«يـــا شاعر اسمع مني جواب.. إحنا بنات العرب ننظم معاني»

أنا استعين بالله واصلي على النبي

نبي عربي مقصود بالآيات

عليك صلاة الله يا خير من هدى

بوجنة خدوده أنارت الظلمات

نبي عربي يا باهي الوجنات

بعد تمجيدي في جمال محمد

اصغي كلامي وادرك الكلمات

(جابر أبو حسين، سيرة بني هلال، جمع وتدوين عبد الرحمن وعطيات الأبنودي)

– تُعد السيرة الهلالية من أهم الإبداعات القولية ذات القوالب الشعرية والنثرية التي صاغها الفنان والمُبدع الشعبي وبالإضافة لمكانة السيرة الهلالية كموروث شفاهي في مصر والعديد من المناطق العربية، إلا أنها تؤرخ سير وأحداث القبائل العربية كقبيلة بني هلال وأحلافهم والزناتية والعديد من القبائل التي دارت حولها أحداث السيرة وتجتمع الهوية العربية داخل السيرة الهلالية على الاستهلال بمدح النبي عليه الصلاة والسلام والتغني والمدح في بديع محاسنه، وهذا يُعدّ جزءًا أصيلًا من التدين المتأصل في وجدان الشخصية العربية بوجه عام وجمهور السيرة ورواتها بشكل خاص.

ويُعد البطل أبو زيد الهلالي هو أحد أبرز الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في أحداث السيرة ولكن من جعلت من أبي زيد بطلًا قطعًا هي أمه خضرا الشريفة، والتي تبدأ أحداث السيرة في الروايات النسائية غالبًا بذكر خضرا الشريفة وأهم الأحداث التي تبدأ بالنبوءة السابقة على ميلاد البطل؛ بيد أن النبوءة تلعب دورًا كبيرًا في إخراج البطل من حيز الإنسان العادي إلى حيز الإنسان الأسطوري، أي من الواقعي إلى الأسطوري، (النبوءة) تُعّرف على إنها قراءة المستقبل ومعرفة ما هو مكتوب في قدر الإنسان وقد احتفت السير العربية الشعبية بالنبوءة التي تحدد مصير أبطالها، وهي بكل تأكيد ليست فريدة في ذلك فإن النبوءة معروفة في الآداب العالمية الشعبية.

وترتبط النبوءة في كثير من الأحيان بالزمان والمكان، فليس كل وقت أو مكان صالحًا للرؤية الصادقة، كما يلعب الزمان دورًا مهمًا في استجابة الدعوة، فعندما يجتمع المكان المقدس مع الزمان المقدس فإن الدعوة فرصتها أكبر في التحقُق.

فتعتبر خضرا الشريفة والدة البطل من أبرز الشخصيات النسائية في السيرة الهلالية، فهي من نسل الأشراف «خضرة الشريفة بت قرضة خلاصة من عضا النبي. كانت زوجة السديع.. رزق بن نايل السديع دي من عضا النبي».

الراوية أم ثابت

السيرة الهلالية تُمثل كيانًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا يتخلله منظومة العادات والتقاليد الخاصة بمجتمع السيرة، ومن أهم ما يميز السيرة الهلالية على وجه التحديد إنها عربية منبعها شبه الجزيرة العربية وهو مجتمع بدوي قبلي تُغلفه مجموعة من التقاليد والأعراف، وبطبيعة الحال فإن ذلك المجتمع القبلي يفرض على المرأة معايير اجتماعية تتسم بالتبعية للرجل والعديد من مظاهر التهميش والقهر، وأبرز مثال على ذلك نموذج خضرة الشريفة فهي كانت بمثابة الشخصية المحورية في مفتتح أحداث السيرة ومدى المعاناة التي عاشتها تحت وطأة الخزي (الباطل)، فمن خلال خضرة الشريفة أم البطل أبو زيد الهلالي تتكون لدينا رؤية تأويلية عن مدى الظلم الذي تعرضت له، وبالإضافة إلى ذلك فهي من أسست وغرست البطولة في أبو زيد وجعلته ينشأ على قيم الشجاعة والفروسية والإقدام، وذلك لأنها بنت الأشراف، فربما تلك الرؤية تجعلنا بديهيًا نطمئن لما تحمله خضرة الشريفة في مكونها النفسي والاجتماعي من صفات الشرف والنُبل وهي بكل تأكيد من كريم خصال العرب والتي احتضنتها كمورث ثقافي ونقلته لابنها وجعلت منه بطل ليرد اعتبارها فيما بعد.

وتأتي شخصية الجازية من أجمل بنات العرب في السيرة، وهي تُعد شخصية محورية وفاعلة في السياق السردي لسيرة بني هلال ولما لها من دور مركزي في التدبير القبلي لشؤون الرحلة «التغريبة»، وفي قرارات الحرب، وأيضًا في الصراع المركبو المتراوح بين الأبطال أبو زيد – دياب وعلام وغيرهم، فشخصية الجازية كانت صانعة للأحداث.

ومن أجمل ما أنشدت الجاز – الجازية قولها حين أسر حنظل العقيلي بنات بني هلال، فتخفى أبو زيد في سمت شاعر ربابة وعندما التقى بحنظل سأله إن كان أسر بنات الهلالية حقًا أم لا فثار حنظل وأحضر الأسيرات ليراهنّ الشاعر بنفسه وجاءت الفتيات تقودهنّ الجازية وقالت في مواجهة الشاعر:

– تقول الصبية الجاز في شكواها:

وتبدي من العين اليمين عبرات

يا شاعر العربان روح نجوعنا

سلم لنا على الكل في البدنات

سلم على حسن الهلالي وقوله

ربيع اليتامى سيد الوليدات

سلم على حسن الهلالي وبلغه

قل له: فضيحة تتركوا البنات

سلم على القاضي بدير بن فايد

قاري من العلم الشريف آيات

سلم على زيدان وبوس لي خوامسه

وقل له ياك نسيتو يا ترى البنات

وسلم على جمل الحمول سلامه

أسد الهلايل فارس اللمومات

قل له يالسمر، إزاي جهدك وهمتك

نسيب الصبايا بين يد جبنات

تسيب الصبايا في أيد الجبان ليه يا بطل

يا سمر سلامة سا صاحب الهيجات

أين هيجتك والميدان وهمّتك

عيبه عليكم، ياك سلامة مات!

ومن ضمن أحداث تغريبة بني هلال لتونس دار حوار غنائي شعري بين الجازية وأحد الحراس على سور مدينة تونس عندما بلغها الهلالية وهي تحتال عليه ليفتح لها:

الجازية: يا بواب صاره افتح للعذارى حنا يا مشندر إلى حد السواره.

الحارس: روحي يا ظريفة تاشاور خليفة له حرية رهيفة تقسم الحجارة.

الجازية: يا بواب منصور افتح لي باب السور ندخل بدستور ونبيع العطارة.

الحارس: المفتاح ما هو بيدي اروح اشاور سيدي ذا الباب الحديدي في فتحة مشاوره.

الجازية: افتح وكن طايع جبنا لك بضايع وتحت بدايع تصلح للإمارة.

يا بواب افتح ها الباب المصفح بالزينات تصبح وتنظر العذارى.

الحارس: قال لها عندي ثريا ونجلا أم سعدى تصلحوا لهم جواري.

الجازية: افتح له شوية وشوف الحسن فيه تجيلك الرؤية قديشك حماره.

الحارس: روحي يا مليحة أنا أحشى الفضيحة وانت مستريحة وانا واقع بناره.

دور الجازية الفاعل في السيرة الهلالية

فلقد مُنحت ثلث المشورة في بني هلال، لتقف على قدم المساواة مع كل من أبي زيد الهلالي والسلطان حسن، وتذهب بعض الروايات الشفاهية إلى أنها لم ترث هذا الثلث في المشورة بالوراثة عن أمها، بل إن المجتمع الهلالي قد منحها «ثلث المشورة» في حياة أبيها (السلطان سرحان)، بعدما عجز القوم عن تنفيذ الشرط القاسي الذي وضعه أبو زيد ليصفح عن بني هلال، ويسمح لأمه بالعودة إلى نجد، بعد حادثة مولده، واتهامها في شرفها، ورحيلها إلى أرض العلامات في ضيافة الملك فضل بن باسم الزحلان. حيث اشترط أبوزيد على بني هلال أن يفرشوا أمام جمل أمه حرير الرطايب من أرض العلامات حتى أرض نجد، ونظرًا لعدم وجود ما يكفي من الحرير لتلبية شرط أبي زيد، فإن الصلح كاد أن يفشل، لولا رجاحة عقل «الجازية»، التي اقترحت على العبيد أن يفرش جزء منهم الحرير أمام الجمل، ثم يقوم بعض العبيد بلمِّه من وراء الجمل، ثم إعادة فرده أمام جملها، حتى تصل خضرة الشريفة بجملها أرض نجد، وفي هذا تحقيق لمطلب أبي زيد. من هنا منح المجتمع الهلالي الجازية ثلث المشورة، ونصب لها كرسيا ثالثا إلى جوار كرسي السلطان وكرسي أبي زيد، فارس القبيلة الأول. ومنذ ذلك الحين أصبحت صاحبة الرأى والمشورة في بني هلال.

موقفها في الريادة واختيارها لأبي زيد الهلالي

فهي التي تدفع أخيها السلطان حسن إلى إرسال سرية استطلاعية بقيادة أبو زيد لريادة تونس، وهي من تتقدم القبائل وتستنفر فرسانها للقتال وتشجعهم على النزال وتعلن النصر بزغاريدها.

والجازية بحكمتها وعقلها الراجح تمكنت من تحقيق النصر على العدو، وأيضًا استطاعت أن تستبعد دياب من المشاركة تحسبًا لتحالفه مع خليفة.

دور الجازية في التغريبة: الدور الذي لعبته الجازية مع الهلايل أثناء الرحلة، من قبيل الخطط التي وضعتها لتحقيق الأهداف الهلالية، والتي اكتفى بنو هلال معها بمجرد تنفيذ ما تشير به عليهم، ونُمثل الجازية الرابط السردي في التغرية فالجازية هي من بذلت التضحيات من أجل سلامة القبيلة بزواجها من الشريف شكر.

وعلى الرغم من قوة شخصيتها إلا إنها كانت تتزوج بالإكراه مثل زواجها من سعد الزناتي بعد هجومه على بني هلال.

موقف الجازية مع الأيتام: من المواقف التي تؤكد رجاحة عقل الجازية – في الهلالية الشفاهية – تربيتها للأيتام في أرض «محمود البياضي» ألد أعداء بني هلال، وحماية أيتام بني هلال إذ جمعت الأطفال الصغار بعد المذبحة الذي قام بها دياب وقتل أبطال الهلالية وأطلق على هؤلاء الأطفال جيل الأيتام وربتهم الجازية ودربتهم حتى أصبحوا قادرين على الانتقام.

فالجازية شخصية قوية لها مكانتها العالية وكلمتها النافذة، فما كان العرب يفصلون في أمر دون الرجوع إليها.

وهكذا قد عرضنا جزءًا يسيرًا ونموذجين لبنات العرب من داخل أحد أهم وأكبر سيرنا الشعبية العربية (السيرة الهلالية) لنعرف كيف كانت المرأة العربية شخصًا مؤثرًا وفاعلًا في جميع الأحداث ولم تكن تابعة ومهمشة بل هناك نماذج كانت تسير جنبًا إلى جنب في سير الأحداث كشخصية خضرة الشريفة والجازية كما أسلفنا وكيف كان للجازية صوت عربي مدوي وفصاحة في اللسان ورجاحة في العقل وحسن التدبير والريادة في العديد من المواقف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد