سينما شبابية جريئة تناقش ثيمات الثورة والنزوح والاغتراب وترميج العمال والبحث عن الفرص والجنس وحرب غزة والصراع والرقص ونمط الحياة في مدينة الناصرة الصامدة…

*فيلم لا أزال حيا (2017) الذي أخرجته البلجيكية بولين بوغنيس (التي عاشت في مصر خمس سنوات)، وانغمست بمتابعة النشطاء السياسيين المصريين الشباب، ولاحقت بالصوت والصورة تداعيات وخيبات الثورة المصرية منذ العام 2011 ومرورًا بالعام 2013، فلم تفلح كعادة المستشرقين الخبثاء المتحيزين في النفاذ لأعماق الأحداث وفهمها بشكل صحيح وواقعي، فعادت وكررت ما يعرفه الجميع من قصص وانطباعات عن الثورة المصرية وفشل مرسي واستيلاء العسكر بقيادة السيسي، وأعطت حيزًا كبيرًا لشخصيات تافهة هزيلة ثرثارة كشخصية إيمان وزوجها من قطر، التي بالغت بإظهار العواطف عشوائيًا بلا فلترة وتمحيص، بدون تدخل المخرجة المبجلة، كما أنها أعطت حيزًا ضخمًا لناشط قبطي هو وعائلته بدون قيمة مضافة، وبأسلوب أقرب للتهريج والسخرية واللامبالاة والاستهتار، ولم تستنضف للنزول للشارع وأخذ آراء الناس العاديين، وبالرغم من ترشح هذا الفيلم الوثائقي لجائزة أفضل فيلم بلجيكية (بطبيعة الحال)، إلا أنه بدا لي مملًا وبالغ التكرار والاجترار ولا يستحق الفوز بأي جائزة.

*أما الفيلم الجزائري حتى تعود الطيور من إخراج كريم موساوي، الذي يمثل أول عمل له، والذي عرض في مهرجان كان (2017)، فقد بدًا عملًا متواضعًا وممتعًا في آن، حيث لم يتسن لي مشاهدته كاملًا، لسوء التنسيق والتنظيم في العرض من قبل مسرح الملكية للأفلام وللازدحام في الحضور (وعدم تخصيص شاشتين لاستيعاب الجمهور الكبير المهتم)، حيث شاهدته بنصف الشاشة تقريبًا من خلف القاعة وأمامي الأشجار والرؤوس والحركات، ولم أتمكن من سماع الحوار باللهجة الجزائرية ولا قراءة الترجمة بالإنجليزية، والفيلم يتحدث  عن تنافس ثلاثة أشخاص: شاب وسيم ومطور عقارات وطبيب أعصاب على حب امرأة شابة جميلة، ضمن تداعيات قصص الماضي والحاضر والثورة، ولكني استمتعت بالحق بشغف بحركات ورقصات واغاني الأبطال في البرية الجميلة والهواء الطلق (كما بالأفلام الهندية الموسيقية)، كما أعجبتني خاتمة الفيلم التي توجت بحفل زفاف راقص إيقاعي بهيج وتفاعلي، هكذا أعجبت ببساطة بأجواء الشريط وحركات الأبطال دون أن أفهم بعمق سياق التفاصيل.

* سأتحدث في هذه الفقرة بإسهاب عن فيلمي الريح الشمالية لوليد مطر، والمطار المركزي لكريم عينوز اللذين عرضا في أسبوع أفلام الفرانكو آراب في عمان، الفيلم الأول متميز بطريقة تعامله مع فكرة إغلاق ونقل المصانع الفاشلة وترميج العاملين ظلمًا بمستحقات هزيلة (ويتفوق ربما هنا على فيلم عاليًا في الهواء لجورج كلوني الذي يتناول تقريبًا نفس الموضوع بتصنع ومبالغة واستعراض)، كما مع فكرة الإنتاجية والتسويق في الدول المضيفة للمصانع الجديدة كما في هذا الفيلم حيث ينقل المصنع لتونس، وتكمن روعته بطريقة تقديمه لمصائر الشخصيتين الرئيستين في الفيلم هيرفيه الفرنسي (متوسط العمر) من الشمال الفرنسي، وفؤاد الشاب الجامح التونسي الانتهازي الطموح وغير المثابر، الذي يترك المصنع لينضم متوهمًا لجحيم نفس المدينة الفرنسية، أبدع المخرج حقًا بعرض التداخلات والمقاربات في مصير الشخصيتين، وخاصة بمشهد القطار والحافلة السياحية، وهما تأخذان مسارًا متوازيًا أولًا، ثم متعاكسًا.

فيما بالغ بغير معنى بإقحام مشاهد جنسية مبتذلة في الفيلم لا داعي لها، كما أبدع بطريقة عرضه لترميج العمال البائسين بتقديم عروض مالية هزيلة غير متوازنة، كما بطريقة احتجاج العمال الفرنسيين القدماء… هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في هذا المصنع وطريقة قمعهم العنيفة، ثم بالتعقيدات الجمة التي واجهها البطل متوسط العمر لكي يظفر بموافقة رسمية على بيع السمك للمعارف في حيه وطريقة التحفظ  القاسية على قاربه، وبالتالي دفعه للمعاناة والفقر والعمل هو وعائلته. هذا الفيلم يستحق حقًا الجوائز التي فاز بها كأفضل فيلم وأفضل سيناريو، بينما أخفق الفيلم الثاني تمامًا، الذي يتحدث عن تخصيص مطار تمبلهوف البرليني التاريخي القديم المخصص حاليًا مع حواضره الضخمة كمكان ضخم لإيواء النازحين وطالبي اللجوء، (ومعظمهم من العرب السوريين والعراقيين)، ولم يكن مقنعًا أبدًا، بل ومملًا بطريقة سرد الطالب السوري ذي الـ18 عامًا بصوته الساذج غير المقنع، والذي يستعرض يومياته الشهرية طوال فترة إقامته في المطار (لأكثر من عام)، حتى ظفر أخيرًا باقامة لمدة ثلاث سنوات ونصف، ولم نفهم أساسًا سبب نزوحه الحقيقي، سوى مجرد حديثه عن ذكرياته الجميلة عن قريته وحياته في قرية تجاور منبج في الشمال السوري على الحدود التركية، وادعى أن آخر يوم كان له في سوريا كان سيئًا جدًا بلا تحديد ما حصل وسبب نزوحه الحقيقي، وبدا لي كاذبًا بامتياز، ويستغل الفرصة السانحة، ومتهربًا من التجنيد الإجباري لا أكثر ولا أقل، وإلا فلماذا لم يهرب رفاقه في القرية معه أيضًا؟ وحتى بسرده الساذج السطحي بدا كاذبًا حتى النخاع وهو يصف آخر يوم له في قريته بأنه كان سيئًا جدًا، هكذا بلا تفاصيل تكشف الحقائق… وبدا الألمان سذجًا ودعائيين بطريقة تعاملهم مع نازحين هاربين يضحكون عليهم برضاهم كما يقال، بل يسخرون من هبلهم وكرمهم الزائد، والفيلم يستعرض بشكل دعائي مباشر الخدمات الاجتماعية ودروس اللغة الألمانية والفحوص الطبية المجانية التي تقدمها الحكومة الألمانية لكل من هب ودب من النازحين بلا استقصاء وتمعن، وكأنها تشجعهم هكذا على ترك أوطانهم بخبث وسوء نية، عدا الإيواء والطعام وحتى الترفيه لشخصيات نازحة متطفلة ولا تستحق وربما تسرق حقوق غيرها من النازحين البائسين المحتاجين الحقيقيين، وهذه المجموعة التي يتحدث عنها هذا الفيلم الوثائقي السخيف هاربة من اوطانها لتحقيق حلم الهجرة وتحسين مستوى الحياة والظفر بالحياة الرغيدة والتعليم لا غير، كما يدمن معظمهم على تدخين السجائر والشيشة بشكل مبالغ وكأنهم ما زالوا في أوطانهم، لقد فشل هذا الفيلم (في اعتقادي) بتوصيل المغزى من استقبال نازحين متطفلين لا يستحقون العون والمساعدة وليست لهم الأولوية، وربما يتعاطف المشاهد أكثر مع الشخصية الأخرى في الفيلم وهي قتيبة العراقي أخصائي العلاج الطبيعي المخلص والمتعاون والصابر والكادح، وليس مع شخصية المراهق السوري إبراهيم ورفاقه الدجالين، والفيلم مؤشر على الروح الدعائية والسذاجة الإخراجية في مثل هذا الصنف من الأفلام المتكاثرة حاليًا، والطامحة للفوز بالجوائز التي لا تستحقها (فاز الفيلم بجائزة منظمة العفو الدولية للعام 2018)، والتي لا يمكن مقارنتها إطلاقًا بتحفة الفنلندي كورسيماكي “الجانب الآخر من الأمل (2017) الذي تناول مشكلة النازحين بشكل واقعي – إنساني آخاذ متوازن، وحقق جائزة كبيرة يستحقها في مهرجان كان (2017).

*فيلم العودة إلى بولين (من إخراج المغربي سعيد حميش)، الذي عرض أمس ضمن مهرجان الفرانكو آراب في عمان يؤكد ضياع وبؤس وتفكيك الأسر المغربية التي نزحت لفرنسا كجنة موعودة، فالابن المتعالي النكد الفاقد لهويته، واللامبالي والمقاطع لوالده العجوز المزارع، يعود أخيرًا مع زوجته التي التقاها في مكان عمله الحالي بدبي، يعود بلا شوق لبلدته الجنوبية الفرنسية التي نشأ فيها لا ليمارس العطف والحنين والتماسك العائلي ويسترجع ذكرياته الحميمة، وإنما ليستعرض بؤسه وضياعه وكراهيته لذكرياته وأبيه ومعلمه اليساري المنظر وحتى لعائلته الطيبة (المكونة من امه وشقيقته وشقيقه)، وكذلك لزوجته الأمريكية الصبورة على عصبيته ونزقه، وحتى وظيفته الرفيعة في أبوظبي لم تنفذه من تداعيات شعوره بالكراهية والضياع لماضيه العائلي… فيلم لافت يستحق المشاهدة.

*ثم الأفلام الثلاثة القصيرة التي عرضت في اليوم الثاني لمهرجان سينما (الفرانكو آراب) في عمان وهي: أرض وهمية، أنا هنا ودقيقة تدل على براعة وتفوق الجيل الجديد من المخرجات العربيات (وهن دينا ناصر، لطيفة سعيد وفرح أبادة)، إذا ما لاقين التشجيع والدعم: تتميز هذه الأفلام الثلاثة ببراعة إخراجية لافتة وسيناريو محكم مدروس وبقصرها اللافت ما بين 12-14 دقيقة، مع البلاغة السينمائية على الإمتاع وإيصال المعنى والمغزى بلا إطالة وثرثرة وحشو لا معنى له، وهذه الأفلام تتعرض باختصار لخجل العمال المغاربة البؤساء، ولرغبتهم الجامحة  في التخلص من العقد الجنسية والحياتية، حيث تنجح بائعة هوى فرنسية بإقامة علاقة إنسانية مع أحدهم (أرض وهمية)، ثم بمثابرة الفنانة الجزائرية سعاد الدويبي في تأكيد إصرارها على توصيل التعبيرات الفنية المحفزة في شوارع العاصمة الجزائرية بفرادة وهمة وبثبات وتفاعل، ومواجهة سخرية المجتمع ومتغلبة على مشاكلها الخاصة، وأخيرًا فيلم دقيقة الذي يتحدث عن تداعيات العدوان الإجرامي الإسرائيلي على غزة الصامدة في العام 2014، وكيفية نجاح البطلة وابنتها الرضيعة في التعايش مع القصف في مخيم الشجاعية والهروب في اللحظات الأخيرة، وقد نجحت المخرجة باستخدام المؤثرات الصوتية بحرفية عالية مدهشة لتوصيل الفكرة والمغزى، ولكنها أخفقت بالمقابل بطريقة التصوير الهزيلة.

* أخيرًا كما يقول كريستوفر نولان (المخرج البريطاني الشهير): فالفيلم الجيد كالحلم الجيد يثبت في ذاكرتك وتتمنى لو كنت ممثلًا داخله، وهذا ما شعرت به بعد مشاهدتي لفيلم واجب الفلسطيني الذي يتحدث عن معاناة أهلنا في مدينة الناصرة في فلسطين المحتلة (وليس إسرائيل الغاشمة المقرفة)، وقد عرض الفيلم في افتتاحية المهرجان السنوي العماني الشهير (برعاية السفارة الفرنسية والهيئة الملكية للأفلام)… والذي يعقد في باحة الملكية للأفلام بنهاية شارع (الرينبو) السياحي الشهير في قلب عمان، ولم يخلص الحكي: فهذا الفيلم الذي أخرجته الأردنية الفلسطينية آن ماري جاسر، وقد أبدعت حقًا بإخراج هذا الفيلم الذي يعد من صنف أفلام الطريق تقريبًا، واستحق بجدارة الـ22 جائزة دولية التي حصل عليها،  وهو يستعرض عملية توزيع بطاقات دعوى عرس ابنة البطل أبو شادي الأستاذ المدرسي المطلق الستيني، أثناء تجوالهما (مع ابنه شادي الشاب الوسيم الذي تطمح فتيات الناصرة بالزواج منه) في أحياء مدينة الناصرة، وهو المهندس المعماري المغترب في إيطاليا وغير الراغب بالعودة لفلسطين لكثرة المعاناة والذكريات السيئة وضعف الأمل في المستقبل، ولدى قضائهما اليوم معًا بتجوالهما بالسيارة، تنكشف التفاصيل والقصص والخلافات العائلية وأسباب التباعد واختلاف نمط الحياة، ليكشف الفيلم في المشاهد الأخيرة وخلال الزيارات نمط الحياة والمعاناة في المجتمع الفلسطيني الصامد، ومنغصات الشاباك الإسرائيلي في التجسس على الفلسطينيين وتطفيش الشباب وتجنيد العملاء، كما يستعرض الفيلم مشاكل السكان واستغابتهم لبعضهم البعض وحساسيتهم تجاه بعضهم، كما مشاكل النظافة وضيق الخلق والعصبية السلوكية وأزمة السير، وكل ذلك يتم بسلاسة وإمتاع وواقعية لافتة. ولا بد من التنويه لابداع كل من محمود بكري وصالح بكري (الأب والابن) في الدورين الرئيسين، كما برعت المخرجة في التعامل مع تناقضات الشخصيات المركبة وهواجسها وإحباكاتها، وألقت الضوء بجرأة على مواضيع اجتماعية غير تقليدية مثل هروب الزوجة والمساكنة، كما واجهت قصص الاستعرض والنفاق والكذب بصراحة وطرافة.

 

هامش: ساهمت مجموعة الدول التالية بتمويل وإخراج وإنتاج هذه الأفلام: الملكية للأفلام في الأردن، قطر، العراق، كندا، بريطانيا، فرنسا، هولندا، تونس، بلجيكا، ألمانيا، البرازيل، الجزائر، المغرب، البرتغال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد