لو قمنا بعمل تجربة اجتماعية فئتها المستهدفة الشارع العربي وموضوع دراستها: أكثر ما يميز منطقتنا العربية؟ لوجدنا أن معظم الإجابات سوف تتحدث عن الأزمات والحروب والنزاعات الطائفية والنفط والأنظمة الديكتاتورية وغيرها من الأحداث الساخنة التي تتميز بها منقطتنا بالفعل. ولكنني لست بصدد إجراء دراسة اجتماعية، ولن أعكس هنا هواجس أو آراء فئة مستهدفة من الشارع العربي، فعندما جلست أمام شاشة الحاسوب كان يجول في ذهني هاجس واحد ما زال يتنامي مذ أن بدأت بمتابعة الأخبار الفنية والثقافية في العالم العربي، كنت صغيرة آنذاك عندما زرعت بذرة الشك الأولى، فكنت أتابع اللقاءات أو أقرأ المقالات والأخبار في ظل شعور لم أتمكن من ترجمته إلى كلمات، كنت كلما شاهدت كاتبًا أو مثقفًا أو فنانًا من أي نوع ألمح تلك الهالة التي توحي بالغطرسة والغرور، بالطبع لم أكن ولا أدعي أنني الآن خبيرة بلغة الجسد، ولكن حركاتهم أيضًا كانت توحي لي بوجود خطأ ما.

عندما كبرت بدأ هاجسي يكبر معي خاصة بعد الاضطلاع والقراءة أكثر، وأصبحت كلمة مثقف تخيفني، بل تثير نفوري أحيانًا، وأذكر أيضًا أنني شعرت بالإهانة في إحدى المرات عندما أطلقت علي صديقتي لقب مثقفة الجلسة، فقد اقترنت لفظة المثقف بالغرور والنرجسية والثقة العمياء بالنفس، حتى أني وصل بي الحال إلى وصف أي مثقف بالسنبلة الفارغة تأثرأ ببيت الشعر القائل: ملأى السنابل تنحني بتواضع  …  والفارغات رؤوسهن شوامخ.

أما الآن فيمكنني أن أقول بأنني قد وصلت إلى نوع من التسوية والمصالحة مع هذا المصطلح، فأصبحت أفرق بين المثقف الحقيقي والمثقف الخدعة، وهنا بالطبع سوف أتحدث عن الصنف الثاني نظرًا لكثرته وانتشاره في منطقتنا العربية، فبالعودة إلى نقطة البداية أعتقد أن أكثر ما يميز المنطقة العربية هو كثرة المثقفين المزيفين الذين يمكن طيهم تحت مظلة السنابل الفارغة، رغم حصولهم على أعلى الشهادات الجامعية، ونشرهم عشرات الكتب والدراسات والأبحاث، إلا أنهم حقيقة يعانون من فراغ إنساني وحضاري يحرمهم من اللذات التي يستمتع بها المثقف الحقيقي نتيجة ارتباطه ببيئته، وعدم انفصاله عن حضارته وثقافته التي أسهمت في تكوين هويته، ونظرًا لتواضعه وقربه من هموم الناس ومحاولته التعبير عنهم وإيصال صوتهم إلى العالم.

إن أكثر ما يثير رغبتي في الضحك من هؤلاء المدعين هو جهلهم الواضح في بعض الأمور البسيطة، مثلًا الفرق بين النقد والتهجم، فنرى مثقفًا أو كاتبًا يمسك شخصية تاريخية أو دينية ويبدأ بكيل الشتائم والإهانات لها؛ ظنًا منه أنه يمارس حقه في النقد، أو نجد باحثًا تاريخيًا أو دينيًا يحلل مسألة اختلف عليها مئات العلماء من قبله ويدّعي أنه توصل إلى الجواب الأمثل والأصح لها، بالإضافة إلى اللقاءات الإعلامية أو المناظرات التي تبدأ باستضافة سعادة الدكتور وحضرة الأستاذ وتنتهي بالشتم والركل والضرب وحتى إشهار السلاح على الهواء.

ثم يخرج الضيوف الكرام في اليوم التالي على قناة أخرى ليعبروا عن آرائهم ويتحدثوا عن أعمالهم الأدبية والثقافية، دون خجل أو مداراة، وهو دليل كافٍ بالنسبة لي على أن ما يصدر عن هؤلاء ليس زلة لسان أو انفعال طارئ أو اندماج في اللحظة، بل هو أول أو أبرز أعراض مرض جنون العظمة، فهم يعتقدون أن ما صدر منهم لا يعيبهم ولا ينقص من هيبتهم ومكانتهم في المجتمع الثقافي، لذا يخرجون مرارًا وتكرارًا ليتحدثوا ويصرحوا ويناقشوا ويحللوا وكأنهم يملكون مفاتح المعرفة والرأي السليم، أما إذا تجرأ أحدنا من العامة على النقد والمعارضة، فالويل لنا، تبدأ ساعتها ديباجة القذافي: من أنتم؟ كيف تجرؤون على الوقوف في وجهي؟ أنا المثقف والكاتب والمحلل والدكتور وصاحب الفكر السديد، من تسوّل له نفسه على نقد رأيي أو رفض فكري؟

إذا كان مثقفونا الذين يقع على عاتقهم جزء كبير من مسؤولية النهوض بالأمة واللحاق بالركب الحضاري الإنساني، إذا كان هؤلاء، وهم كثر، الآن يمارسون دور الفرعون في المحافل الأدبية والثقافية والإعلامية، فكيف لنا أن نعتب على السياسيين الملوثين أصلًا بالفكر السلطوي، كيف لنا أن نتمنى الإصلاح السياسي في الوقت الذي فقدنا فيه من كان يفترض بهم أن يكونوا رواد الحركة الإنسانية في مجتمعاتنا؟

إنّ العمل على تقويم مجتمعاتنا ينبغي أن يبدأ بمثقفينا، أو بالأحرى من يرغبون بخوض غمار الثقافة، ينبغي أن نعيد ترتيب التربية الثقافية في هذا الجيل والأجيال القادمة ونذكرهم أن هذه المهمة ما هي إلا تكليف سوف يوضع أصحابها على منصة المساءلة أمام مجتمعاتهم، وأمام من سبقهم من أهل العلم والمعرفة، وأمام الله خالق وصاحب تلك المعارف التي يتبجح البشر بفخر اكتشافها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد