عن التحديات والعقبات

يوضح علي شريعتي في كتابه «مسؤولية المثقف» أنه ليس كل من قام بعمل ذهني من الممكن أن يكون مثقفًا؛ لأن المثقف حسب تعريفه يزيد على ذلك بفهمه للواقع والقدرة على تحليله وإدراك معطياته، ولهذا يجب أن يكون المثقف متخصصًا في أحد العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو على الأقل يكون مطلعًا بقدر كاف على أحدها، بحيث يتمكن من استخدام فرضيات هذا العلم ومنهاهجه ونظرياته، أدوات لتفنيد الواقع وفهمه.

والسؤال هنا لماذا العلوم الاجتماعية والإنسانية تحديدًا؟
والإجابة لأنها هي التي أنتجت الواقع ونتجت منه، فمثلًا من خلال دراسة الفلسفة يمكن فهم جوهر السياسة، وصلب الاقتصاد، وروح الاجتماع، وتجليات كل ذلك على واقع الحياة، والمسارات التي تسلكها، ولأنه حسب تصور الإنسان عن علاقته بالإله، والإنسان، والطبيعة تكون الهندسة والطب والعمران، وهذا التصور لا يمكن دراسته وفهمه إلا من خلال تلك العلوم، فما حدث في معسكرات الاعتقال النازية، ومعامل تحسين النسل، والتجارب الطبية التي كان يُستخدم البشر فيها مثل فئران التجارب، لا يمكن فهمها إلا بالإحاطة بالتصور العلماني العقل الأداتي، والنزعة المادية المطلقة عند النازيين.

أيضّا يوضح علي شريعتي أن الخطوة الثانية للمثقف بعد فهمه للواقع وتحليله إياه، هي الاشتباك الدائم معه، إذ إن المثقف وعلمه سيكونا عديمي القيمة، إن ظلا محبوسين في غرفة المطالعة، وأيضًا لأن الناس لن تأتي إليه راجين إياه قائلين علمنا من فضلك، فهمنا وأرشدنا، فهذا من الصعب أن يتحقق؛ لأن الناس في الغالب لا تدرك المشكلات التي هي غارقة فيها، ولا ترى الأخطار والمصائب والكوارث التي ستحيق بها عما قريب.

مجددًا المثقف هو من يدرك الواقع ويشتبك معه. ومما لا شك فيه أن مسؤولية المثقف تختلف من مجتمع لآخر، حسب التحديات ومجمل الظروف الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، وإننا حينما ننظر إلى المثقف العربي نجده في الغالب تفصله مسافات شاسعة عن الجمهور المتلقي، أو فرصة الوصول إليهم، يقف أمامها الكثير من العقبات والتحديات، منها ما يتعلق بالمثقف ذاته، ومنها ما يتعلق بالجمهور المتلقي، ومنها ما يتعلق بالدولة وسياساتها العامة، وأجهزتها الأمنية، ونود في هذا المقال أن نركز الضوء على بعض هذه التحديات والعقبات.

الدولة أولًا وأخيرًا

إننا نعاني في الوطن العربي من الاستبداد، ونحن لا نبالغ حينما نقول إن أكبر عقبة في طريق النهضة مثل الكنسية في القرون الوسطى؛ فالدولة لا تعمل لصالح الشعب، بل لصالح مالكيها من النخب السياسية والعسكرية، ولذا فهي تسرق وتنهب ولا رقيب، لذلك هي تسعي دومًا لتزييف الوعي، وصناعة الجهل عن قصد وتعمد؛ لتعمي الأبصار عن حقيقة ما تفعل، ومن هنا فهي تمتد بأذرعها لتجفف المنابع، وتكمم الأفواه التي توقظهم من سباتهم، وتضع الحقيقة أمام أعينهم كما هي، فمعظم أساتذة الجامعات، علماء الدين، المثقفين البعيدين عن دائرة التوظيف الحكومي، الكل تحت قبضتها ولا يتعدى المساحات التي تحددها هي، وهذا ما ينتج خطابًا عقيمًا يخدم أهدافها.

إضافة إلى أن الدولة ذاتها تسببت في الكثير من المشكلات، وهي لا تريد أن تقدم حلولًا لها، ولا تريد أن تترك المجال للشعب ليبحث هو عن حلول، فمن يغرد خارج السرب مصيره مقرر سلفًا. ولهذا فالمساحات التي يتحرك فيها المثقف محدودة جدًّا وضيقة جدًّا، كما أنها تتلاشى وتتقلص بمرور الوقت، الأمر الذي يتطلب من المثقف مرونة كبيرة وعملًا منظمًا جدًّا، وإدراك كيفية التعامل مع هذه المساحات والاستفادة منها، والتكيف الكبير مع الظروف المتغيرة باستراتيجيات تناسبها ليؤدي في النهاية دوره.

طبيعة المشكلة ذاتها

نحن نعاني في الشرق من سيولة الداخل وتفككه، ومن هشاشة الأفكار المسيطرة وانحرافها وسلطتها على العقول والفكر السائد، فلم يبالغ مالك بن نبي في طرحه، إذ حدد المشكلة الأسياسية في الشرق بأنها في عالم أفكاره، بما فيه من مغالطات منطقية، وخرافات، وأساطير وتصورات خاطئة، وهذا ما يجعل المثقف يتعامل مع مشكلة خطيرة؛ لأن هدفه الأول صناعة الوعي بإحداث هزات عنيفة لعالم الأفكار المهترئ، ولإعادة ترميمه، وتشييد بديل صحيح منظم؛ لأن هناك فرقًا بين النهضة بوصفها بعض الإنشاءات والإصلاحات، وبين الحضارة التي تقوم على الوعي وترسخ المفاهيم عند الكل بصورة صحيحة.

المشكلة أن الناس تكفهر وجوههم، وتبدو عليها الدهشة إضافة للصداع الذي يملأ رؤوسهم، حينما يكون الحديث عن عالم الأفكار وما به من عطب، إنهم يؤمنون بلا جدوى هذا الحديث، وأنه لن يقدم شيئًا، بل بعضهم يتأفف، ويرى أن هذا الطرح ليس إلا علامة على الإفلاس، وقلة الحيلة والعجز التام، فعموم الناس في الغالب تريد النتائج السريعة الفورية التي لا تتطلب جهدًا، ولا تستغرق وقتًا دون كلام يصدع الرأس، وبلا إدراك؛ لأن صناعة الوعي تحتاج إلى النفس الطويل، والتغيرات في ظل هذا الواقع المعقد تحتاج للعمل المنظم الشاق المستمر.

وهذا ما يحتم على المثقف أن ينبه دائمًا على أهمية التنظير والفكر والتفلسف؛ لأننا من خلاله يمكننا فهم الواقع، وإدراك المسارات التي من الممكن السير فيها للوصول إلى الواقع المطلوب، وكيفية السير ذاته والأدوات والاستراتيجيات المناسبة التي من الممكن استخدامها.

أنصاف المتعلمين والجهل المركب

يخبرني صديقي بأنه في العادة يشغل بعض اجتماعات العائلة بالحديث مثلًا عن الرأسمالية وتجلياتها في المجتمع، وكيف تجبرنا على بعض السلوكيات، طبعًا بطريقة مبسطة تناسبهم جدًّا، لا يفعل ذلك إلا من باب المدافعة والتحريك للمياه الراكدة، لكن في الغالب تبوء كل هذه النقاشات بالفشل وباللاجدوى؛ لأن بعض الناس ببساطة لا تريد أن تفهم، لا تريد ان تسمع، باختصار لا تريد أن تشعر بأن هناك أحدًا أفضل منها، أو يفهم شيئًا لا يفهمونه، أو يتحدث في موضوع لا تستطيع مسايرته فيه؛ لذلك فهم يتخذون الموقف الدافعي الذي يرفع الحرج عنهم، بأنهم مثلًا يعلمون أشياء لا يعلمها هو، وأنه جاهل بالكثير من الأمور الأخرى، وأنه مقصر في الكثير من جوانب حياته، وهكذا يضيع أصل الموضوع، وتأخذ الجلسة مسارًا آخر، رغم أن نية المتحدث لا يشوبها كل ذلك.

في الحقيقة فهذا الأمر لا يقتصر على أهل صديقي فقط، بل إنه يشمل الكثير من الناس، خصوصا أنصاف المتعلمين= المتعالمين، أو من يشعرون بأنهم على دراية تامة بكافة الأمور والمجالات، يشعرون بذلك حتى لو كانوا جهلاء حرفيًّا بهذه الأمور، لكنهم يكابرون ويعاندون فقط لأنهم لا يريدون أن يشعروا بأن أحدًا أفضل منهم.

وهذا تحد كبير يواجه المثقف، حتى حينما يتعامل مع الناس ببساطة وأريحية، وبلا تكلف أو اصطناع؛ لأنه في الحقيقة ليس هناك من هو أفضل من الآخر.

من الطرح الأكاديمي إلى هموم الواقع المعاش

1. في الغالب لا يصنع الوعي إلا من خلال الشعبيين الذين يتحدثون بلغة الناس ومفرداتهم، أو من خلال السينما والدراما والرسائل الخفية التي تملؤها، والتي تؤدي دورها بكفاءة عالية مع مرور الوقت، ولهذا يجب على المثقف أن ينزل بخطابه من الطرح الأكاديمي والمصطلحات العلمية واللغة المقعرة، التي لا يفهمها إلا المتخصصون، إلى هموم الواقع المعاش وإلى المشكلات التي تشغل الناس فعلًا وتؤرقهم، هذا بالتوازي مع الترميم الدائم للأفكار، بحيث لا يتعارض أحدهما مع الآخر، وحيث يشعر الجميع أنه لا انفصال أو تعارض بينهما.
وهذه بلا شك معادلة صعبة أن تحدث مع الناس بأسلوب علمي منضبط، وبطريقة سلسلة بسيطة يفهمها الجميع، أن تقف في المنتصف تمامًا بين التقعر والتسطيح.

كل هذه عقبات تقف في طريق المثقف وتعوقه عن أداء رسالته، لكن نعود ونقول بأن مهمة المثقف هي تحليل الواقع الذي تشكل هذه العقبات بعض مكوناته، وأنه بكم الجهد المبذول ستكون النتيجة؛ فالرهان دومًا على سياسة النفس الطويل والمرونة في الأداء، وصناعة الوعي الذي يومًا ما سيكون له وزن نوعي وأثر في الواقع. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد