.

وفي مناخ أيديولوجيا الإحباط التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين شهد المثقف العربي تحولات بارزة على صعيد الأيديولوجيا بدت واضحة لدى طرابيشي في عقد الثمانينيات الذي تحول عن الاشتراكية الواقعية إلى الفرودية، وذلك في السياق ذاته لما سمي بنقد التجربة العربية كوسيلة لفهم أسباب الفشل السياسي، ففي سنة 1971 صدر آخر كتاب لطرابيشي ذي سمة ماركسية وهو (الماركسية والأيديولوجية) ومن ثم تتابعت كتاباته النفسية، وإلى جانب مدرسة التحليل النفسي كان للمدرسة الوجودية تأثير ذو جاذبية فريدة لدى المثقف العربي ففي مثال محمود درويش الذي بدأ حياته الثقافية ماركسيًا أمميًا إلا أن الوجودية بمفاهيمها عن (الغياب، الحرية، والقلق) أخذت مجمل نتاجه الأدبي فيما بعد عقد التسعينيات، وفي نفس السياق انزاح برهان غليون رويدًا رويدًا عن الماركسية إلى الليبرالية الجديدة والتي يمكن وصفها بالانتهازية المتعيشة، والقاسم المشرك بين كلتا المدرستين (الوجودية، الفرودية) هو الطابع التصوفي ولا سيما حين طرحت من خلال المثقفين العرب.

أيديولوجية الديمقراطية

أما على صعيد الفعل، فقد وجد المثقف العربي نفسه في مواجهة جهاز دولة ناشئة، ذات طموح قومي على مستوى الشعارات، كما في النماذج الناصرية. أو مجاز دولة كما هو حال الممالك العربية. إذ إن المؤسسات التي سعت لتكون دولة بالمعنى الحديث للكلمة، باءت بالفشل بعد نصف قرن من محاولة البناء، والتي شارك بها المثقف كجزء من الطبقة الوسطى من جيوش الموظفين الحكوميين. وفي المقابل انتشرت ظاهرة العداء للأنظمة العربية على اعتبارها المسؤول الوحيد عن سلسة الهزائم والتي بدت إلى غير نهاية، محملة بشعارات التعددية السياسية وحقوق الإنسان ومناهضة الديكتاتورية، علاوة على مؤلفات كادت أن تطبع العقدين الأخيرين بطابعها. دعا ذلك الجابري مثلًا إلى تبسيط كتيب في الديمقراطية وحقوق الإنسان ليكون سفرًا شعبيًا، بينما حاول إمام عبد الفتاح إمام تقديم فهم للديكتاتوريات العربية في كتابه (الطاغية) وليفتتح برهان غليون عصره الغربي بـ(بيان من أجل الديمقراطية) بينما يثير محمد الجويلي قضايا الزعيم في المخيال العربي، بحيث يستطيع المرء وصف المرحلة بأنها عصر الدعوة إلى الديمقراطية التي يبشر بها المثقف العربي على أنها إكسير الحياة والترياق التاريخي لأزمات التدهور، والتي لن تلبث هي الأخرى حتى انقلبت أيديولوجية مدمرة.

وعليه: يتبين من خلال الاستقراء السابق، أن الفشل في بناء مؤسسات الدولة سلطانية كانت أو قومية أو قطرية، أحال جميع الأسئلة الثقافة إلى الهباء واللا معنى، فلا طائل وراء نقاش أسعار العملات وأنت ما زلت تقايض السلع، بل ولم يفتتح السوق بعد. أما أسئلة الديمقراطية والعلمانية والشكل الاقتصادي فليست سوى تمارين عقلية، في ظل غياب الكيان الحقوقي الذي نناقشه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كوثراني. وجيه، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية دراسة ونصوص (بيروت، دار الطليعة، 1996).
طرابيشي. جورج، المثقفون العرب والتراث، ط1 (لندن، رياض الريس، 1991).
غليون. برهان، الوعي الذاتي، ط2 (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1992).
حنفي. حسن، في فكرنا المعاصر، قضايا معاصرة1، ط2 (بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 1983).
المسيري.عبد الوهاب، العلمانية تحت المجهر، ط1 (دمشق، دار الفكر، 2000).
عرض التعليقات
تحميل المزيد