شاي بوسطن والثورة الكوبية نموذجًا

أحد أسباب اندلاع الثورة الأمريكية كانت «القوانين التجارية، والضرائب»، فمع ظهور هذه الضرائب أصر الأمريكيون على عدم دفعها إلا لمجالس المستعمرات التشريعية، والتفوا جميعًا حول شعار «لا ضرائب بدون تمثيل»، فرفعت جميع الضرائب عدا الضريبة المفروضة على الشاي، فردت مجموعة من الشخصيات الوطنية على ذلك في عام 1773 بإقامة ما أصبح يعرف بجماعة الشاي في بوسطن.

تنكر أفراد هذه المجموعة وعددهم 50 رجلًا في أزياء الهنود الحمر، وصعدوا إلى السفن التجارية الإنجليزية (ثلاث سفن)، وألقوا بنحو 342 حاوية من الشاي في ميناء بوسطن.

على إثر هذا وصفت لندن جماعة شاي بوسطن بالهمجية، وأصدر البرلمان الإنجليزي قوانين تهدف إلى معاقبة بوسطن، بما فيها إغلاق ميناء بوسطن أمام حركة الملاحة، حتى يدفعوا ثمن الشاي، وضع حاكم عسكري على بوسطن (جيدج)، منع الاجتماعات إلا بإذن من الحاكم العسكري، وقد أطلق سكان المستعمرات الأمريكية اسم (القوانين الجائرة) على هذه القوانين.

أثارت هذه القوانين القاسية الغضب، ودخل الجنود الإنجليز عام 1775 في مواجهة مع متمردي المستعمرات في مساتشوسيتس، وأعلن البرلمان الإنجليزي أن مساتشوسيتس متمردة ويجب قمعها، وقرر تعبئة موارد الإمبراطورية لضرب الثورة، مما أدى إلى ظهور مناخ الحرب في المستعمرات، ومن هذا نجحت الثورة الأمريكية باقتلاع جذور النظام السياسي العنصري في تلك الحقبة.

إذًا الهبات الشعبية التي يقوم بها الشعوب في الوطن العربي، هل استطاعت اقتلاع أنظمة فاسدة؟ وهل يمكن الحديث عن ثورة حقيقية في ظل تغلغل الفساد والتدمير؟

في حرب 73 عندما سئل نجيب مروة، الشيوعي اللبناني، عن الحرب، هل هذا تحرير أم ليس تحريرًا؟ أجاب أنه تحريك، أي إن الثورات الحاصلة وما يحدث في الوطن العربي ما هو إلا تحريك نتج عن الضغط والهم للمواطن العربي، وشعور الناس أن النظام السياسي لم يعد يلبي توقعاتهم و الرغبة في بناء مؤسسات جديدة، وانتشار الفقر وعدم المساواة، وكذلك ممارسات الحكام الاستبدادية وإحساس الناس بالظلم والغبن من السلطة، وهنا يسعى لتغيير النظام السياسي.

إن الربيع العربي لم يحقق سوى تغيير الوجه، لا اقتلاع النظام وتحسين البنية التحتية الاقتصادية، والمؤشر هنا يفسر أن الإدارة الأمريكية حين تشعر بخطر الوعي العربي، في رغبته بالتغيير الجذري، سرعان ما تقتلع وجه الحكومة الرئاسية، وتستبدل به وجهًا يعمل تحت هيمنتها، وخدمة مصالحها، وحماية همنيتها الاقتصادية، وهذا ما نستشهده من نتائج الثورة المصرية التي لم تقتلع سوى وجه دون تحرر من النظام السياسي السابق، والدليل على ذلك أننا نجد التطبيع ما زال مستمرًّا، وكذلك معاهدة كامب ديفيد ما زالت قيد التفعيل، والتي بمقتضاها حققت السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، والتي حققت تفكك التحالف العربي، وتهميش الفلسطينيين، وبناء تحالف مع مصر، وإضعاف الاتحاد السوفيتي، وتأمين إسرائيل.

إذًا ثقافة الثورة في الوطن العربي تعاني من تشرذم في ظل فقدان الأمن والاستقرار، وقت الاستشهاد بالثورة الأمريكية والتي نتج منها اقتلاع نظام سياسي فاسد لتنعم بالأمن العسكري والاقتصادي.

ويمكن القول إن الثورة شعب قائم بذاته يبلور أهدافه في برنامج نضالي، وما حدث في الثورات العربية أنها تندلع، في ظل شعوب قائمة بذاتها وليس لذاتها، تتوفر لديها هوية، جواز سفر، إقامة، وغيرها وهذا ما يُنتج بعثرة في أهداف، في ظل افتقارها للنخبة الثورية المنظمة ومحكمة الهدف، فثقافة الثورة في الوطن العربي باتت تعرف، بتلك البعثرة التي تخرج لتحسين وضع اقتصادي وسياسي، وسرعان ما يتغير وجه الحكم ليزداد النظام سوءًا عما سبق.

في حين أن الأدارة الأمريكية قضت على الرئيس الذي ينتهج الديكتاتورية، وهنا يمكن القول «الديكتاتور الوطني» الذي يشكل خطرًا على هيمنة أمريكا ومحاولة التمرد على حكمها والخروج عن سيطرتها، مثال الرئيس صدام حسين وجمال عبد الناصر اللذان كانا خطرًا على أمريكا.

ولو استشهدنا بالثورة الكوبية نموذجًا للثورة الحقيقة الناجحة، لوجدنا أن ثورة كاسترو حظت بدعم شعبي كامل في البلاد، لأنها جلبت التقدم الاجتماعي في مجالات الصحة والتعليم بعد سنوات من الديكتاتورية، وألهمت معظم الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية، والتي قام فيها فيدل كاسترو، مع المحامي والناشط الشاب، بإطاحة باتيستا، الذي اتهم بالفساد والاستبداد، ومع ذلك، فقد رفض كاسترو الحجج الدستورية من قبل المحاكم الكوبية، بعد أن قرر أن النظام الكوبي لا يمكن الاستعاضة عنه بالوسائل القانونية، وحلها كاسترو بإطلاق ثورة مسلحة، وهنا يمكن تفسير ثورة كاسترو بالديكتاتورية الوطنية التي تمكنت من اقتلاع النظام الفاسد.

وهنا نستنتج أن الوطن العربي في نتائج ثوراته يفتقد للحاكم الديكتاتوري الوطني، والذي بمقدوره أن يحدث التغيير الجذري في كل الأنظمة، ويقتلع الفساد خارجًا بذلك من سيطرة الأدارة الأمريكية لنقول بعدها نحن على وعي بثقافة الثورة.

إن الثورة الكوبية كانت مثالًا لثقافة الثورة والتألق الاجتماعي والإبداع، رغم تناقضه مع الواقع الأوروبي المحافظ، لتغري الجميع في تقليدها، رغم أن عالم اللاهوت البرازيلي فراي بيتو يرى أنّ النموذج الكوبي يستحقّ «أن ينال الإعجاب» وليس «أن يجري تقليده».

إن الثورات العربية استطاعت إسقاط الحاكم دون اقتلاع النظام الفاسد، فيما ساهمت في دخول بعض الدول فترة من الفوضى والاضطرابات والحرب الأهلية، مثل التي حدثت في ليبيا، واليمن، وسوريا وأثرت سلبًا في مجالات مختلفة في الحياة، مثل هجرة بعض الناس من بلادهم والانقسام الديني والطائفي والعرقي في البلاد. فيما افتقرت للنتائج التنموية، ووضوح المؤامرات الخارجية التي صادفت وجود استبداد داخلي وظلم اجتماعي؛ مما أدى إلى حدوث فوضى في بعض البلدان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد