يعرف الياباني بالذكاء، والبريطاني بالانضباط، والألماني بالصرامة، والكوري بالنشاط، والإفريقي بالهزل، كل واحد من هؤلاء يمكنك تمييزه بخاصية من لوازمه، إلا العربي فإنّك تميّزه بحقل دلالي جوهره اللامبالاة، وأساسه العوج، ومن المفارقات المضحكة أنّه الوحيد من بني البشر الذي يقول: «لا يستوي الظل والعود أعوج»، ثم يمارس اعوجاجه بإتقان منقطع النظير في ذات الوقت.

إذا ذهبت إلى عملك صباح الغد، إن كنت عاملًا ولست بطالًا مثلي، انتبه إلى من هم حولك وسترى الاعوجاج منتصب القامة، يختال متبخترًا بين صفوف العمال، لاحظ أني قلت: «إن ذهبت إلى عملك» ولم أقل «لتعمل» فنحن قوم نذهب إلى العمل ولا نعمل، ونذهب إلى المدرسة ولا ندرس، ونذهب إلى السوق ولا نشتري، نحن نذهب فقط لنرضي ضمائرنا وليقول عنّا غيرنا إننا عمال وطلبة وتجار، وهكذا دواليك.

إن شئت أيها القارئ أن تعرف ما هو العوج فانظر إلى هذه الصفحة بالذات، ستجد أنّك تعاني مع سرعة تدفّق الإنترنت لتحميلها، وهذا اعوجاج تكنولوجي، سينقطع التيّار الآن إن كنت تسكن قرية نائية، أو كنت من أهل غزة المحاصرة، وهذا اعوجاج كهربائي، طبعًا لست أنت من تسببت فيه لكن من يحكمك أعوج لذا لا يستقيم المواطن والرئيس أعوج، والناس على دين ملوكهم كما يقال.

مصيبتنا الكبرى ليست في اعوجاجنا فقط، بل في تأصيلنا للاعوجاج والتنظير له وتبريره، فنحن الوحيدون الذين نقول لمن يحاول إقامة ما اعوجّ منّا «متعودين»، إن كنت مشرقيًّا فكر قليلًا وستجد أنّك سمعت هذه العبارة على الأقل مرة هذا اليوم، وإن كنت مغاربيًّا فقد سمعت كلمة «موالفين» كثيرًا أيضًا؛ لأننا بالفعل متآلفون مع انحرافنا، متعايشون مع نتائجه إلى حدّ يجعلنا نستغرب استقامة من نراه سويًّا.

نقرأ في صلاتنا «إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا» وندعو الله في كل ركعة «اهدنا الصراط المستقيم»، ثم نفضّل الصراط الأعوج، ونستعين في ذلك بموروثنا الشعبي لنلتمس العذر لمن تأخر عن عمله «كل عطلة فيها خير، وكل تأخيرة فيها خيرة»، ونستشهد بما لا يجب في الموضع الذي لا يناسب «دعها فإنّها مأمورة»، مأمورة بالانحراف والاعوجاج والميل والضلال، نقولها لمن ينتقد عوجنا ببساطة كي نطبّع الأمر ونجعله أصيلًا أكثر، وللكلمات سلطان على من لا قبل له بالتفكير المنطقي، وللكسل سحره الذي يقودنا إلى التوافق مع الذات المعوجّة، والتصرفات العرجاء لننتهي صنّاعًا للفساد ومشرّعين لقواعده بعد أن بدأنا ضحايا له.

في اللغة هناك عوجان، العَوج بفتح العين والعِوج بكسرها، الأوّل يكون في ما هو معنوي، ويعني الضلال والزيغ عن الحق، والثاني فيما هو محسوس كالحديد ونحوه، ونحن جمعنا الاثنين معًا في التفكير والممارسة على التوالي.

ولأنّنا روّاد العوج في العالم نتفاخر بذلك، ونصنع لأنفسنا مجدًا زائفًا، فنصوغ لأنفسنا أساطير يفاخر بها بعضنا على بعض، وكأنّنا نفعل حسنًا على الرغم من أنّنا نقارف السّوء بالصّاع والمُدّ، ونوغل في السوء فيمتدّ، فيصيب عوجنا من قاربنا فيحاكينا ويعمد إلى تقليدنا ويضاهينا، حتى أصبحنا للانحراف آية من الآيات الجليّة التي لا يحجبها ستار ما دمنا لم نتّعظ ممّا حل بنا من أرزاء وبلايا.

يقول كثيرون إن علينا أن نقيم القاعدة ليستوي الهرم، ويقول آخرون إن الرأس أولى بالعلاج، وأقول إن رأس السمكة فاسد لا مجال لإصلاحه، ولا حلّ معه إلا القطع والاجتثاث الشامل، وشعاري في ذلك قول الشاعر:

لا تقطعنّ ذنَب الأفعى وترسلها

إن كنت شهمًا أتبع رأسَها الذّنَبا

ونحن في رقعة عربية شاسعة، جاوز عدد أفاعيها الاثنين والعشرين، رؤوسها معوجّة كعصا يتوكّأ عليها شيخ هرم إن شئت إقامتها انكسرت، والكسر في مثل هذه الحالات محمود.

إن فعلنا حينها يحقّ لنا أن نكون أمة لا يُرى فينا عوجًا ولا أمتًا، وإن أبينا سنواصل المسيرة معوجّين بمرتبة الشرف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد