الإنسان كائن سياسي بطبعه.. وهو بهذا التعريف له هدفان عظيمان في الحياة: أن يحافظ على حياته.. وأن يحترم نفسه. إن الحفاظ على الحياة أو الشعور بالأمن غالبًا يتصارع مع الشعور بالاحترام.. وغالبًا يختار الإنسان أن يضحي باحترامه لنفسه لكي يحافظ على حياته، أو العكس، يختار التضحية بحياته ليحافظ على احترامه لنفسه.. معظمنا يقدر الشخص الذي يختار احترامه لنفسه؛ لأنه حقق الهدف الأسمى للإنسان، ألا وهو الكرامة الإنسانية.

مفهوم الكرامة يختلف من شخص لآخر، ولكن قمة الكرامة أن تستطيع أن تملك حرية الاختيار.. إن الحرية تعني حق الاختيار، وبدون وجود هذا الحق لا توجد حرية.. والحرية كمصطلح لا تملك القدرة على فرض نفسها على الواقع العربي خصوصًا أن المجتمع العربي قائم على تنمية قدرة الفرد العربي في التصفيق بدلًا عن النقد والرضا عن النفس، بدلًا عن الارتقاء بالذات، والسكوت، والخوف، بدلًا عن الاحتجاج والطاعة، بدلًا عن الثورة.

ومع انطلاق ثورات الربيع العربي أصبحت الهجرة طريقة من طرق الاحتجاج وربما كانت من قبل حلم يراود الكثير لتحقيق بعض الأهداف المادية التي كانت عائقا في وجه شباب لا يملك أن يعبر عن سخطه على فساد ونفاق مجتمعاتنا العربية.

أصبحت الهجرة واجبة علينا، وأصبحت جزءًا من تجربتنا الإنسانية وتاريخنا المعاصر.. أصبحت الهجرة تأكيدًا بأننا ما زلنا مؤمنين أن الإنسان العربي قادر أن يتعايش مع مجتمعات أفضل وأرقي من مجتمعات البلاد العربية. إن الهجرة هي صرخة في وجه المجتمع العربي بأسره من المحيط إلى الخليج.. صرخة في وجه جبروت سلطة الأنظمة المستبدة.

تلك الأنظمة التي تملك مخالب وأنياب وسجون ودبابات وطائرات قادرة على الفتك بالشعوب التي تطالب بالحرية والتي تطالب بابسط الحقوق السياسية أو الاقتصادية. أصبح من يؤمن بالحق الحرية.. مطاردًا.. مضطهدًا.. سجينًا.. أو مقتولًا، ولا سبيل للنجاة غير الهجرة إلى بلاد بعيدة كل البعد عن ثقافتنا وعادتنا وتقاليدنا أصبح السؤال هل نضحي بحياتنا، أو نضحي باحترامنا لأنفسنا.. أصبح الحل أن نخاطر بحياتنا لنحتفظ ببعض الاحترام لأنفسنا. نخاطر بحياتنا بالهجرة عبر البحار ومشيًا على الأقدام حتى نصل إلى بلاد نستطيع فيها أن نحظى ببعض احترام الذات.

استطاع الكثير من أفراد العالم العربي الهجرة، فهل استطاع هؤلاء الأفراد استغلال هجرتهم للعالم الجديد بشكل جيد، أم أننا نقلنا مشاكلنا وصراعاتنا إلى المجتمعات الجديدة التي استقبلتنا، وفتحت ذراعيها بترحاب لهؤلاء الغرباء المهاجرين؟

تركيا هي المعبر الرئيس لكثير من المهاجرين إلى أوروبا.. كذلك مصر، وليبيا، وتونس.. أصبح البحر المتوسط أكبر مقبرة للمهاجرين نظرًا لغرق الكثير من القوارب المستخدمة في عملية النقل.. إيطاليا واليونان هي المحطة الأولى في رحلة المهاجرين يستكملون بعدها طريق الهجرة إلى دول أخرى عبر وسائل النقل أو مشيًا على الأقدام.

تبعد النرويج حوالي 3 آلاف كم عن اليونان، و2500 كم عن إيطاليا.. يفضلها بعض المهاجرين نظرًا لأنها تتمتع بظروف أفضل من مثيلاتها في البلاد المجاورة.. تتكفل الحكومة النرويجية بدفع رواتب للذين حصلوا على الإقامة تكفي لدفع تكاليف السكن والطعام والملبس والعلاج.. كما يتميز الشعب النرويجي بأنه شعب لطيف، ولا تشعر بينهم بالتمييز، أو الاهانة.

يعيب النرويج أن الحياة الاجتماعية ضعيفة وتختلف بشكل كبير عن حياة المهاجرين العرب الاجتماعية المنفتحة والمميزة جدًا في هذا الجانب. صعوبة الحياة الاجتماعية وصعوبة تكوين صداقات بين المهاجرين وبعضًا من الشعب النرويجي.. أعطت مساحة كبيرة لسوء الفهم وتكوين انطباعًا خاطئًا عن الشعب النرويجي، وأنهم إلى حد ما عنصريون. خلق هذا الانطباع والفهم الخاطئ غضب وسخط بشكل عام بين البعض.. وأشعل رغبة في الانتقال مرة أخرى خارج النرويج بعد الحصول على الجنسية، وادخار بعض الأموال وبدء حياة جديدة في إحدى الدول الأخرى.

وبطبيعة الإنسان فإنه كائن اجتماعي ولا يستطيع العيش منفردًا فظهرت الصداقات سريعًا بين المهاجرين وتكونت علاقات جيدة بين الأفراد والعائلات.. وسريعًا أيضًا ظهرت الخلافات الحادة بين المهاجرين العرب تكاد تلامسها وتشعر بها من أول يوم تنتقل فيه إلى النرويج، وهي أحيانًا خلافات علنية، وأحيانًا مخفية تنتقل همسًا.. فعلي أنفاس الأرجيلة ولعب الورق تنتشر بين البعض ثقافة الغيبة والنميمة والتحدث في الظهر والطعن في الأعراض ونقد بعض التصرفات التي يفعلها الآخرون، ووصفها بأنها انحلال وفجور. وفي بعض الأحيان توجيه الاتهام بالكفر والإلحاد.. نسي البعض أن الثقافة العربية دائمًا تحذر من خلق النميمة السيئ، وتعتبره دليلًا على نتن الأصل.. وفساد الطبع.. وخبث النشأة.

ظهرت التصنيفات بشكل حاد جدًا والحكم على الأشخاص لمجرد خلفيتهم الطائفية أو العرقية أو السياسية أو حتى لمجرد أنه من جنسية مختلفة.. ارتفعت أصوات الأنا والنعرات الطائفية، وظهرت المشاكل التي كانت سببًا في دمار جزء كبير من دول العالم العربي.. لا يبالي هؤلاء الأشخاص بالتأثير النفسي لتلك الأحاديث على الأشخاص المستهدفين، ولا ينتبه هؤلاء على تأثير ذلك على أطفالهم الذين قد يكونون إلى جوارهم يلعبون ويستمتعون.. ويتعلمون من هذه الأحاديث تلك الثقافة السيئة.

نقل بعض المهاجرين العرب ثقافة مريعة في تربية الأطفال.. فأبسط طريقة ينتهجها البعض هي تقويم وتربية الأطفال عن طريق الضرب والاعتداء اللفظي.. مما يمنح فرصة لمنظمة حماية الطفل في النرويج انتزاع بعض الأطفال من الأسر العربية.. بعد الفشل في الوصول إلى حلول ولمحاولة إنقاذ هؤلاء الأطفال من براثن تلك الأم، وذلك الأب العنيف الذي لا يعرف كيفية تربية طفلة بشكل حضارى تسود فية لغة الحوار والإقناع والتفاهم فوق ثقافة العنف والضرب والإهانة التي تربي عليها معظم أفراد مجتماعاتنا العربية.

إن محاولة إقناع بعض الآباء من المهاجرين العرب أن العنف ليس وسيلة لتقويم الأبناء هو درب من الدروب الصعبة فقد نشأ معظم العرب تحت ظل أنظمة قمعية.. لا تفكر.. لا تقدر.. بل تذبح.. تستأصل.. وتقتل فقط.. من أجل السيطرة على الشعوب.

بعض الأسر العربية لا تجد طريقة للتقويم غير العنف والتعنيف.. والرد الطبيعي من أي أب ينتهج هذا الأسلوب الخاطئ هو: هل تريد ابنتي أن تصبح مثل هؤلاء النرويجيات تشرب الخمر وتصادق الرجال وتسهر في البارات، ولا تلتزم بالعادات والتقاليد؟ البعض لا يستطيع أن يفهم طبيعية الاختلاف بين المجتمعات، وأن ما يعد ممنوعًا في بلادنا قد يكون عند الآخرين شيء طبيعي.. يجب أن نفهم أن ثقافة المجتمع النرويجي والأوروبي بشكل عام مختلفة عن ثقافة المجتمع العربى الذي لا يسمح بشرب الخمر على الإطلاق أو ممارسة الجنس، إلا في إطار الزواج وأن هناك بعض النرويجين أيضًا لا يمارسون الجنس إلا في إطار الزواج.. يجب علينا كعرب أن نفهم اختلاف الثقافتين طالما اخترنا بإرادتنا الحرة أن ننتقل ونعيش في المجتمع النرويجي.. فليس كل امرأة نرويجية تصادق الرجال أو تشرب الخمر هي عاهرة.. لا يجب أن ننظر للمرأة النرويجية ونحكم عليها من منظور الثقافة العربية الضيق.

يجب أن يكون هناك حوار بين الأب والأم والأبناء.. نقاش حول الفروق بين العادات والتقاليد بشكل منفتح وتجنب التعامل بالعنف مع الأطفال والشباب فالعنف ليس طريقه مناسبة للتربية يجب أن يتعلم المهاجرين العرب أن الأبوة الحقيقة ليست امتيازًا.. ولكنها وظيفة.. ليست سلطة.. ولكنها مسؤولية.. وأن الأب الذي ينجب ابنه من أجل أن يمارس سلطته عليه هو في الحقيقة يطلب ثمنًا عاجلًا ونقدًا لأبوته.. يجب أن نتعلم أن نرعي الطفل بدلًا عن تدليله.. وأن نفهم الشباب بدلًا عن أن نسحقهم.. يجب أن يدرك الآباء أن الطاعة العمياء إذا كانت لحسابهم اليوم.. فإنها يمكن أن تكون ضدهم غدًا.

القانون النرويجي صارم جدًا في صون حقوق الطفل ورعايته.. الكثير من المعلومات والإرشادات عن حقوق الطفل تدرس في المدارس النرويجية.. وبمرور الوقت وانتقال الأطفال إلى مرحلة الشباب.. يصبحون أكثر وعيًا وأكثر رغبة في التخلص من تلك السلطة الأبوية التي يعيشون معها تحت سقف واحد.. الشباب العربي يعيش في صراع حضاري حاد جدًا بين الالتزام بالعادات والتقاليد العربية وبين ثقافة الانفتاح والحرية المطلقة التي يرونها أمامهم بشكل يومي.. صراع بين سلطة الأب والرغبة في الاندماج في المجتمع بكل تفاصيله.. صراع نفسي كبير جدًا.

ينجح بعض الشباب في تحقيق بعض التوازن بين الثقافتين… بينما يتعرض آخرون للسقوط بشكل خاطئ.. وأحيانًا يتورطون في إدمان المخدرات وأمور أخرى تؤهلهم مستقبلًا للانخراط في أعمال إجرامية مثل تجارة المخدرات والعنف وغيرها من الأنشطة الإجرامية التي تنتظر الأجيال التي تعرضت لصدمة حضارية تؤدي إلى انفصالها ورفضها رفضًا تامًا لثقافتها الأم، وكذلك رفض الالتزام بأية سلطة مجتمعية تذكرهم بتلك السلطة الأبوية التي عانوا معها خلال مرحلة الطفولة.

تظهر تقارير البوليس النرويجي الدورية تورط بعض الأطفال والشباب العربي في أعمال إجرامية تنوعت بين العنف.. المخدرات.. اعتداءات جنسية.. ومخالفات مرورية. ففي عام 2018 احتل الأطفال السوريين المرتبة الثالثة بعد الأطفال النرويجيين والصوماليين في عدد الجرائم المرتكبة للأطفال والشباب التي تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عام كذلك المرتبة الثالثة في عام 2019.

كذلك المرتبة الخامسة في عام 2018 والثالثة في عام 2019 في عدد الجرائم المرتكبة في المرحلة السنية 15 و17 عام . كذلك احتل الشباب السوري المرتبة الثالثة عام 2018 و2019 في عدد الجرائم المرتكبة في المرحلة العمرية 18 و22 عام.

لا تقتصر الانشطة الإجرامية على بعض الأطفال والشباب العربي.. فعلى الرغم من حصول المهاجرين العرب على مساعدات تغطي التكاليف والاحتياجات الأساسية، إلا أن بعض المهاجرين العرب انخرط بشكل كبير في تجارة السجائر المهربة والمخدرات بهدف الحصول على أرباح ضخمة وسريعة من وراء تلك التجارة. فيلجأ البعض للتهريب أو التعامل مع مهربين من دول أخرى.. فلك أن تتخيل أن حاوية واحدة من السجائر التي يتم شراؤها مقابل ما يتراوح بين 50 و150 الف يورو يمكن بيعها بمبلغ يصل إلى 1.5.

مليون يورو بحسب «دويتش فيلا».

تستطيع أن تجد هؤلاء التجار بسهولة دون الحاجة إلى البحث كثيرًا فبمجرد تواجدك في إحدى جلسات الأرجيلة داخل أحد البيوت العربية يتم تداول المعلومات عن الأشخاص الذين يتاجرون في كل أنواع الدخان، بل أيضًا تستطيع أن تجد بعض الإعلانات على بعض صفحات «فيسبوك» عن تواجد مختلف أنواع الدخان معروضة للبيع.

أعتقد أن البوليس النرويجي ضعيف جدًا في ملاحقة هؤلاء التجار ويأخذون وقتًا طويلًا في التحري عن هؤلاء التجار.

ربما من الحكمة أن يكون هناك دور فعال للمساجد في النرويج في توعية الجالية العربية وتذكيرهم. من خلال خطب الجمعة عن حرمة هذه التجارة، وبيان خطرها على المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد