خلال الأسبوع الماضي تفاعلت السلطة الفلسطينية بشكل لافت مع موضوعين منفصلين، أولهما مسابقة آراب أيدول التي تابعها من مسرح بيروت نجل الرئيس محمود عباس، كما قام رئيس السلطة نفسه بزيارة المتنافسين الثلاثة وشدّ من أزرهم قبل الحلقة النهائية التي تُوّج على إثرها الشاب الفلسطيني (يعقوب شاهين) باللقب.

أما الحدث الثاني فكان مؤتمر فلسطينيي الخارج الذي عُقد في تركيا، ولاقى استنكارًا عريضًا من السلطة الفلسطينية وممثليها، وصل إلى حد وصفه بمؤتمر الشيطان، كما انبرت مجموعة من السحّيجة المتبرعين من تلقاء أنفسهم (وما أكثرهم) للدفاع عن مؤازرة السلطة لنجوم آراب أيدول وفي الوقت نفسه مهاجمة مؤتمر فلسطينيي الخارج، وكعادة كل سحّيجة الأنظمة العربيّة تحوّل النقاش إلى تناول موضوع نظرية المؤامرة والتآمر الخارجي والتفرقة بدلًا من جمع الكلمة في قضية فلسطينيي الخارج، أما في موضوع آراب أيدول فتحوّل النقاش إلى دعم الفن والقضية الفلسطينية، وكأن السلطة قد استنفذت كل وسائل المقاومة والدفاع عن الوطن وبقي سلاح الفن لتضمه إلى ترسانتها العظيمة الرهيبة التي يرتعد الأعداء خوفًا منها!

لا شك أن الفن والنضال لا ينفصلان، وللمقاومة الحق في استخدام كل الوسائل والأدوات لإيصال صوتها ودعم قضيتها، فالصحافة والإعلام والموسيقى والفن والرياضة والأدب وسائل فعّالة وتصل بكل سهولة الى العالم اجمع وتستطيع التأثير على الرأي العام وشحذ الهمم ورفع المعنويات ونشر التوعية بالقضايا الوطنيّة، ولكن المثير للاستهجان هو محاولة السلطة تسييس هذا الفن وتجييره لصالحها، في الوقت الذي تفرّط فيه بالقضايا الوطنيّة الأساسية، مما يزيد من ضبابيّة المشهد الفلسطيني الداخلي.

دعوتي لكل من يمثل السلطة الفلسطينية، أن اتركوا الفن لأصحاب الفن وأبناء الشعب الغلابة الذين يطربون للأوف والموّال وتدغدغ مشاعرهم كلمة «فلسطين» أينما ذكرت، لا تحاولوا زجّ أنفسكم في هذا المجال لتعويض خذلانكم في قضايا الوطن، فوجودكم في هذا الإطار لن يضيف الا نشازًا للأغنية وإساءة للفن الفلسطيني الأصيل، وبدلًا من متابعة احداث آراب أيدول في بيروت، حبذا لو تابعتم قضايا الأسرى والمعتقلين وحصار غزة ومحطة كهرباء غزة …. إلخ القائمة الطويلة من قائمة معاناة شعبكم، أو على الأقل تفضلوا بزيارة عائلات الضحايا الفلسطينيين وشدّوا من أزرهم أمام الكاميرات كما فعلتم مع متسابقي آراب أيدول.

دعوا متابعة آراب أيدول للبسطاء الذين يفرحون لرؤية شباب فلسطين وهم يثيرون الحماس وينشرون الفرح على المسرح ويرسمون الابتسامة على مُحيّى متابعيهم، دعوا الفن لنا كي نتنفس من خلاله ونفرّج عن هموم الغربة وثقل حياتنا اليومية، دعوا آراب أيدول لأبناء المخيمات الذين نجحوا في الإبقاء على عزيمتهم في التنافس والنجاح وراهنوا على موهبتهم للوقوف في وجه القمع والاحتلال والظلم، لا تحاولوا أن تسيّسوا الفن وتجيروه لصالحكم.

وبدلًا من ان يتبجح الرئيس محمود عباس بمتابعته للمطربين الإسرائيليين أمثال (موشيه إالياهو) حبذا لو توقّف عن وصف عمليات المقاومة بالوقحة والحقيرة، وحبذا لو اعترف أمام التاريخ أن اتفاقية أوسلو التي أنتجت ما يُسمّى بالسلطة الفلسطينية، هي الخطيئة التي لا تغتفر في سيرة النضال الفلسطيني.

أما الحديث عن «مؤامرة» فلسطينيي الخارج، و«مؤتمر الشيطان» فهو حديث يثير الضحك على رأي المثل (همّ يضحّك وهمّ يبكّي) فمن المستغرب أن يصدر هذا الحديث عن سلطة «وطنية» تم استحداثها لضبط فصائل المقاومة وردع كل شكل من أشكال العداء للدولة الإسرائيلية، وحماية حدود دولة إسرائيل والعمل الدؤوب للحفاظ على أمنها، بل والتواصل مع قياداتها الأمنية بما يضمن إفشال أية محاولة لمس أمن إسرائيل، في الوقت الذي لا تملك فيه هذه السلطة أية أدوات ضغط أو خطة واضحة لتحقيق أهدافها المعلنة وتطبيق القرارات الدولية التي تستند عليها القضية الفلسطينية، ومع ذلك تصر هذه السلطة على الإلتزام بكل مسؤولياتها، وإبداء الاستعداد التام للتعاون الكامل دون مقابل، ثم لا تجد حرجًا من الحديث عن الوطنيّة والخيانة!

في الحقيقة والواقع، باتت السلطة الفلسطينية لا تختلف عن الأنظمة الشمولية العربية في شيء، فكُلّهم (قاريين على إيد شيخ واحد). من ناحية الفساد حدّث ولا حرج، فساد وإفساد سياسي وتلاعب بالحقوق التاريخية لبلد عظيم، يضاف إليه فساد إداري قلّ نظيره في العالم، مقترنٌ بفساد مالي وتزاوج بين السلطة والمال، فيما تستخدم قضية فلسطين والدفاع عن المقدّسات كغطاءً لشرعنة كل هذا الفساد، ومؤخرًا بدأت السلطة في محاولة إضفاء صبغة الشرعية الدينية أيضًا من خلال أبواق وُعّاظ السلاطين.

إن أكبر مؤامرة على الشعب الفلسطيني هو استمرار العمل ببنود اتفاقية أوسلو، والقبول بالدور الحالي للسلطة الفلسطينية، وإن الدعوة لإسقاط اتفاقية أوسلو وكل ما انبثق عنها، وإعادة إحياء المؤسسات الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية مع ضم فلسطينيي الشتات والعودة إلى ميثاق الثوابت الوطنية 1968 هو أول الطريق الصحيح لعودة القضية الفلسطينية إلى مسارها الأساسي، فهل باتت هذه هي الخيانة برأيكم؟!

قال جمال الدين الأفغاني (من يدع قدمَيْ العدو تستقر على تراب الوطن وهو قادر على زلزلتها، فهو خائن، في أي لباس ظهر، وعلى أي وجه انقلب).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد