العرب في الحقيقة هم ممن يسعون بصدقٍ لبناء علاقات يسودها الاحترام مع الآخرين، بل إنهم يوُدّون غيرهم بسذاجة مبالغ فيها تجعلهم أحيانًا يقعون في خطأ استثمار الثقة مجدّدًا فيمن أثبت ماضي العلاقات معهم أنهم ليسوا أهل أمانة ولا يحملون من المشاعر الطيبة والنوايا البريئة شيئًا كثيرًا لنا. ومن هذا المنطلق يصبح منطق سياساتنا الخارجية محتضنًا لخلل حقيقي يجعل تقارباتنا مع الغير مصدرًا لمشاكلنا أكثر من كونها أداة بناء لمصالح مشتركة. وهذا الخلل يظهر بجلاء في ماضي علاقاتنا بالعالم طيلة القرن الماضي، وفي توجهاتنا اليوم التي لا تعكس حنكة حقيقية في بناء سياساتنا على أساس المكاسب لا المشاعر، وفي غياب رؤية واضحة على المدى المتوسط والبعيد لا تتأثر بالتقلبات العالمية المتسارعة.

جربنا القوى الأوروبية، وما جنينيا منها غير تقسيمنا إلى أمم عاجزة عن إيجاد التقارب الضائع بين مكوناتها. حققت نزوات الغير على أراضينا وجعلت أحلامه تُقتطع حقيقة من ترابنا. وعدت من لا يستحق فلسطين ثم منحته الأرض التي لا تملك، لم يحك عدوان قط على أراضي العرب ولم تكن هي من صناعه ومتقدميه عسكريا وسياسيا. بل لم نسلم لليوم من تدخلاتها في استقلالية العديد من البلدان العربية، ومن امتصاصها لليوم لنسب من خيرات أوطاننا الطبيعية. ما عشناه من احتكاكنا بالأوروبيين لا يؤهلهم ليكونوا شركاء ثقة لنا في بناء المستقبل، لكن الموقع الجغرافي وماضي العيش المشترك يجعل لهم مكانا طبيعيا في تقارباتنا شرط أن تكون البراغماتية أساسها، البرغماتية التي تضع المنفعة أساس كلّ استثمار وتفرض شروط تصدير المعرفة إلى الأراضي العربية في كل مشاريع التعاون.

جربنا الأتراك ولم يعاملونا يوما كإخوة لهم. حكموا بلداننا بالنار والحديد، وساد ظلم في عهدهم حوّل كثيرًا منا لأشباه عبيد. خسروا حربهم فسلمونا للمنتصر قربانًا، يتباكون على القدس وراية محتلها في بلادهم ترفرف، يفاوضون على حضن أوروبا بجحافل اللاجئين العرب، ويفتحون حدودهم لكل متعطش دم ليعبر نحو أراضينا كي يحقق نزواته. لم تحمل مواقفهم الوضوح في صياغة الحب لنا كالذي نكنه لهم. ومع ذلك فالتعامل معهم واجب لكن بكلّ حذر، الحذر الذي يخلوا من المشاعر التي يمكن أن يصنعها التّقارب الديني والثّقاقي، والتّعامل الذي ينطلق من موقف واضح ثابت، أن العرب لا نية لهم في مبايعة سلطان غير سلطان فكرهم الخاص.

جربنا روسيا ولم نر منها غير الخذلان وتدبدب المواقف. لم تقف يومًا بشكل فاعل في صف حلفائها من العرب في مواجهة أعدائهم، بل اكتفت ببيعهم السلاح ومشاهدة خسائرهم عن بعد. العلاقة مع روسيا أساسية لضمان التوازن في سلّة علاقاتنا الدوليّة لكنها يجب أن تمتدّ لتطال الشقّ الثقافي الذي يعمّق فهم الآخر. روسيا لا تستحق ثقة مجانيّة فحربها وأهدافها تصوغها وفق رؤيتها الخاصة دون أن تضع حسابًا للآخرين. ولنا أن ننهج معها نفس المنوال.

جربنا المارد الأمريكي طويلا ولم نجنِ من تقربنا منه غير الصراعات العسكرية تخنق سلمنا، والسلاح بوفرته يغرق أرضنا، والكره تترجمه مواقف ديبلوماسية ضدنا، والدعم الدائم لمغتصب قدسنا. على يديه دمرت عواصم حضارتنا، وبلسانه اتهم بالإرهاب جلنا، ومع ذلك فنحن أصدقاؤه وزبائنه. التعامل الوحيد الذي تقلّ خسائره مع أمريكا هو النّفعي القائم على فكر التّجار. المال مقابل المنتج ولا شيء غيره. و الزّلّة الكبرى هي الاعتماد الكامل على الجانب الأمريكي دون صياغة علاقات قوية مع باقي القوى تدخلها في تنافس مصالح معه نحن في مركزه.

الصين اليوم هي أول قوى العالم الاقتصادية، وثالث مصدر للسلاح في العالم، ودولة بحث علمي تملك برنامج غزو فضاء جدي. وهي الأقرب لنا من حيث الثقافة والتراث الإنساني والأشبه في شكل الحكم والتسيير، وهي تحمل ماضيًا أبيض في علاقتها بنا لم يسبق أن لطخته بعدوان تجاهنا ولا بتدخل في شؤوننا. ومع ذلك لم نمدد لها يدنا لليوم حليفًا يمكننا بناء المستقبل معه بكل ثقة. التوجّه نحو الصين حليفًا للمستقبل هو المنطق الأسلم في واقع العالم اليوم. والمبادرة لبناء هذا الحلف يجب أن تكون عربية.

أما الدرس الأساسي الذي نتجاهله في سياساتنا الدولية فهو كون قوتنا فينا ولا قبل لنا بالبحث عنها عند الآخرين. هذه القوة التي لا تنتجها فرقة مفتعلة من الغير لضمان وقوفنا أمام أبوابهم. صياغة التكامل العربي باتت ضرورة ملحة ومستعجلة وهي وحدها قد تغنينا عن المزيد من التجارب في البحث عن ود الآخرين لا نجني منها غير الخذلان والثبات في نفس المكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد