كتب جيسون كولافيتور كتاب بعنوان فاوست سنة 1587، هو كتاب يحكي عن شخصية فاوست الأسطورية التي اتسمت بالنباهة والذكاء رغم فقر ولديه، الشيء الذي جعل عمه يتبناه حيث أدخله الجامعة كي يدرس اللاهوت وبعدما أنهى دراساته اللاهوتية انكب على دراسة العلوم والرياضيات والكمياء وبعدها اتجه إلى دراسة كتب السحر والتنجيم واستحضار الأرواح واستخرج عدة أدوية شافية من الجذور والأعشاب، وأقدم على استحضار روح أحد الشياطين السبعة في القرون الوسط، وقع معه عقدًا بدمه يقوم الشيطان بموجبه بتلبية كافة طلباته وتحقيق طموحه العلمي مقابل أن يهبه فاوست روحه بعد 24 عامًا.

قام فاوست بإنجازات باهرة، وروى ظمأه للعلم والمعرفة، وعندما حانت الساعة وأتى الشيطان ليأخذ روحه، حاول عبثا أن يتفادى تلك النهاية المأساوية، ولم يشفع له الندم والبكاء، فقتله الشيطان، وشوه جسده بطريقة تقشعر لها الأبدان.

هناك قانون مفاده أن الأفكار مهما كانت، تجد موقعها في البنى الاجتماعية التي تشمل جملة من الفئات، يمكننا أن نقسمها إلى فئة تمارس السلطة وفئة خاضعة لهذه السلطة؛ ولأن المثقف العربي جزء من البنية الاجتماعية العربية التي ينتمي إليها، هذه البنية التي عرفت وتعرف جملة من المتغيرات السياسية والاجتماعية، فرضت عليه أن يتموقع، ومن نطرح مجموعة من الإشكالات اهمها ما دور المثقف العربي في الصراعات التي عرفها العالم العربي؟ هل يمتلك المثقف العربي سلطة؟ واذا كان يملكها ما طبيعية هذه السلطة؟ ما علاقة سلطة المثقف بالسلطة السياسية؟

إن كل ما يمتلكه المثقف العربي هو موقفه؛ فموقف المثقف هو رأس ماله الخاص الذي يمكن أن يعبر من خلاله عن رفض لما هو كائن في بعض المجتمعات العربية، لدفاع عن ما يجب أن يكون لكن ما المقصود بما هو كائن؟

والمقصود بما هو كائن هو غياب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، هو اتساع رقعة الجهل والتزمت والدوجمائية والأفكار الجامدة، لهذه الأسباب نهضت الشعوب في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من نومها العميق لرفض ما هو كائن، لكن لم تنهض إلا بعد أن انتقل وعيها الحسي إلى المستوى الإدراك، حيت أدركت حقيقة أنها من حقها أن تعيش ومن حقها تحلم بما يجب أن يكون.

الأمل بما يجب أن يكون مكتسب حققته الشعوب العربية خلال صراعها ضد الاستبداد والقهر، أمل العيش بحرية وكرامة، أمل التعايش بين مختلف الطوائف والأعراق والديانات أمل العدالة الاجتماعية أمل العلم والأنوار أمل احترام إنسانية الإنسان هذا هو ما يجب أن يكون.

على المثقف أن يأخذ لنفسه موقع بين الموقعين؛ أما موقع انتقاد ما هو كائن وبالتالي الارتكان إلى الثبات والمطلق الذي يلفه الجهل والقهر والتزمت والدوجمائية، وإما أن يأخذ لنفسه موقع المدافع على ما يجب أن يكون، بالتالي أن ينشد التغير والتطور والارتقاء الذي تلفه الحرية والكرامة والحب والأنوار، هكذا صار المثقف العربي في مأزق ثقافته، عليه أن يتموقع في أحد الموقعين.

سبق لغرامشي أن بين أن الذين يقومون بوظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع يمكن تقسيمهم إلى نوعين:الأول؛ يضم المثقفين التقليديين مثل المعلمين والكهنة والإداريين، وهم الذين يستمرون في أداء ذلك العمل نفسه جيل بعد جيل. والثاني؛ يضم من يسميهم المثقفين المنسقية، وكان غرامشي يرى أنهم يرتبطون مباشرة بالطبقات أو المشروعات التي تستخدم المثقفين في تنظيم مصالحها واكتساب المزيد من السلطة، والمزيد من الرقابة.

ويستحضر إدوارد سعيد تعريفًا آخر للمثقف الذي يقول به جوليان بندا حيث يعتبرهم عصبة ضئيلة من الملك الفلاسفة من ذوي المواهب الفائقة والأخلاق الرفيعة الذين يشكلون ضمير البشرية.

بالرجوع إلى تاريخ الإنساني نجد أن هناك الكثير النماذج التي حاول المثقف أن يأخذ موقعًا أثناء التعبير عن رأيه الشخصي فهناك من احتضنته السلطة السياسية المهيمنة وهناك من تعرض للتعذيب والنفي وصولًا إلى الإعدام.

حكم على سقراط بتناول السم نتيجة اتهامه بفساد عقول الشباب لما كان يمارس دور المثقف رغم ذلك رفض الهروب وأصر على إظهار احترام السلطة أمر يجب أن يلفت انتباهنا إلى بعد توقير السلطة واحترامها عند ذلك الفيلسوف حتى وإن تعارضت قررته مع الحقيقة كما يراها الفكر الفلسفي، لكن الإشكالية أكثر تعقيدًا حين ننتقل إلى تاريخ الفكر العربي فإننا نجد في مقابل المثقف المنتج للوعي يقف رجل السلطة القابض على زمام حركة المجتمع عن طريق التحكم في القرار التنفيذي والقدرة على استخدام ثمرة جهد المثقف وتوضيفها لتكريس سلطته وإعطائها مشروعية. هل تغير الوضع عندنا؟

أستطيع أن أقول إن ما عرفه العالم العربي في الآوانة الأخير كشف لنا الأدوار التي لعبها المثقف العربي في الصراع القائم والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أدوار أساسية:

– الدور التبريري حيث عمل بعض المثقفين على محاولة تبرير سيطرة الأنظمة المستبدة في بداية المتغيرات ودافعوا عما هو كائن وأخذوا موقعهم في الصراعات السياسية، هذا الموقف الذي أعلن عن عدائة للتغير.

– دور المنتقد للسلطة، هذا النوع من المثقفين كانوا إلى جانب شعوبهم وناشدوا التغيير وساهموا في محاولة وضع الانتفاضات الشعبية في سكتها الصحيحة وأدوا على ذلك الثمن الغالي.

– وأخيرًا موقف المدافعين على اللا-موقف ويتسم هذا الموقف بكونه اختار موقع الاستفلالية حيث لم يدافع لا على السلطة ولا على الشعب الثائر فارتكن مخافة من المستقبل، الذي جعلنا نعتبر اللا-موقف موقفًا كونه يخدم ما هو كائن أكثر ما يخدم ما يجب أن يكون في الأخير يمكنني أن اعتبره موقفًا انتهازيًا مستقل في الحرب ومنحاز للغالب في السلم.

أخيرًا يمكننا القول إن ما وصلنا إليه اليوم من النتائج السيئة في بعض المناطق ونتائج الجيدة في مناطق أخرى جعلت المثقف العربي لازال يعيش الحيرة غير المعلنة في أن يأخذ موقعه بين الموقعين. إنه مأزق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد