جميعنا يعلم أن القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدس عند المسلمين، يحتوي في تفاصيله على كثير من القصص. مما لا شك فيه أن أحد الأهداف الرئيسية للقصص القرآنية أن تجعلنا ننظر بعين الاعتبار لتاريخ الأمم السابقة، لعلنا نجد فيه ما يرشدنا في مسار حياتنا المركبة.

إن معرفتنا بالتاريخ تنعكس بشكل مباشر على واقعنا الذي نعيشه، فاليوم هو وليد الأمس، وهو أب الغد، ويعتمد نجاحنا في المستقبل بشكل كبير على مدى إدراكنا وفهمنا لتراثنا، واستفادتنا منه، فالتاريخ لا ينتهي كما يقول الروائي إدواردو جليانو: «التاريخ قطعًا لا يقول لك وداعًا؛ بل يقول لك: أراك لاحقًا».

ينطبق هذا الكلام على كل من الأفراد والأمم، إذ يمكننا أن نستفيد من التاريخ على المستوى الشخصي بالتعلم، أو محاكاة شخصيات عظيمة مرت بالتاريخ، أو على المستوى الأممي بمعرفة ماذا حل بالأمم السابقة، وأسباب صعودها وهبوطها. لكن بالنظر إلى كتب التاريخ الإسلامي المنشورة بالعربية، والتي تستهدف عموم الناس غير المتخصصين، نجد أن معظمها لا يتسم بالعمق اللازم من حيث النقد والتحليل؛ إذ إن معظمها يكون في صورة خبرية تطمس كثيرًا من الدروس التي يمكننا تعلمها.

بعد قراءتي لكثير من الكتب التي تتناول التاريخ الإسلامي، وأخرى تتناول التاريخ الأوروبي المسيحي وغير المسيحي، دومًا ما أجد نفسي أمام سؤال محوري، وهو لماذا أشعر بكثير من الاستفادة عندما أقرأ التاريخ الأوروبي، ولا أشعر بمثل هذا الشعور عند قراءتي للتاريخ الإسلامي؟

هل التاريخ الأوروبي أكثر ثراءً من التاريخ العربي الإسلامي؟

الإجابة في اعتقادي لا، فغالبًا ما يكون تاريخ الشعوب، والحضارات المختلفة ثريًّا بشكل أو بآخر، لكن التاريخ الأوروبي كان أكثر حظًّا من التاريخ الإسلامي، إذ قام عليه الكثير من العلماء، والكتّاب، والمفكرين فتناولوه نقدًا وتحليلًا بشكل مكثف، كما كان محظوظًا مرة ثانية لوجود نخبة قامت بنشر هذه التحليلات بشكل مبسط في كتب لعموم الناس.

سنجد كثيرًا من الكتب على سبيل المثال التي تتناول التاريخ الاجتماعي، أو التاريخ الاقتصادي وحركيته التي أدت لتطور مجتمع ما دون آخر، وفي بعض الأحيان، نفس التجارب التي تبدو إلى حد كبير متشابهة قد تؤدي لنتائج عكسية، كما يرد كثيرًا عند مقارنة التاريخ الإنجليزي بالتاريخ الفرنسي، على سبيل المثال.

كمثال بسيط ومنتشر على أهمية دراسة التاريخ من وجهات النظر المختلفة، يمكننا أن نأخذ كتاب «روح القوانين» للمفكر الفرنسى مونتسيكو، هذا الكتاب الذي أثر مباشرةً في الحياة القانونية، والسياسية الحالية في العديد من الدول، فهو الذي أسس لما نعرفه اليوم بمبدأ الفصل بين السلطات وتوزبعها: تشريعية، قضائية وتنفيذية. استمده مونتسيكوا من دراساته التفصيلية والتحليلية للإمبراطورية الرومانية التي كان مغرمًا بها، وخاصة شقها التشريعي، والذي يبدو ظاهرًا في كتابه الآخر «تأملات في تاريخ الرومان».

أما عند تناول التاريخ الإسلامي، فنجد أن الأمر نادرًا ما يتجاوز الأسلوب الخبري، وهذا ربما ما حدا بمفكر كبير كعلي عزت بيجوفينش أن تكون إحدى أمنياته أن يتعرض التاريخ الإسلامي لتلك التجارب المؤلمة التي تعرض لها التاريخ الأوروبي، وذلك لعظم المنفعة التي عادت على الأوروبيين جراء ذلك فيما بعد.

لكن يمكننا أن نلحظ بعض النقاط المضيئة في بعض طرق تناول التاريخ الإسلامي في العصر الحديث، كطريقة تناول التاريخ الإسلامي الاجتماعي في كتابات الدكتور أحمد أمين، والدكتور علي الوردي رغم الاختلاف الكبير بين المدرستين، لكن عمومًا يظل هناك نقص كبير في تناول التاريخ الإسلامي، والذي ينعكس بدوره على واقعنا من حيث عدم فهمنا الكبير لأنفسنا، ولدينامكيات صعود وهبوط تلك المناطق ذات الأغلبية السكانية المسلمة. هذا النقص الذي نتمنى أن يتم تداركه في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد