لا نملك أن نقرأ تاريخ المثقف العربي المعاصر إلاّ بوصفه مثقفًا تحكمه جملة من الأطر يمكن اختصارها في أربعة سُلط: الدين، والحاكم، والمعرفة، والجمهور، ففي هذه الأطر الأربعة تشكلت دائرة كيانه، وانتظمت حقول معارفه، وارتسمت تخوم فعاليته، وقد عكست أزمة داء فيروس كورنا أزمة بعض المثقفين العرب الذين راحوا يعطون تفسيرات لا تمت بصلة لهذا الداء المستجد، وخاصة تلك التأويلات التي تقصي العلم والمعرفة وتستنجد بالدين أو برجاله تارة، وبالشعبوية الفايسلوكيةً تارةً أخرى، أو بالسلطة التي كانت سببًا حين أدخلت المغتربين إلى البلاد، وكل هذه التفسيرات في حقيقة الأمر تعكس أزمة العقل العربي بصفة عامة، وأزمة المثقف العربي الذي أصبح عاجزًا عن تقييم وتقويم ما يحدث حوله من تغيرات طرأت على مجتمعه الذي ينتمي إليه.

وبهذا أدخل المثقف العربي نفسه في محنة أخرى بالإضافة إلى المحن التي يعاني منها منذ زمن عندما رهن عقله ولسانه لخدمة الدولة والسلطان، وسكوته عن جوره وبطشه، والمنافحة عنه ضد الخصوم والرعية، والعمل على تقليب النصوص المرجعية باحثًا عما يسوغ له عقد الولاء لصاحب الأمر، مجتهدًا في أن يتأولها على النحو الذي يفيد الحاجة، وإن قاد الاجتهاد في بعض الأحيان -بل في كثير- إلى ما يعكس مرمى تلك النصوص، ثم لا مراء في اعتبار أن الفكر والكتابة أصبحت بمثابة حرفة للاعتياش ودربا سالكا للارتقاء في سلم المناصب، وبالإضافة إلى كل هذه الأزمات التي أفضى إليها تشخيصنا المقتضب، جاء هذا الوباء ليزيد الطين بلةً بعد أن أسند بعض المثقفين مهمة التخلص من الوباء وتفسيره لرجال الدين والأئمة، بدل الالتفات نحو العلم والأطباء والتنويه بأهميتهم في إيجاد الحلول العلمية والوقائية لهذا الوباء القاتل.

وعليه، وإنْ كان فعل المثقفي العربي القديم منتميًا انتماءً عضويًا إلى حركة التاريخ الكبرى المتمثلة في إنتاج الحضارة والعلم، ابتداءً من المشروع النبوي المحمدي في مكة والمدينة، مرورًا بمثقفي بغداد، ودمشق، والقاهر، والقيراون، ومراكش، وفاس، وقرطبة، وبجاية، وتلمسان وتيهرت، الذين ساهموا في حركة صعود تاريخ حضاري عالمي، ولا نبالغ إن قلنا أنهم تحكموا في حركة التاريخ الكوني باعتبارهم مثلوا حقبةً فاصلة بين الثقافة الإغريقية والثقافة الأوروبية، وعكس هذا المثقف المنتمي لشروط خاصة بوأته هذه المكانة الحضارية المرموقة، نجد المثقف العربي المعاصر ينتمي لشروط حضارية مغايرة، إذْ خرج إلى الوجود بعد دورة الموت الحضاري، وبعد ظلمة ظلماء من التراجع والانحطاط، وجد نفسه مستندًا على جدار متآكل، وقواعد مهترئة جعلت خياراته محدودة جدًا، إما أن يمانع ويعاند، وإما أن يعود إلى الماضي باحثًا عن نقطة ارتكاز يقف عليها ويتخذها منطلقًا في تبرير وجوده الحضاري، وإما أن يداري ويجاري فيصغي ويتعلم ويقلد، ويبشر بكينونة تاريخية وحضارية لم يعد يملك مصيرها.

هكذا توزع وعي المثقف العربي، بين أن يكون ذاهلا عن التاريخ، فينصرف إلى تاريخ ذاتي خاص يمثل كينونته وشرف وجوده، وبين أن يكون مذهولا بالتاريخ الذي لا ينتمي إليه، فينساق في لجة حقائقه، مُوطِّناً النفس على الذوبان وممارسة النسيان الإيجابي، وهذا ما يسميه علماء الحضارة بسلطة الثقافة الغالبة، وفي الحاليْن معاً: في حال الإقبال على حضارة الآخر وثقافته، أو في حال الإعراض عنها، ألفى المثقف العربي نفسه مأزوما، بل أضحى صوتاً عديم الحول، لا يقوى على أداء أي دور يريده لنفسه ويرضاه، فالمثقف التقليدي المنكفىء إلى مدونة الماضي لم يبرح موقع المدافعة المستحيلة عن حضارة لم تعد في مشهد المنافسة الكونية، والمثقف الحداثي المعاصر كان شأنه مَسُوقاً إلى التعلم والتّتلمذ على يد غيره الذي لا ينتمي إلى خصوصياته، مدفوعًا إلى التبشير بحضارة لم يكن من منتجيها، بل هو عالة عليها وهامش.

وأخيرا، وفي خضم أزمة وباء كورنا العالمي، يجب على المثقف العربي المعاصر أن يدرك وبعمق أنّ يقينيات المعرفة الإنسانية القديمة قد تصدعت، وخاصة تلك المرتبطة بالطبيعة والإنسان والمجتمع، ونبتت في شروخها أسئلة مؤرقة ومحرجة مع سيطرت العلم والتقنية والمعارف الحديثة والحروب البيولوجية، أو الإرهاب البيولوجي الذي صدّر وباء كورنا للإنسان عن طريق التعديل الوراثي للأحياء، والاستنساخ البشري الحيواني، والزراعة النسيجية وغيرها من علوم البيوبوجيا القاتلة التي أصبحت تُجند لتحقيق أهداف ومآرب سياسية واقتصادية وتوسعيَّة، متجاوزةً الغزو العسكري التقليدي، وعليه يجب على المثقف العربي المعاصر أن يعيّ كل هذه المضمرات بتفكيكها وتبسيطها، حتى يحصن مجتمعه ويصنع وعيه بعيدًا عن التفسيرات والتأويلات المثولوجية أو الشعبوية التي لا تمت للعلم بصلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد