ظلت فكرةُ الأصولية مُعْضِلة وشائكة، عربيًا، رُغمَ أن التراثِ العربيِّ، تبَنى تيارًا نُعِتَ بالأصوليِّ، وأرتبط بالفقه أكثر من إرتباطه بالسياسَّة، حيثُ أُستعمِلت للدلالة على المرجعيِّة الدينيِّة المرتبطة، بتأويلاتٍ معرفية للظواهر والطقوس.

تجدرُ الإشارةُ إلى أنهُ ليسَ للأصوليِّة، تعريفُّ ينطبقُ على جميعِ الأصوليِّين، لكنها رغمًا عن ذلك، أيديولوجيةُّ شموليِّةُ النَظرة، للطريقة التي ينبغي على أساسها، تنظيمُ شؤونِ الحُكم والاقتصاد والمجتمع ككل.

فالرؤية الأصوليِّة عربيًا، تحكَّمت بالمجتمع، على مدى التاريخ، من خلال إضفاءِ القداسَّةِ على نصوصٍ تستمدُ عبرها شرعيّةً ذات صبغةٍ أيديولوجيةٍ صارِمة، ونظَّرت لها، باستمرار، وهو ما أسهَم بسقوط العقلِ، وتقويضِ الفلسفة، وتهميش مبدأ النقد والمعارضة، والفسادِ الدنيويِّ.

لكن، إذا ما أردنا إلى أن نعرفَ سِّر فشلِ الأيديولوجية الأصولية العربية، سياسيًا، فعلينا أن نُشير إلى إرتباط الأصولييِّن الْعَرَب، حديثًا، إما بتياراتٍ متشددِّةٍ منغلِقة أو تشكلاتٍ عُنفيِّة، مسلحة، ميليشاويِّة، من ناحية، أو بالأنظمة العسكرية، والانقلاب على الدولة من أخرى.

ما أنويِّ توضيحهُ، هو الأزمة البنيويِّة، ليس في تشكيل الظاهرة الأصولية في العالم العربي، فحسب، بل أيضًا في الممارسة السياسيِّة، سواء أكانت دينيِّة أو علمانيِّة، فالأزمةُ الرؤويِّة لدى التيار الأصوليِّ، هو ما يُفَسر تعاطِيه المتطرف، مع قضاياه ومشكلاته، بل إن التطرّف الدينيِّ، والعلمانيِّ، كان جزءًا لا يتجزء عن وجهات النظر الأصوليِّة الرجعيِّة، في كل تمثلاتِها، ومسلكًا رئيسًا من مسالِكها، تضع له نسقًا وإطارًا، قد يختلفُ باختلاف الجَسد، الدولة، أو الثورة، أو الجماعات المسلحة، وهذه التمثلات على خطورتها، فتكت بالدولة العربيِّة الفتيِّة – حركات القوميِّة العربيِّة، الناصريِّة، البعث، الشيوعيِّة، حركات الإسلام السياسيِّ، الوهابيِّة، وحركات المقاومة – ولأنها عانت من العُنف الدمويِّ والإستبداد السياسيِّ، من ناحية، ومن الإرهاب والثوريِّة المسلحة غير الرشيدة، من أخرى والتي تقفُ في مواجهة الدولة، والتي غَذت الصراع والحروب الأهلية والانشقاقات.

الملفت أن العديد من التيارات الأصوليِّة السياسيِّة العربية، كانت تواجهُ تياراتٍ خارجيِّة، هي الأخرى أصوليِّة، ومتطرفة، ورغم هذا لم تنجح في تحقيق الإنتصار السياسيِّ، الشكليِّ على الأقل، ظَّل الأسلوب الأصوليِّ، على شعبيته الجارفة، وخطاباته الرنانة التي تحركُ الشارع، يفشل في السياسة، وبالتالي يغامرُ ويخسر الكثير من إمكاناته، وقدارته، ويلجئُ في خساراته، إلى العنف والإستبداد، أو تسويق الوهم، وخلق أعداء خارجيِّين، وعمل كل شيء عدا بناء دولة مواطنة، وحقوق وديمقراطيِّة.

لا أستطيع، التنبؤ بمستقبل العالم العربيِّ، على ضَوء راهنيِّة الحالة التي تَنقلبُ بسرعة، بواقع فَشل الربيع العربي في تحقيق شَيْءٍ ولو بسيط، من آماله، وأحلامه والذي أنتجَ بفِعل المناخ الإجتماعيِّ، الذي يثِقُ على ما يبدو، بأن للأصوليِّة الدينية، ما تقدِمهُ، والتي تكافح للبقاء، لكنها تضعفُ، مع عزل التيار الإسلامويِّ، عن خريطة السلطة، وتآكُل الدولة الإسلاميِّة وأشباهها، عسكريًا، ليس لحساب الديمقراطية والحريات، ولكن الاستبداد السلطويِّ، وكلا التياريِّن ساهما بشكلٍ ما، بالانفراد بتكوين المجتمعات العربيِّة، على قاعدةٍ آحاديِّة، شوهَّت بفعله، تكوين المجاليِّن السياسيِّ والعام، وأجهَضت محاولاتِ ولادةِ المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، وعمل النقابات.

لم يكن ما حدث في الربيع العربيِّ وقبله وبعده من أحداث إلا تكشُّفًا لهشاشة تكوين الدولة والمجتمع العربيِّين، والذي أنتج بطبيعة الحال، فجوة سياسية عميقة، والتي لم يستطع ردمها، سوى تيارات وحركات أصولية دينية ومذهبية، وهو ما أنتج ظاهرة الانتقام السياسيِّ، الذي مزقَ أواصر المجتمع، وأزهقَ لُحمةَ مكوناته، وهذا الانتقامُ، انتقامُّ ضد السُلطة، هذا كان جليًَّا، في حالاتٍ عدِّة، كعَزل جماعةِ الإخوان المسلمين في مصر، وتغول المليشيات الطائفيِّة و(داعش) في العراق على الدولة، واجتثاث حزب البَعث، خارج الدولة بعد إسقاط صَدام حسين، والأمثلة في سوريا، متشعِّبة وهائِلة، بفعل حضور كافَّةِ أشكال الأصوليِّة، المسلَّحة والعسكريِّة والسلطوية في الصراع، واستيلاء الحوثيين على السُلطة في اليمن، على سبيل المثال، جاء نتيجةً لذات الفَجوة السياسيِّة. ومناخ الفوضى الذي فَجر الأزمات في ليبيا، وجَّر البلاد نحو النَفق المُظلِم، فالأمثلك أوسعُ من حصرها، وهذا يعني أن سببًا مزدوجًا، ساهم في إنتاج الأصوليِّة الدينية، فالاستبعاد السلطويِّ، والشوفينيِّةِ العسكرية وغير العسكرية، ساهمت بإنتاج أصوليِّةٍ دينية مُناهِضَة لها، بفِعل الطَرد واحتكار السياسيِّ وإغلاق المجال العام، والتضييق والفساد، والتَهميش، هذا التقتير أذكى الشعور بالمظلوميِّة، وإنعدام الثقة، لدى فئاتٍ واسِعة، وجَدت في الأصولية الدينية، فرصةً لا يُمكّنُ أن تضيِّعوها، مع انعدامِ البديل عنها، للخلاص من فساد السلطة واستبدادها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أصولية
القومية
عرض التعليقات
تحميل المزيد