وقعت منذ بضعة أيام على كليب (أي مقطع مرئي، وليس تصغير الكلب) تتحفنا صاحبته فيه بأن (اللغّة اللبنانية) تختلف اختلافًا كبيرًا عن اللغة العربية، وذلك من حيث القواعد والشكل وطريقة النطق، ومن بين ما ساقته من الأدلة والأمثلة أن اللبناني يقول (قلتله لفادي) بينما بالعربية نقول: (قلت لفادي) وهذا فرق واضح بيّن!

بغض النظر عن وهن الطرح، والكم الكبير في جهل من تبنته، ورغم عرضه على قناة لبنانية يفترض أن تكون محسوبة على القنوات الرصينة، إلا أن ما يلفت الانتباه هو المنزلة التي وصل إليها كل ما يوصف بالعربي في زمننا هذا، فكلما اعتقدنا أن هذا هو القاع الصفصف، عدنا لنكتشف أن هنالك دركًا أسفل أكثر انحطاطًا وأشد قتامة.

باتت العربية والعروبة تهمة يتبرأ منها كل من ينتمي إليها، فاللبنانيون فينيقيون، والمصريون فراعنة، وأهل الجزيرة العربية خليجيون وأهل المغرب العربي أفارقة أو أمازيغ، وهكذا ومن لا يستطيع إدعاء أي من هذا يقول إنه مسلم أو مسيحي أولًا، حتى ترى بعض العرب اليوم يمني النفس بالانتماء إلى بلدان أخرى، كتركيا، وإيران، وأوربا، وأمريكا، وكندا. وهذه الدعوات ليست بجديدة على كل حال، ولكن شدتها ورواجها يتناسبان طردًا مع ضعف حال الأمة كما يقول ابن خلدون في مقدمته: عندما تنهار الدولة يلوذ الناس بالطوائف ويصبح الانتماء إلى القبيلة أشد التصاقًا.

من الجلي لكل متأمل بأن عصر انحطاط العرب قد عاد مرة أخرى، فلا قادة للرأي، ولا مفكرين لهم وزنهم على المستوى العربي أو العالمي، ولا استراتيجيين لديهم رؤية واضحه لما يجب أن يكون عليه مستقبلهم، وترى البلاد مرهونه لهذه الدولة أو تلك بكل مقدراتها وخيراتها وخياراتها، حيث تسود حالة من استقطاب الدول الإقليمية أو العظمى معظم البلاد العربية.

لا أنوي هنا الحديث عن السياسة، رغم أنها جزء من هذا الانحطاط، ولكنني أشير أكثر إلى أزمة باتت تعصف بالأمة بعد صحوة بدأت في خمسينات وستينات القرن الماضي. ومما لا شك فيه بأن ثورات الربيع العربي قد فشلت، بل عادت بالانتكاسة على كل من آمن بها بسبب غياب القادة المؤثرين والملهمين ممن يمتلكون الفكر والمنهج والاستراتيجية اللازمين للنهوض بالمد الشعبي الهائل الذي طالب بالتغيير والإصلاح. وإن كان لنا أن نطلع على دراسات تبحث عن من يؤثر في العرب اليوم لوجدنا الفنان، و(اليوتيوبر)، والكوميدي، والإعلامي الشعبوي، ورجل الدين العصري (الكول)، وغيرهم ممن لا يملكون رسالة راسخة تفيد الأمة، بل يسعون إلى جمع اللايكات والتعليقات، وتجد متابيعهم بالملايين. وقد أصابتني الصدمة مرة عندما عرفت أن عدد مشاهدي أحد هؤلاء المشاهير قد تخطى الخمسة ملايين متابع بسبب إنجاز لم يسبقه إليه أحد إلا (ريتشارد قلب الأسد)، وهو أكل خروف كامل في وجبة واحدة.

وقد يقول قائل: إن مجتمعًا كهذا لابد أن يفرز مثل هؤلاء القادة، وهذا صحيح في المبدأ، لكن لو كان الحال كذلك لما رأينا قادة رأي مجددين يخرجون من رحم التخلف والانحطاط مثل غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ وجان بول سارتر ومهاتير محمد وغيرهم ممن وظفوا فكرهم وعقيدتهم لخدمة قضايا أوطانهم، فلاهم اكتفوا بالتنظير من وراء الأبراج والمكاتب والصوامع، ولاهم اتحدوا مع الشارع ليحققوا مكاسب جماهيرية وفقط على مبدأ (الجمهور عاوز كده). نحتاج اليوم من لديه الفكر والإيمان بالقدرة على إحياء هذه الأمة النائمة ومعهما أن يتمتع بالنزعة الجماهيرية الصادقة للنصح والتوجيه لا لحصد الإعجاب وتجييش المريدين والأتباع.

لا أدعي هنا وجود وصفة سحرية لأزمة الهروب هذه، ولكنني على يقين بأن استمرار الحال من المحال، وأقول كما قال الراحل سعد الله ونوس: إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد