لم تستطع قوى البغي العالمية الحاقدة النيل من ثوابت الأمة بشكل مباشر، رغم إمكاناتها المالية والإعلامية والعسكرية الهائلة طيلة عقود طويلة. إلا أنهم قرروا أخيرًا أن يعملوا على هدم البيت من الداخل، وتوفير الكلفة الهائلة للمواجهة المباشرة عن طريق الحملات الصليبية، التي تحدث عنها رونالد ريغان عام 1981 وجورج بوش الابن عام 2003، نظرًا لتوفر العملاء الأوغاد المستعدين للعمل كمعاول هدم داخلية لإسقاط الأمة وتأخيرها عن اللحاق بركب التقدم أطول فترة ممكنة، ذلك أنها قابلة للنهوض في أي وقت تتحرر فيه من الاستعباد والظلم! فاستأجروا مجموعات من الأوغاد الرخيصين الذين يتكلمون العربية ويدينون «ظاهريًا» بدين الأمة، ليعملوا كديدان السوس لنخر الأساسات العقدية والثقافية التي قامت عليها الأمة لقرون، والتي سادت بها العالم خُلُقًا وعلمًا وقوةً، وحفظت كرامتها وكرامة كل البشر تحت لوائها ضد الاستعباد والطغيان!

والأوغاد المستأجرون هم من يسميهم أولياء نعمتهم «عملاء الاستخبارات» عن الإنجليزية intelligence agents. وهم ليسوا موظفين بشكل مباشر لدى أجهزة الاستخبارات تلك، بل يعملون في بلادهم المستهدفة كصحافيين وإعلاميين بشكل أساسي في الصحف المتنوعة ومحطات التلفزيون، كما يفترشون موقع التواصل الاجتماعي الشهير والمؤثر بقوة «تويتر»! وليس لديهم أي شعور إنساني أو سمة من سمات المروءة، بل هم مجرد «روبوتات» أي بشر آليون يُتحكم بهم عن طريق الدولار والدرهم والريال والحقد الدفين وربما الشعور بالدونية ليس إلا!

الصحافيون والإعلاميون… لماذا؟

وهناك سببان لاستئجار الصحافيين والإعلاميين: أولهما هو إضفاء الشرعية على عملهم ليتسنى لمثل هؤلاء العمل بحرية – لما للصحافة والصحافيين من حصانة دولية– لخدمة أهداف الأجهزة المخابراتية والأنظمة القمعية. وثاني الأسباب هو تمكين هؤلاء الجواسيس من استغلال الحصانة الصحفية لتشكيل رأي عام في البلد المستهدف مغايرًا لطبيعة ذلك المجتمع الثقافية والتراثية ليسهل اختراقه وتوجيهه ومحو هويته، لتشكيلها من جديد بما يتناسب وأهداف القوى المعادية. ويسلك هؤلاء العملاء طرقًا شيطانية لتحقيق أهداف أعداء الشعوب! ولديهم الحرية والحصانة لقول الأكاذيب ونشرها كما يحلو لهم، وكما هو متفق عليه مع الجهة المخابراتية التي توظفهم، سواء أكانت هذه الجهة خارجية أم داخلية. وهنا شيء من طريقتهم في نشر الأكاذيب.

اختلاق قصصٍ وهمية

ووسيلة عمل الأوغاد العرب وغير العرب – إلا أنني هنا أتكلم عن العرب فقط – من صحافيين وإعلاميين ومحطات تلفزة هي البروباغاندا؛ أي نشر الأكاذيب بإلحاح منقطع النظير في محاولة قد لا تكون يائسة – للأسف- لكسب المزيد من الرأي العام لصالح أهدافهم في تغيير المجتمع. فتراهم يختلقون قصصًا وهمية ويفبركون لها الأسباب، ويتصنعون الحركات الجسدية body language إن كانوا على منصة تلفزيونية في محاولة لإضفاء المصداقية. قد تكون إحدى القصص المفبركة بطولة نادرة «للزعيم»، كاحتجاز قائد الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط أو البحر الأحمر أو كليهما! ويبقى المهرجون في المحطات التلفزيونية يكررونها بكل ثقة لعل الشعب يصدقها، مستغلين عدم تعليق الطرف الآخر، لأنه يعتبر مجرد الرد على كذبة لا تصدقها البهائم إهانة له، أو لأن له مصلحة في مثل هذه الأكاذيب لتقوية وإسناد هذا العميل ليحظى بشعبية أكبر ليقدم المزيد من الخدمات لأسياده! رأينا ما فعله إعلام الغرب من تكرار الحديث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي صدقها العالم ليكتشف الكذبة بعد فوات الأوان!

ومثال آخر على اختلاق القصص الوهمية هو الاختلاق الأخير لحديث زعيم خليجي ينهج نهجًا مختلفًا بعض الشيء عن نهج الآخرين. حيث تم الاختلاق عن طريق استعمال الأجهزة الإلكترونية الحديثة المتطورة لإظهار أقوال وتصريحات ذلك القائد أو الرئيس التي لم تحدث على الإطلاق! يتبعونها بزخم هائل من الأكاذيب على مدار الساعة، من قبل إعلاميين وصحافيين معروفين في «تويتر»، وفي الصحف الرسمية والمواقع الإلكترونية ومحطات التلفزة المعروفة لدى كل الناس. مهمة هؤلاء العملاء هي إلقاء التهمة فقط بشكل متكرر وممل، ولهم متابعون، معظمهم بأسماء مستعارة، ممن يثني عليهم ومعظمهم موظفون في غالبيتهم لهذه المهمة. ويستثيرون حماسة الناس بأن الوطن يتعرض لخيانة من هذا «الشقيق الأصغر»، وهم من الخبث بمكان لاستغلال هفوة أو تصريح بروتوكولي – كتهنئة زعيم لزعيم آخر بقدوم شهر رمضان أو أحد الأعياد – لتحويله إلى سياسة عامة للدولة مناوئة لإجماع الأشقاء! مما يجعل بعض الناس يصدقهم لأنه ليس لديه حيلة لفهم ما يجري!

عدم الرد على الردود

إلا أن هناك ردودًا أكثر بعددها وأقوى بوقعها تدحض ما ينشرون من أكاذيب. وبعض الردود تصفهم بأقذع الألفاظ وتتهمهم اتهامات يندى لها الجبين، ولكنهم يتحاشون الرد لأنهم ربما لا يجرؤون على قراءة الردود، أو، وهو الأصح، ليس لديهم ما يدفع تلك التهم عنهم، كما أن الرد قد يجرهم إلى نقاش مع الشرفاء لا يستطيعون مجاراته فتنكشف أكاذيبهم. وعدم حظرهم block لمن يفحمهم – إلا ما ندر- ليس لكرم أخلاقهم، ولكن للإبقاء على العدد الأكبر من المتابعين لإيصال سمومهم! فمهمتهم تنحصر في بث رسائل معينة بشكل متكرر طلبًا للتصديق وللتشويش على من يقفون على الحياد. وبعضهم يستغل حرف الدال «د» قبل اسمه لإيهام الناس بأنه من حملة الدكتوراه، والتي ترتبط هي الأخرى بالثقافة والمثقفين. ولقد رأيت أن بعض الصحافيين المخضرمين يميل لتصديقهم. ويحاول هؤلاء العملاء «شيطنة» أبناء وطنهم الذين يعارضون هجومهم الإعلامي الكاذب مستفيدين من الدعم الاستخباراتي الخارجي، وربما الداخلي في بعض الدول، كونهم صحفيين. ونلاحظ بما لا يدع مجالًا للشك أن هؤلاء الأوغاد يتحولون إلى «أولاد شوارع» لاستفزاز خصومهم:

وعبيد في تعاملهم مع أسيادهم الغربيين والصهاينة. فهذا أحدهم يقول: «لك العتبى يا نتنياهو حتى ترضى»!!!

ونلاحظ أنهم جميعًا يتحدثون عن الموضوع نفسه وبالأسلوب الهجومي نفسه، محولين الكذبة إلى إشاعة كبيرة ينشرونها بإصرار عجيب ليصدقها الناس، لا تشعر أن في وجوههم ماء لكثرة الكذب والتزوير وتكرارهما! نتذكر أن محطات التلفزة الأمريكية أعادت مشهد مهاجمة الطائرات للبرجين في 11/9 آلاف المرات خلال ذلك اليوم لتثبيت الكذبة، ونجحوا في خداع شعوبهم، ولكن هؤلاء الأوغاد لن ينجحوا! فقد أثبت العرب أنهم من أذكى الشعوب بدليل أن الغالبية الساحقة تعرف أنهم كذابون من الطراز القذر وهذا واضح من الردود وردة الفعل المستهجنة للبروباغاندا التي يطلقه عملاء الاستخبارات – أوغاد العرب! وللتذكير فقط، أن بعض هؤلاء الصحافيين ورؤساء التحرير يكتبون التاء المربوطة «هاء»، كما يكتبون همزة على (ال) التعريف في تويتر، ولكن في كتابة المقالات أو الافتتاحيات، فنرى كل شيء على ما يرام! وهنا نصان لتغريدتين لأحدهما كما كتبهما تمامًا، وهما غيض من فيض:

نأمل أن يتفهم العرب أن بلادهم في خطر، ويعملوا لدرئه بدلاً من معاونة الأعداء عليها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد