كثر الحديث في الآونة الأخيرة عما قيل بأنه موجة إلحاد باتت تعصف بالدول العربية لتحرف الناس عن معتقداتهم وأديانهم!

لم يكن الأمر يستحق العناء لولا أني قرأت دراسة أجراها مركز دراسات وأبحاث أمريكي متخصص بالأديان والمعتقدات يدعى «منتدى بيو فوروم للدين والحياة العامة Pew Forum» أصدر تقريرًا في عام 2012 جاء فيه أن «الإلحاد أصبح الديانة الثالثة من حيث العدد في العالم بعد المسيحية والإسلام» وهي إحصائية صدرت قبل ستة أعوام كانت زاخرة بالأحداث والقضايا، ما ينبئ بأن النسبة قد ارتفعت كثيرًا، حسبما أشار الدكتور مصطفى راشد  رئيس منظمة الضمير العالمي لحقوق الإنسان في مقال له مبينًا أن عدد الملحدين في العالم العربي بلغ عدة ملايين وهم في تزايد.

حاولت أن أستعين بمحركات البحث في الإنترنت للتبحر أكثر واكتشاف أسرار وتداعيات هذه الظاهرة، لتنبري أمام ناظري آلاف الصفحات والمواقع التي بادرت نحو سرد الأدلة والبراهين بوجوب تنفيذ حكم القصاص بحق المرتد وقتله وصلبه، فيما كانت قليلة هي تلك التي تناولت الأمر لإيضاح الدوافع والمسببات وبشكل خجول تغلفه الخشية والرهبة من اتهامها بالترويج للهرطقة والسفسطة.

ومن أغرب التسويقات حول أسباب بروز ظاهرة الإلحاد هو الثورات العربية، وهو تفسير لا تخلو منه بصمات الأنظمة العربية الحاكمة التي تعمل على شيطنة أي نوع من أنواع التمرد الشعبي ضد الحكومات، ويكفي أن نعلم بأن معظم ثورات الربيع العربي كما يطلق عليها، كانت ساحاتها ضمن دول حكمتها أنظمة علمانية بحتة، كما هو الحال في ليبيا وتونس ومصر، ما ينفي الأمر جملة وتفصيلًا.

من جهة أخرى، فقد عد آخرون ما يجري بأنه رد فعل على تسييس الدين وتزايد سطوة وعاظ السلاطين، وهو قول لا يخلو من الصحة إلى حد ما، وإن كان فيه اجتزاء للمشكلة وبما يخدم أجندات صراعات حزبية في المنطقة، أبرزها تلك التي تهدف لتسقيط تيارات دينية دخلت المعترك السياسي كحزب الإخوان.

الفقر والجوع وتسنم بلدان عربية لمراتب متقدمة من حيث ارتفاع نسبة الفساد وانهيار مقومات الحياة فيها بحسب تقارير لمنظمة الشفافية وما تصدره صحيفة الإندبندنت البريطانية سنويًّا، دفعت بجمهور كبير ليعلن تمرده متخذًا صورًا وأشكالًا عدة في التعبير ومنها ما بات يعرف بـ«الردة»، وهي انعكاس لممارسات اتخذتها أنظمة عربية وأحزاب إسلامية طوعت الدين بالشكل الذي كرس لبقائها وديمومتها، ويأتي هذا بالتزامن مع انفتاح العالم العربي على الحضارة الغربية المفعمة بحركات التحرر العابرة للعقائد والمعتقدات، لتبدأ بذرات الإلحاد تنمو في الوطن العربي مرورًا بدعوات فتح المجالِ أمامَ العقلِ، ومُحاكمةِ النصوصِ الشرعيّةِ، فضلًا عن محاولةِ إنشاءِ خلافٍ وهميٍّ وصراع مُفتعل بينَ العقلِ والشرع.

لينجم عن هذا الصراع ووفقًا لموقع «ديلي نيوز» المصري ثلاث مجموعات من «الملحدين» وهي «مجموعة لا تعترض على الإسلام دينًا ولكن ترفض (أسلمة السياسة) وتنادي بدولة علمانية، وأخرى ترفض الإسلام دينًا تمامًا، أما ثالثًا، فهي تلك التي تضم متحولين من الإسلام إلى دين آخر».

هذه المجاميع عثرت على وقودها الذي يغذي دعواتها عبر ممارسات تتبجح بها تيارات ومنظمات وميليشيات قرنت أسماءها وكناها بالإسلام، فكان منها تنظيم الدولة براياته التي اختط عليها عبارة التوحيد، والذي جعل من نفسه وصيًا على الأمة وحاكمًا مطلقًا بأمر السماء، فلا يأتيه الباطل من خلفه ولا من أمامه، فأطلق العنان لعناصره في تطبيق ما قيل إنه شرع الله، فإن أصاب فله أجر وإن أخطأ فله أجران ولا ضرر ولا ضِرار فالكل سيبعث حسب نيته والسلام!

وفي الطرف الآخر ميليشيات امتهنت كل صور القتل والتمثيل بالجثث، وليس انتهاءً بحرق الأحياء من خصومهم وتحت لافتات عدت الدفاع عن المذهب والعقيدة جهادًا، والموت في سبيله شهادة، فيما استغل آخرون من فلسطين منبرًا للإباحة والاستباحة وتبرير كل أنواع الوسائل لغرض غاية مفادها تحرير بيت المقدس!

نشاط هذه المجاميع في دولٍ كالعراق وسوريا كانت له آثاره بحسب ما أورده معهد غالوب الدولي، والذي أشار إلى ارتفاع نسبة الملحدين في العراق إلى نحو 30%، مؤكدًا أن مدنًا تتسم بطابعها العقائدي بات أهلها يرنون لحكم ليبرالي.

هرج ومرج رقص على أنغامه الإلحاديون، واتخذوا من المزاج الدولي جسرًا لتمرير ما يصبون إليه، فانظر لما وفرته منظمات أمميه للشابة العراقية نادية اليزيدية التي هربت من قبضة تنظيم الدولة لتحكي قصتها وما تخللها من مآسٍ، فذرف الرأي العام الدولي دموعه ذرفًا معبرًا عن تعاطفه مع هذه الفتاة كما ظن البعض وليس كرهًا بالتنظيم، فيما قبر عبير الجنابي قد تهدم ولا قدرة على إعادة بنائه لتطوى ذكرى أبشع جريمة يرتكبها الاحتلال الأمريكي باغتصاب عناصره لطفلة يبلغ عمرها تسع سنوات فقط وليحرقوا جثتها بعد ذلك.

وفي السياق، فقد عمدت الماكينة الإعلامية لتناقل صورة طفلة سورية تقبل قدم بابا الفاتيكان فرنسيس في اليونان، والذي بذل جهدًا واسعًا لقبول لجوء نحو 12 مهاجرًا عربيًا، فيما حجبت الماكينة نفسها عدساتها عن تناقل صورة الرئيس التركي المسلم رجب طيب أردوغان وهو يقبل أيدي لاجئين سوريين بعد أن احتضن نحو ثلاثة ملايين منهم على أراضيه.

آلاف الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي «الفيس بوك وتويتر» باتت منابر يدعو من خلالها المرتدون والملحدون إلى مذهبهم الفكري، وفي المقابل تخبط وفوضى رسمية ومدنية في مواجهة هذا الخطر المتزايد، فظن بعضهم إعطاء فسحة وإلغاء بعض القيود سيقوض من انتشار هذا الفكر عبر تبني برامج ترفيهية واستعراضية كانت هدامة للقيم في المجتمع أكثر بكثير مما يوصي به الملحدون.

ومن الوسائل التي اعتمدها المرتدون في تسقيط أديانهم، هو المقارنة بين أشكال العدل وصور الإنسانية في دول أوروبا، فيما أغفل هؤلاء أن العديد من دول الغرب ورغم مدنيتها المعاصرة، فإنها أكثر عنصرية بتمسكها بدينها كما جاء على لسان رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كامرون الذي دعا للحفاظ على صورة أوروبا المسيحية.

صور التدافع بين المجتمعات العربية والذي ولد انحرافًا فكريًّا لم يكن تمردًا على الدين نهجًا فقط، بل إن المواقف الهزيلة واللا مسؤولة لعلماء الدين كانت سببًا في ردة فعل لدى الكثيرين، فأذكر عام 2006 وفي خضم معركة الفلوجة الثانية وبينما كانت أميركا تقصف المدينة بشتى أنواع الأسلحة المحرمة دوليًّا، فقد كان الأئمة على المنابر بمساجد بغداد يخطبون في الناس ويعلمونهم كيفية غسل الجنابة بعد الجماع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد