لا خير في جيش أو شعب أو أناس يؤمنون أنهم هم الأضعف، ويقدسون عدوهم بالذكاء والعلم والقوة وغير ذلك، هؤلاء تعانقهم الهزيمة معانقة المحب لمحبوبه، والانتصار يفر هاربًا منهم كلما اقتربوا منه.

إن إهانة النفس واستصغارها أضحى اليوم أكبر سلاح يفتك بالأمة العربية ويجعلها تعيش ما تعيشه من هزيمة غابت داخلها مؤشرات العودة، وهي ليست نوع الإهانة الوحيد الذي تتعرض إليه الأمة، بل قد يكون هو الثالث بعد إهانة القوى العالمية، ثم إهانة بعض الأنظمة القمعية لشعوبها، لكنني أراه النوع الأكثر تأثيرًا لمساهمته العظمى في نشر حالة من الإحباط وتعميمها بين الجماهير العربية، إنه أكثر ما يجعلنا نستسلم – سواء عن وعي أو غير وعي – لكون ما نعيشه أمرًا غير طبيعي، كأننا الأمة الوحيدة التي تعرضت للانهزام أو كأننا هذه هي المرة الأولى التي تعرضنا لهذه السلسلة المتتالية من النكسات.

وتجليات إهانتنا لذاتنا كثيرة، لعلنا نجد أولها مع المفكر المغربي والعالمي المهدي المنجرة الذي اعتبر – في كتابه الإهانة – الامتناع عن الفعل كنوع من الذل الذاتي الذي نمارسه على أنفسنا، لكن ماذا يعني الامتناع عن الفعل؟

في الحقيقة لم يتطرق المفكر المنجرة إلى تفصيل معمق لهذه العبارة، لكن يبدو أنها واضحة ولا تحتاج إلى ذلك، فهو يريد أن يشير إلى حالة الجمود الحاصلة سواء بين الجماهير أو بين النخبة المثقفة التي يزعم أنها تخلت عن الدفاع على القضايا الكبرى للأمة العربية، وحالة الجمود هذه يفسرها بما يسميه بالرهابقراطية، ويشير المصطلح إلى الخوف أو التخويف الذي يمارس على الجمهور بنشر وساوس انعدام الأمن.
تجليات إهانة النفس لا تقف هنا، بل إنني أراها لا تقف أبدًا، فبالإضافة إلى تفشي مظاهر العلمانية بصورة كبيرة جدًا، بالرغم من أنها لا زالت غير مقبولة لدى المجتمعات ومعارضة تمامًا للثقافة العربية والإسلامية نجد أيضًا الاحتفال ببعض الأعياد التي لا تمث لنا بصلة، كالاحتفال برأس السنة الميلادية أو ما يسمى بالكريسماس، وقدر التعظيم الذي نقدمه لهذه المناسبات، والذي يكاد يفوق قدر تعظيمنا لمناسباتنا الدينية، وفي ذلك إهانة كبيرة لأنفسنا ولكرامتنا ومقدساتنا.

وبعد هذا كله تخبرنا وسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيسبوك» و«تويتر» عن قدر الهزيمة النفسية التي لحقت بالجماهير العربية، إذ صرنا لا نحتاج إلى خصومنا كي نرى ما يسيء إلينا، إلى تاريخنا، إلى ثقافتنا، إلى لغتنا، بل نحن أنفسنا من صار يتكفل بذلك، والمهزلة العظمى هي حينما ترى التفاعلات مع بعض التغريدات المسيئة، مثلًا كالبيت الشهير للمتنبي، والذي صرنا نراه بكثرة على منصات مواقع التواصل وهو: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، إن هذا لمخزي جدًا، ففي الوقت الذي كان يجب أن تكون هذه المواقع وسيلة تشجيعية ترفع من معنويات الجماهير وتحيي في قلوبهم أمل العودة إلى العز والمجد الذي كانوا عليه منذ قرون مضت، إلا أنه ومع كامل الأسف أضحت أكثر ما يدمر – بصورة غير مباشرة – نفسية الشباب العربي، لا سيما مع تعاطيه لها بكثرة.

أكيد أن إهانة الذات أو بمعنى آخر – انعدام الثقة داخل مجتمع ما سيحول حتما دون تأسيس ثورة حقيقية هادفة تنتهي بنتائج إيجابية بتحقق مراميها كاملة، وهنا تدعو الضرورة إلى العمل على استعادة الثقة المفقودة بين الجماهير، وذلك باستخدام كل الوسائل المتاحة وهي كثيرة ومجالاتها متعددة، لعلنا نجد على رأسها التاريخ، إذ إن هذا الأخير هو شيء بالغ الأهمية لدرجة أنه لا يمكننا الاستغناء عنه، بل أحيانا تجبرني الحاجة الملحة للتاريخ على القول: إذا لم يكن لأمة ما تاريخ فعليها أن تكتبه.

نعم عليها أن تكتبه، فالأمم القوية هي التي تدرس تاريخها بطريقة صحيحة، والطريقة الصحيحة لا تعني دائمًا الطريقة الحقيقية أو الواقعية، أتحدث هنا عن الحقائق التاريخية، فمثلًا الفرنسيين الآن من الصعب أن تقنعهم بأنهم قد احتلوا المغرب يومًا ما وفعلوا ما فعلوا هناك، إنهم يعتقدون أن دخولهم كان لحماية المغرب بعد توقيع معاهدة الحماية، مع أن ما حدث يثبت عكس ذلك، والغريب في الأمر أنه حينما اعترف الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخرًا بجرائم بلاده ضد الجزائريين لقيت تصريحاته موجات غضب كبيرة جدًا تظهر عدم تقبل هذه الحقائق ومحاولة سترها وإخفائها وتجاوزها. ومن هنا ندرك أن الأمم القوية شديدة الحرص على دراسة تاريخها بطريقة صحيحة لا تخلو من التمجيد والتعظيم للذات حتى يكون هذا التاريخ مصدرًا تستمد منه الأجيال ثقتها في نفسها وفخرًا بانتمائها وليس العكس.

فدراسة التاريخ جعلت لتحقق هذه الغاية الأسمى ولم تجعل للتسلية، وحينما ننظر إلى المناهج العربية نجدها بعيدة كل البعد عن تحقيق الغايات المذكورة سابقا، إذ نجدها خالية من فعل تعظيم وتمجيد الذات العربية الذي من شأنه أن يعيد الثقة ويعززها، نجدها لم تتحدث عن كون الإنسان العربي كان يومًا ما إنسانا فاعلًا منتجًا ومكتشفًا، وأنا أتساءل بالكثير من الاستغراب وأقول: لماذا لم أجد في برنامج مادة التاريخ أن العرب مثلًا هم أول من وصل إلى أمريكا مع أن هناك من يتحدث عن ذلك ويعطي دلائل تعزز هذا القول؟ كان عليهم أن يضعوها ويضعوا معها كل الدلائل ليثبتوها حتى ولو لم يكونوا متأكدين منها، فالغاية من دراسة التاريخ ليس معرفة ما حدث في الماضي، ولكن بناء شخصية للمستقبل.

وأيضًا من بين الوسائل الأكثر فعالية في عملية استعادة الثقة هي العقيدة، أتحدث هنا عن العقيدة الإسلامية، فالواقع حاليًا يخبرنا أن أكثر الناس غيرة على ما يجري في الأمة العربية هم أكثرهم تمسكًا بالعقيدة، والجميل في هؤلاء أنه من الصعب أن تقنعهم أن الانسان الآخر متفوق على الإنسان العربي، فغالبًا ما تجدهم يفخرون بتاريخهم وعلمائهم وأبطالهم، وهذا هو المطلوب؛ لأنه إذا كنا سنرى ثورة عربية ناجحة في المستقبل، فلن يكون لها وقود إلا هذا الاعتزاز والفخر بالذات وتمجيدها، والقرآن مليء بالآيات التي تعز المسلمين وتعلي شأنهم، مثلًا نجد قوله سبحانه وتعالى: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين».

ختامًا أذكر أن أي أمة مهما بلغت قوتها حتى وإن استطاعت بسط سيطرتها على العالم بأسره فلابد لها أن تمر بفترات الضعف الحرجة، والتاريخ يثبت هذا الأمر، لذا فما تعيشه الأمة العربية حاليًا هو أمر طبيعي، لكنه ليس محمودًا بطبيعة الحال والسعي نحو الخروج منه هو أمر مطلوب، فالأمة الآن في حاجة إلى رجال يرفعون قضاياها ويدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة وبكل فخر واعتزاز، كما أنها في حاجة إلى نخبة من المثقفين يخطون خطواتهم بكل إخلاص لقضايا الأمة بعيدًا عن المكر والاسترزاق والخداع والبيع والشراء في عقول الجماهير دون أن ننسى ضرورة اقتحام هذه النخبة للعمل السياسي للمساهمة بشكل أكثر فعالية في الدفاع عن هذه القضايا. وقبل أن أنهي هذا المقال أريد أن أضع بديلًا لبيت المتنبي – يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، ربما أفضل أن نردد بيت الشاعر ثميم البرغوثي:

لا شيء من هذا يخيف ولا مفاجأة هنالك

يا أمنا ارتبكي قليلًا إنه أمر طبيعي

وقومي إنه أمر طبيعي كذلك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد