انطلاقًا من أن تقدم أي أمة من الأمم في النشاط العلمي، لا يكون إلا بلغة هذه الأمة – فلن تنهض أمة يرتبط قدرها بأمم أخرى – ومن ضرورة الاعتزاز بهويتنا العربية وتسجيل مجهود أبنائنا في البحث العلمي في منصات عربية بأدوات دولية.

لقد بات أمرًا ضروريًا وجودُ جهة علمية تتولى تصنيف ووضع معايير للحكم على الإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية أسوة بمعامل التأثير العالمي الذي يقتصر على أوعية النشر المنشورة باللغة الإنجليزية دون العربية من خلال إنشاء وحدة لعدد من المؤشرات الإحصائية ودراسات تحليل الاستشهادات المرجعية Citation Analysis للدوريات العلمية الصادرة باللغة العربية أسوة بقريناتها الأجنبية ونشر التقارير السنوية التي يمكن اعتمادها لمكافأة الباحثين وتقييم المؤسسات العلمية والتعليمية والبحثية وفق إنتاجية العاملين بها ونسبة الاستشهاد بأعمالهم المنشورة على المستويين العالمي والعربي، وهو ما عرف بمعامل التأثير العربي، باعتباره منصة عالمية لتصنيف وتقييم المجلات المحكمة التي تنشر باللغة العربية.

وأخذًا بالحكمة المستبشرة (لا تلعن الظلام وأوقد شمعة) نستحث مؤسساتنا الوطنية بضرورة وضع معامل تأثير عربي يكون منارة لصناع القرار والمعنيين باستراتيجيات البحث العلمي في أوطاننا العربية عبر ما يوضحه من تقرير مهني دوري عن جودة المجلات الناطقة بالحرف العربي، وتصنيف الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا يساورنا أدنى شك في أن عددًا من تلك المؤسسات يترقب عن كثب ميلاد هذا الحدث العلمي المأمول.

ويقف وراء الدعوة إلى وجود معامل تأثير عربى للمجلات والبحوث المنشورة باللغة العربية مبررات عديدة من أبرزها:

– افتقار المجلات التي تنشر باللغة العربية، وغالبيتها العظمى تنتمي للحقول الاجتماعية والتربوية والإنسانيات، لجهة تصنيفية موحدة لتحديد معاملات تأثير لها، والذي يعد من أهم مشاكل المحتوى العربي المنشور.

– الحاجة الملحة إلى تعزيز مكانة اللغة العربية، والمساهمة في خدمة المؤسسات البحثية والمراكز، والمجالس، والهيئات العلمية والعربية، والدولية، التي تفتقد حاليًا للآليات الموضوعية اللازمة لتقويم الأبحاث والأوراق العلمية المنشورة باللغة العربية.

– تأكيد أهمية الاعتزاز بهويتنا العربية وتسجيل مجهود الباحثين في الوطن العربي في محتوى عربي يعود على أمتنا العربية بالنفع، وحان الوقت أن ندعم النشر باللغة العربية إلى جانب النشر باللغة الإنجليزية، فمعامل التأثير العربي منصة عربية بأدوات عالمية لنشر أبحاث علمية رصينة بلغة المنطقة.

– تشجيع العلماء والباحثين على خوض غمار البحوث ذات الصبغة المحلية والإقليمية، والتي ربما لا تروق للدوريات الإنجليزية عالية التأثير، بما أخرج كثيرًا من العلماء عن خدمة القضايا العلمية الوطنية لبلادهم.

– إن وجود تلك الجهة التقييمية «معامل التأثير العربي» سينتج عنه إمكانية تصنيفه للدوريات، والمجلات العربية، ذلك التصنيف الذي سيؤثر على اعتبارها حجة قوية داعمة في منح الدرجات العلمية عند ترقية أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية، بناء على نشر بحوثهم في الدوريات ذات التصنيفات المعتمدة من قبلها.

– الاستجابة لتطلعات الباحثين والمؤسسات الأكاديمية والبحثية عبر العالم الرامية إلى وجود جهود علمية وتقنية تستهدف إدراج وتصنيف الإنتاج العلمي المنشور باللغة العربية، لا سيما في ظل الفراغ الناشئ عن عدم وجود مبادرات عربية أو أجنبية في هذا المجال.

– الإسهام في دعم المحتوى العربي على الإنترنت، بما يستجيب للمبادرات الداعية لإثراء المحتوى العربي على الإنترنت، إلى جانب دور هذه المبادرات في دعم صناعة البرمجيات التي تدعم اللغة العربية.

– رفع كفاءة الأبحاث المكتوبة باللغة العربية، وما يتصل بها من علوم، حيث سيعمل المشروع على تصنيف المجلات العلمية بناء على معاملات تأثيرها Impact Factors في الإنتاج العلمي في التخصص، إلى جانب تصنيف الباحثين بحسب تأثير إنتاجهم العلمي في الإنتاج العلمي للباحثين الآخرين.

– إن الباحثين العرب خاصة فى العلوم الاجتماعية والإنسانية بغض النظر عن تخصصاتهم، يفضلون استخدام اللغة العربية لغةً للبحث أكثر من اللغات الأجنبية مجتمعة، وأهمية ذلك تكمن في توجه الباحثين العرب إلى جمهور القراء العرب لبث أفكارهم العلمية ونشر إنتاجهم الفكري، على اعتبار أن المجتمع العربي وجمهور القراء العرب ليسوا في حاجة إلى بث أفكارهم العلمية ونشر إنتاجهم الفكري من المجتمعات الغربية، كما أن الموضوعات التي يعالجونها في بحوثهم تهم القارئ العربي وليس الأجنبي.

انطلاقًا من كل ما سبق عن أهمية معامل التأثير العربي فإنه ولأسباب مختلفة، ومن عدم وجود اهتمام عالمي بحساب معاملات التأثير للمجلات العربية، وعدم وجود مؤشرات دقيقة ومنهجية على مدى جودة النشاط العلمي العربي؛ جاء الاهتمام بالسعي لتوفير «معامل التأثير العربي»، ليكون معاملًا خاصًا بالمجلات العربية دون غيرها، كرد فعل طبيعي للاحتكار الذي تفرضه تومسون رويترز على تصنيف المجلات والدوريات، وحرمان المجلات العربية من هذا الحق.

ففي العام 2007 فكرنا في إقامة (معامل التأثير العربي للمجلات والأبحاث) بذرنا نبات المشروع في البحرين وأنبت ثمرته في القاهرة وشارك الفكرة زملاء لنا في السعودية والكويت والإمارات والجزائر وتونس والأردن ولبنان، وأيدنا العلماء من المحيط إلى الخليج وبارك اتحاد الجامعات العربية المشروع؛ وبالتعاون مع بعض أبرز المؤسسات العلمية والبحثية الرصينة في العالم العربي وخارجه.

ويهدف مشروع إعداد معامل التأثير العربي إلى خدمة المجتمع العلمي العربي ومؤسساته وباحثيه. ويعتزم الحرص على إصدار تقرير بمعامل التأثير العربي، بناء على الإجراء السابق، بصورة دورية، وقد تم مؤخرًا نشر تقرير معامل التأثير العربي لعام 2015 في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2015م ونشر الثاني في 15 أكتوبر 2016م والتقرير الثالث في 15 أكتوبر 2017م ويحتوي على عدد 167 مجلة تصدر باللغة العربية من مجمل 247 مجلة تقدموا للحصول على معامل التأثير العربي خلال عام 2017م.

ونتبع المعايير المتعارف عليها في المجتمعات العلمية، في فحص مدى إدراج المجلات المتخصصة كوثائق مصدرية؛ وذلك مثل توافر هيئة للتحرير بتلك المجلات، والنص بوضوح على خضوع مقالاتها للتحكيم العلمي، وانتظام صدورها، والتزامها على وجه العموم بأخلاقيات وأعراف النشر العلمي. ويقوم على النظر في المجلات العربية على ضوء تلك المعايير، نخبة من العلماء والباحثين المتخصصين في المجالات العلمية المختلفة.

ويتم إجراء التقييم من خلال تحليل عوامل متعددة، مثل استعراض عدد الاستشهادات بالبحوث المنشورة في هذه المجلات من قِبل المجلات الأخرى، والأصالة والجودة العلمية للبحوث المنشورة، والجودة التقنية لهيئة التحرير، ونوعية التحرير، وانتظام صدور المجلات، ونظام تحكيم البحوث فيها، فضلًا عن الالتزام بأخلاقيات البحث والنشر العلميين.

وقد وضع المشروع مجموعة من الشروط لاختيار المجلة لتكون ضمن مقتنياتها فيما يلي:

1) أن يكون للمجلة رقم تصنيف دولي للنسخة الورقية وآخر للنسخة الإلكترونية.

2) أن يكون للمجلة موقع إلكتروني يحتوي على جميع المعلومات.

3) أن تصدر بشكل منتظم.

4) أن تكون هيئة التحرير من الأساتذة المشهود لهم علميًّا.

5) أن تكون البحوث موزعة جغرافيًّا.

6) أن يحتوي الموقع على قواعد النشر وأخلاقيات النشر وقواعد الملكية الفكرية.

7) الالتزام بمواعيد النشر المعلنة لكل عدد.

8) الالتزام بقواعد تعيين أعضاء هيئة التحرير.

9) الاهتمام بالدقة اللغوية.

وقد حدد القائمون على إعداد مشروع معامل التأثير العربي أهميته في الجوانب التالية:

1) تعريف الباحثين العرب بأبرز المجلات العلمية في تخصصاتهم الموضوعية، وفقًا لمعامل التأثير؛ بما يتيح الفرصة لهم للنشر في تلك المجلات البارزة.

2) مساعدة الهيئات العربية لمنح الجوائز في العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية وأيضًا لجان الترقية العلمية في الجامعات العربية على الكشف عن أبرز المجلات العربية في تخصصاتها العلمية، والكشف عن معامل التأثير الفعلي لكل مجلة من هذه المجلات ومعامل التأثير للباحثين العرب.

3) تعريف دور النشر العربية القائمة على إصدار المجلات العلمية، بمدى تأثير تلك المجلات في تخصصاتها الموضوعية؛ وبما يتيح الفرصة لهم للارتقاء بمستوى تلك المجلات.

4) تعريف الباحثين العرب بمدى تأثيرهم العلمي من خلال الإشارات المرجعية إلى دراساتهم المنشورة في المجلات المتخصصة العربية الرصينة.

5) التعرف على أكثر المدارس العلمية العربية حظوة بالاستشهادات المرجعية، ومن ثم أبرزها في تخصصاتها العلمية.

6) الكشف عن أكثر المؤسسات العلمية والبحثية بروزًا وتأثيرًا في تخصصاتها العلمية، من خلال الإشارات المرجعية إلى أعمال منسوبيها من الباحثين.

7) الكشف عن طبوغرافية البحث العلمي العربي على العموم، في جميع تخصصات المعرفة البشرية.

الكشف عن العلاقات العلمية فيما بين المجلات العربية وبعضها البعض، والتخصصات العلمية، والدول العربية ناشرة تلك المجلات وبعضها البعض؛ وذلك عن طريق أسلوب تبادل الاستشهاد المرجعي Inter-citation.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد