«سأخون وطني» كتاب ماتع للكاتب الراحل محمد الماغوط، عرى فيه الوضع العربي الماضي والحاضر والمستقبل، ورغم أن الوضع العربي عريان بالأساس ويبيت أيضا بالعراء، فإن قلم الكاتب الساخر أضاف مسحة من الشجن والألم إلى هذا الوضع الكريه لكل نفس عربي حر، وببراعة فائقة جرح محمد الماغوط الأنظمة العربية المهترئة والمتسترة وراء شعارات: الوطنية، والتنمية، والسيادة، والقيادة الرشيدة.

وفي هذه الأسطر نعيش مع مقتبسات من صفحات هذا الكتاب في محاولة لتجديد الوعي العربي، وتقديم عمل أدبي حكم عليه عمدًا بالتهميش والغياب؛ لأنه يسير عكس التيار ويتطرق إلى مساحات حساسة في أنظمة شمولية لا تقبل أي هفوة نقد، ولا تعترف إلا بأقلام التطبيل والتأليه والتوحيد.

عن المعضلة العربية، وبنبرة يأس من تغير قريب.. يقول الماغوط:

«أرسلت زفرة طويلة تحرك سفينة شراعية من مكانها، ويممت شطر المطبخ وأنا أعرج جسديًّا وفكريًّا، وجلست القرفصاء على عتبته مشيحًا بوجهي بعيدًا عن كل شيء، لأنني اكتشفت أن كل السنوات الخصبة التي قضاها أحدنا في الأمل والحماسة والجدل والمطالعة، والتمتمة كالمجانين في الشوارع الممطرة من أجل العدالة والحرية والحقيقة، ذهبت كلها ثمن طناجر كالحة، وعصارات ليمون، ومدقات ثوم، وخراطات بطاطا، ولعب أطفال معدنية تبدو وهي مستقرة في أي بيت عربي على البلاط أو تحت المقاعد أكثر طمأنينة وثقة بالمستقبل من الأطفال الذين يلهون بها، وهم غارقون في النوم في أحضان أمهاتهم!

ويقول أيضًا:

«لو كنت أعرف أن التفاهة ستتفوق على النبوغ.

والكراسي المتحركة على النسور.

والقردة على الغزلان.

ونخالة القمح على لينين.

وجوارب النايلون على ماوتسي تونغ.

وضجة البورصة على أصابع شوبان.

وأحمد عدوية على أحمد عرابي.

وبصمة الأمي على المعلقات السبع.

وأن زكريا تامر سيدور العالم متلمسًا نظارته بيد والجدران بيد بحثًا عن لقمته ولقمة أطفاله.

وأن ابن الشهيد كمال خير بك سيعرج باكيًّا بين جمال الشارقة.

وأن أنسي الحاج سيقضي نصف يومه في تناول المهدئات لينام، ونصفه الآخر في تناول المنبهات ليستيقظ.

وأن عصام محفوظ سيهذي في شوارع باريس الخلفية عن ماركس، والمخابرات المركزية وفتة المقادم.

وأن عبد الوهاب البياتي الذي بنى كل أمجاده الأدبية والسياسية على أساس أن جميع أجهزة الأمن العربية والغربية والشرقية تطارده، لم يدخل مخفرًا في حياته، ولم يعترض طريقه ولو شرطي مرور.

وأن أمة الجاحظ وابن سينا وابن رشد وابن خلدون وابن المقفع وأبي العلاء المعري وأبي الأسود الدؤلي وأبي العتاهية، سترتعد فرائصها من المحيط إلى الخليج من قارئ جريدة بالمقلوب عند منعطف أو في زاوية مقهى.

وأن العربي في نهاية المطاف، لن يستطيع أن يجابه أي شيء أو يهرب من أي شيء.

وأن انفجار الأدمغة بين صفوف هذا الجيل سيصبح من الحوادث اليومية كانفجار دواليب السيارات.

لو كنت أعرف كل هذا، ما كان لكل قوات الطوارئ الدولية أن تفك الاشتباك بيني وبين الداية التي ولدتني.

أما الآن وقد خبرت كل شيء، وعرفت كل شيء، ماذا أفعل؟

إذا كتبت أموت من الخوف.

وإذا لم أكتب أموت من الجوع.

يقال إن الصعود إلى الجبل يتطلب بعض الانحناء.

وها أنا أنحني، ولكن لا انحناءة ذل، بل انحناءة تعب.

لقد تعبت من الكتابة والقراءة.

من الإقامة ومن السفر.

من الذكريات ومن الأحلام.

من التخلف ومن التقدم.

من اليمين ومن اليسار.

من خلافات المقاومة ومن تماسكها.

من أسمائها الحركية ومن أسمائها الصريحة.

من الاحتلال ومن الاستقلال.

من ثرواتنا القومية ومن دورنا الحضاري.

ولذلك سأنام على أول سرير أو رصيف يصادفني حتى يأتي من يوقظني بريشته لا بحربته.

ولكن قبل أن أدخل في سباتي الطويل هذا كالحشرة الأفريقية، لا بد لي أن أصرخ على مسامع العالم أجمع:

أيها الكتاب والشعراء والفنانون.

يا قراء القصص البوليسية

أيها المخبرون

يا رجال الانتربول في كل مكان

عبثًا تبحثون عن الجريمة الكاملة، فما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الماغوط
عرض التعليقات
تحميل المزيد