الصراع العربي الإسرائيلي: من ميونخ 1972 إلى عدسة ستيفن سبيلبرغ 2005م.

 

 

 

 

 

 

 

 

لم تمض السنوات الثلاث والثلاثون التي تفصل بيننا وبين ميونخ كاملةً، حتى أُعيد فتح الملف القديم على مصراعيه ولكن هذه المرة على طاولة السيناريو الخاصة بفيلم ضخم حمل توقيع المخرج العالمي الكبير ستيفن سبيلبرغ، وحمل كذلك اسم “Munich”.
 

 

 

 
الإنتاج الضخم تولته شركة Universal عام 2005، بميزانية تقارب الـ 70 مليون دولار، جزء من هذا المبلغ ذهب لعمليات إعادة خلق حقبة السبعينات بإتقان كبير بعدد من الدول، وجزء ذهب لتوظيف طاقم متميز من نجوم السينما الأمريكية وبعض الممثلين العرب والإسرائيليين لتجسيد شخصيات تلك الفترة، الإسرائيلية منها، والعربية والأوروبية.

 

الصراع العربي الاسرائيلي

 

 

 

 

 

يستند سيناريو الفيلم إلى كتاب صدر عام 1982 للكاتب جورج جوناس بعنوان “انتقام”، يدّعي فيه أنه يحتوي على تفاصيل مهمة حول آلية عمل الموساد، إلا أن الخطوط العريضة لـ “Munich” مبنية أساسًا على أحداث حقيقية حدثت منذ فترة ليست بعيدة، قدمها سبيلبرغ بأسلوب سينمائي عالي الحرفية، لا يترك أبدًا مساحة للملل الذي يكتسح الأفلام ذات الطابع السياسي أو التاريخي عادة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لكن في الحقيقة ليس ذلك وحده ما يجعل منه فيلمًا هامًا وواحدًا من أكثر الأفلام إثارة للجدل في بدايات الألفية الجديدة، وعملًا يستحق منا الوقوف مطولًا عنده حتى وإن مضت 10 سنوات كاملة عليه.

 

 

 

 

 

 

المقال التالي ليس مراجعةً لفيلم Munich ولا سردًا كتابيًّا لصورة الفيلم أو أحداث القصة، وإنما محاولة لفهم التقاطعات الأعمق والأكثر غنى بين الواقع والعدسة.

 

 

 

 

 

 

 

جذور تاريخية وآثار إستراتيجية:

بعد عشرات السنوات المثقلة بالصراعات والأوجاع التي عاشتها المنطقة العربية منذ بدايات القرن العشرين، هذه المرة – وربما لأول مرة- أحداث القصة ستقع بعيدًا عن المنطقة بأسرها، وذلك في مدينة ميونخ غرب ألمانيا إذ تقام دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية هناك لعام 1972.

 

 

 

ما حدث في ميونخ – تقنيًّا- كان عملية اختطاف، خططت لها ونفذتها منظمة أيلول الأسود الفلسطينية، لم تنجح العملية بتحقيق مسارها، ولكن الأمور لم تقف بعدها عند حدود ميونخ،

 

 

 

 

 

 

بل تداعت بسرعة على شكل سلسلة من العمليات الاستخباراتية والسياسية، أطلقت معها موجة من الاغتيالات والاختطافات المتبادلة، أخذت من أرجاء أوروبا والشرق الأوسط ساحة لها آنذاك، وشكلت منعطفًا ليس عابرًا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ما زال يلقي بظلاله على المنطقة العربية بأكملها منذ أيام الحرب الباردة إلى اليوم.

 

 

 
يتناول الفيلم أحداث ميونخ وما تلاها، تاركًا خلفه رسالة سياسية قوية وإنسانية عميقة في آن معًا، لا ينتهي مفعولها مع انتهاء زمن الفيلم.

 

الصراع العربي الاسرائيلي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما الذي حدث في ميونخ؟

قد يكون اغتيال الروائي والسياسي الفلسطيني غسان كنفاني في الشهر السابع من عام 1972 على يد الموساد الإسرائيلي هو ما أشعل شرارة فكرة ميونخ،

 

 

 

 

 

 

لكن الأسباب الأهم لهذه العملية هي رغبة الجانب الفلسطيني بمجاراة يد الموساد المتطاولة في المنطقة والرد على عمليات القصف الإسرائيلي المتصاعدة لقواعد الفدائيين الفلسطينيين في لبنان، أما الهدف الأبرز فكان القيام بعملية استثنائية كبرى تجبر العالم على الالتفات لقضية الشعب الفلسطيني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هدفت العملية التي كان قد خُطط لها من قِبل محمد داوود عودة “أبو داوود” وصلاح خلف” أبو إياد” إلى احتجاز مجموعة من الرهائن الإسرائيليين، وهم أعضاء الوفد الإسرائيلي الرياضي المشارك في أولمبياد ميونخ والضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل تحرير 236 معتقلًا في السجون الإسرائيلية، أكثرهم من العرب.

 

 

 

 
بعد مجموعة كبيرة من اللقاءات السرية والاجتماعات بين قياديي المنظمة والمرشحين لتنفيذ العملية، تم تأمين مجموعة من جوازات السفر الأردنية المزورة للفدائيين المشاركين وتم جمع معلومات كاملة عن القرية الأوليمبية
ومبنى البعثة الإسرائيلية الذي سيتم التوجه إليه واستهدافه.

 

 

 

 

 

 

ومن ثم تمّ الاتفاق على الخطوط التفصيلية للعملية:

 

 
يدخل الفدائيون الثمانية وهم يلبسون الثياب الرياضية على أنهم فرقة رياضية عائدة إلى المجمّع بعد السهرة، ويتسللون لداخل المبنى ويقتحمون الجناح الإسرائيلي ويقومون باحتجاز الوفد الإسرائيلي كرهائن.

 

 

 

 

 

 

 

وهو ما حدث فعلًا وهي تمامًا النقطة التي بدأت معها أحداث الفيلم.

 

 

 

 

 

 

في الوقت المناسب

كانت أبواب القرية الأوليمبية مغلقة في ذلك الوقت، فبدأ فدائيو العملية بتسلق السور المحيط عند نقطة البوابة، صادف لحظتها وصول الوفد الرياضي الأمريكي العائد من الخارج وبعضهم سكارى، فقاموا بمساعدة الفدائيين المتنكرين بالتسلق ودخل الجميع.

 

 

 

 
ما إن يصبح أفراد العملية داخل المبنى، حتى تُفتح الحقائب وتُخرج الكلاشينكوفات ويتعانق الفريق عناقًا جماعيًّا أخيرًا مرددين: “لا عودة حتى النصر”.

الصراع العربي الإسرائيلي

 

 

 

 

 

 

بإيقاع يقطع الأنفاس، تلاحق الكاميرا المراحل الأولى من العملية واقتحام غرف الوفد الإسرائيلي واحتجازهم.

 

 

 

 

في الساعة الثامنة صباحًا، يصحو العالم بأسره على خبر الاحتجاز، وهو الحدث الذي عرقل الأولمبياد وأجبر الصحافة العالمية المتواجدة على تغطيته لحظة بلحظة لحساسية مكانه وتوقيته.
 

 

 

انتهت المرحلة الأولى من العملية بقيام 8 فدائيين فلسطينيين باحتجاز 11 رياضيًّا إسرائيليًّا وقتل أحدهم لدى محاولته المقاومة.
 

 

 

تحتشد الكاميرات في الجوار وترتصف القناصات على أسطح المباني المحيطة وتطوق الشرطة الألمانية المبنى الذي يطل من شرفته المختطفون، وتبدأ عملية المفاوضات وإعلان المطالب على الملأ.

 

 

 

 

تتنقل عدسة سبيلبرغ بعدها برشاقة بين شاشات الإعلام وبين البيت الإسرائيلي والبيت الفلسطيني.. بين أهالي الفدائيين وأهالي الرياضيين الإسرائيليين لتلتقط على وجه السرعة الخوف والأمل في عيون الجميع وترصد لحظات الترقب.

الصراع العربي الإسرائيلي

في المرحلة التالية طالب الفلسطينيون بطائرة تقلهم مع الرهائن لمطار القاهرة. فقامت مروحيتان بنقلهم فورًا مع المحتجزين من القرية الأوليمبية لمطار فورشينفليد بروك العسكري في ميونخ ليتم الانطلاق منه.

 

 

 

يحتشد الإعلام مرة أخرى في المطار مترقبًا ما سيحدث في الدقائق التالية، خلال ذلك يسمع صوت اشتباكات نارية يتلوها انفجار في منطقة المروحيتين.

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي وسط دهشة المترقّبين يُعلن على الشاشات موت الجميع، الرهائن والخاطفين.

 

الصراع العربي الإسرائيلي

 

 

 
ودون مزيد من الشرح والتوضيح تبدأ الحكاية.

 

 

 
لم تكن أحداث ميونخ سوى مقدمة، هنا تبدأ الحكاية.

 

 

 

 

 

في نفس اللحظة التي يتم فيها سرد أسماء الضحايا الإسرائيليين على التلفزيونات الرسمية، تنتقل الكاميرا لمكان آخر حيث تُسرد قائمة أخرى مكونة من أسماء إحدى عشرة شخصية فلسطينية في واحدة من غرف العمليات الإسرائيلية الخاصة بالموساد.

 

 

 

 

 

هنا وبأعلى مستويات السرية وبأوامر مباشرة من غولدا مائير، رئيسة وزراء الحكومة الإسرائيلية آنذاك، سيتم إطلاق العملية الانتقامية التي ستتكفل بملاحقة واغتيال قياديي منظمة أيلول الأسود والمسؤولين عن عملية ميونخ. وعلى رأس الشخصيات:

 

 

 
أبو داوود، وكمال ناصر، وعلي حسن سلامة وهو القيادي الأقوى في المجموعة.

يكتسح رأيها جميع الحاضرين، وتقنعهم بأن الوقت حان لإظهار القوة الحقيقية لإسرائيل وقدرتها على الدفاع عن نفسها وحقها في ذلك كأمة مستقلة.

 

 

 

 

 

 

ثم تجتمع مائير ثانيةً خارج نطاق الدولة الرسمية، مع الشخصيات المقربة منها في منزلها الخاص ولكن هذه المرة للقاء القادم الجديد: ضيفها العميل الشاب “آڤنر كاوفمان”، الذي ستسلمه زمام العملية.
 

 

 

 

بلمسة حانية من يدها على وجهه، وصوتها الهادئ، وثقتها اللامتناهية به ودون مزيد من النقاش، تخبره بأنه سيكون الشخص المختار للقيام بسلسلة الاغتيالات السرية الخطيرة التي قد تستمر لسنوات بعيدًا عن بيته ودون أي اتصالات مع الوطن.

 

 

 

 

 

 

آڤنر الذي يؤدي دوره النجم إيريك بانا، هو زوج مخلص وأب لطفلة سترى النور بعد أشهر قليلة.

 

 

 
مدفوعًا بإيمانه وحبه لإسرائيل الذي لا يرى عائلته وبيته إلا فيها، مملوءًا بغضبه الصامت لما حدث في ميونخ، يوافق آڤنر على المهمة الضبابية المحفوفة بالمخاطر وينطلق نحو هدفه برفقة 4 عناصر آخرين من التقنيين لتنفيذ عمليات الاغتيال في مدن أوروبية مختلفة، حيث تقيم الشخصيات العربية المطلوب تصفيتها.

 

الصراع العربي الإسرائيلي

يبدأ صلب الفيلم مع تتبع حركة آڤنر وفريقه من دولة لأخرى وتصوير كل عملية اغتيال على حدة.

 

 

 

 
وعلى هامش الرحلة تدخلنا خطوط الفيلم معها في عوالم أجهزة المخابرات السرية وتكشف للمشاهد بطريقة عابرة عن ترابطات صادمة في ما بينها وتورطها بأكبر القضايا.
الصراع العربي الإسرائيلي

 

يتمكن الفريق من تصفية عدد من الشخصيات المستهدفة على مدى أشهر لكن الأمور تبدأ بأخذ منحى آخر وتصبح المهمة أكثر صعوبة.

 

 

 

 
حيث يقوم الفلسطينيون مجددًا بالرد بمجموعة من عمليات الخطف وتتعقد الأمور، ويبدأ فريق الموساد بالتورط مع أجهزة مخابرات وجهات سرية أخرى وتبدأ الاغتيالات تطال عناصر الفريق نفسه!

 

 

 

 

 

تدريجيًّا يجد آڤنر نفسه محاطًا بمجموعة من الأسئلة الوجودية والأخلاقية عن مغزى ما يقوم به في متاهات العمل الاستخباراتي الذي لم يعد الخروج منه أمرًا هينًا.

 

 

 

 

 

يجد نفسه يقترب من إنجاز المهمة، مبتعدًا في نفس الوقت عن ذاته وهدفه الأصلي.

 

 
وقبل أن يكمل الطريق سيكون عليه أن يجد لنفسه ولهويته اليهودية وللوطن الذي آمن به مكانًا في هذه الفوضى.. عليه أن يقلص كل هذه المسافة التي أخذت تفصل بين إيمانه بالوطن ومستنقع القذارة السياسية التي وجد نفسه بها.

 

 

 

 

تحاصره الشكوك دون أن تفارق مخيلته صورة ضحايا ميونخ، تتصاعد خطوط الأحداث وتختنق أنفاسه في زخم الخيبات.
 

 

 

 

إلى نقطة البداية: ميونخ

 

(قد تفسد عليك الفقرة التالية الحبكة إن لم تكن قد شاهدت الفيلم بعد أو اطلعت على القصة التاريخية)

مع أن كثيرًا منا يعرف كيف انتهت القصة، إلا أن سيناريو الفيلم وبذكاءٍ بالغ، يُبقى أمر ما حدث في المطار العسكري والطريقة التي قضى بها الخاطفون والرهائن، مخفيًا حتى دقائقه الأخيرة. حيث تتكشف أخيرًا الحقيقة أمام عيني آڤنر، ويستطيع بعد كل ما حدث معه رؤية أحداث المطار على حقيقتها.

 

 

 

 

 
أظهرت إدارة مائير وقتها تعنتًا بالغًا ولم تقبل بتقديم أي تنازل وأرسلت رئيس جهاز الموساد إلى ميونخ حاملًا معه الأوامر بتحضير فخ للفدائيين في المطار بمساعدة القوات الألمانية لإنقاذ الرهائن، مهما كلف الأمر، حتى لو أدت العملية إلى قتل الرهائن الإسرائيليين أنفسهم!

 

 

 

 

 
لم يحكِ الفيلم ذلك صراحة واكتفى بترك العديد من المؤشرات عليه هنا وهناك.

 

 
وصور لنا كيف فشلت عملية الإنقاذ في المطار وقتلت القناصة الألمانية معظم الفدائيين، وكيف قام أحد الفدائيين خلال الاشتباك بقتل جميع الرهائن الإسرائيليين الجالسين في المروحية.

 

 

 

 

تحت وطأة الخيبة والتوجسات التي أثقلت روحه، يرفض آڤنر العودة لإسرائيل ويختار الرجوع الأخير للمنزل، حيث زوجته وطفلته الصغيرة المقيمتين في بروكلن- أمريكا، بينما تبقى رغبته بمنزل دافئ وآمن في حضن إسرائيل الوطن حلمًا رائقًا معلقًا بعيد المنال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف يمكننا قراءة فيلم”Munich”؟

الصراع العربي الإسرائيلي

 

إن أراد المشاهد العربي أن يفهم الرسالة المقدمة بين سطور الفيلم بواقعية ووعي، فعليه بداية أن يتوقف عن الاعتقاد بأن على السينما العالمية أن تقوم مجانًا بنصرة قضاياه وتوثيق ما حدث معه من مظالم خلال العقود المنصرمة، كذلك عليه أن يتخلص قليلًا من أوهام نظرية المؤامرة “التي تسيطر على الإعلام العالمي وتبث رسائلها الخطيرة في أفلام هوليود”!

 

 

 

 

 

 

مخرج الفيلم ستيفن سبيلبرغ صاحب الديانة اليهودية والإخلاص الأكبر لقضايا اليهود حول العالم، أكد دعمه الكامل للشعب الإسرائيلي في أكثر من موقف، وهو ليس بالأمر السري الخافي على أحد.

 

 

 

 

 
ولعل العالم لا زال يذكر رائعته السينمائية الشهيرة “schindler’s list” التي حصدت جوائز الأوسكار لعام 1994 والتي جسد فيها معاناة اليهود في ألمانيا في فترة الحرب العالمية الثانية.

 

 

 

 

 

 

في “Munich” كانت الأمور أعقد والقضية شائكة أكثر، وعلى سبيلبرغ التحرك بحذر بالغ.

 

 

 

 

 

 

يسلط سبيلبرغ في هذا الفيلم الضوء على هوية الرجل الإسرائيلي وفاعليته واستقلاليته ووعيه بذاته حتى في لحظات صراع الهوية والانتماء.
وعلى الهامش، لم يوفر فرصة في تصوير رجل الموساد على أنه محاط بالخطوط الأخلاقية الحمراء، حيث يمتنع عن قتل الأطفال، ويسأل نفسه باستمرار عن شرعية أهدافه.

 

 

 

 

 

 

 

ولعل المشاهد لا ينسى المشهد الذي يقوم فيه آڤنر وفريقه فورًا بإيقاف عملية التفجير التي كانت معدة لاغتيال محمود الهمشري عند اكتشاف أن ابنته موجودة في المنزل.

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى حد ما وقع الفيلم في مطب الصورة النمطية السلبية المحيطة بالفدائي الفلسطيني، لكنه أعطاه مساحة بسيطة لطرح وجهة نظره حول الوطن والأرض في بعض الحوارات الضئيلة على هوامش السيناريو.

 

 

 

 

 

 
على الرغم من كل هذه النقاط التي لا تبدو أنها في مصلحة القضية الفلسطينية بحال من الأحوال، إلا أن فيلم “Munich” كان رسالة قوية أمام الرأي العام العالمي حملت في ثناياها صفعة لاذعة للنظام الإسرائيلي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نثر فيه سبيلبرغ مجموعة من إشارات الاستفهام حول ما يجري حقيقةً داخل المؤسسة الصهيونية وحول مدى جدية إسرائيل ورغبتها بصناعة سلام حقيقي في المنطقة، وكشف فعليًّا الغطاء عن القداسة المزعومة التي تتعامل بها الحكومة مع مواطنها الإسرائيلي عندما يتنافس الأمر مع سياستها اتجاه “الإرهاب الفلسطيني”، وهو ما أثبتته – في الواقع وفي الفيلم- أحداث المطار العسكري، حيث قُتل الرهائن.

 

 

 

 

 
بالنتيجة، أعتقد شخصيًّا بأن عمل سبيلبرغ هذا يمكننا إدراجه مع حزمة دعوات اليسار الإسرائيلي للإصلاح السياسي، أو حتى التغيير الجذري داخل المنظومة.

 

 

 
بالإضافة لرسالته السياسية، حمل “Munich” مضامين إنسانية واجتماعية هامة حول تعاطي الإنسان مع النظام الأعلى، فهو ينوه بشكل ذكي إلى استغلال قيم المواطن من قبل المؤسسة التي يُفترض بها أن تكون الوعاء الأوسع للقيم، ويحذر من ضياع الإنسان فيها عندما تتحول إلى الوعاء الأوسع للخداع والأكاذيب.

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي ذات الوقت يثير “Munich” جدلًا مستترًا عن هوية الإنسان وانتمائه الديني والقومي.

 

 

 

 

 

 

وهذا بالمجمل ما يجعل منه فيلمًا هامًا سواء بالنسبة للمشاهد العربي أو الإسرائيلي أو العالمي.

 

 

 

 

 

 

 

تعرض سبيلبرغ عند إطلاق “Munich” إلى كثير من النقد والتجييش الإعلامي بحجة أنه يضر بدولة إسرائيل على الرغم من أنه وضح صراحة في إحدى المقابلات اللاحقة له بأن الفيلم لم يهدف إلى مهاجمة إسرائيل، وإنما سعى فقط لطرح بعض الاسئلة الهامة دون أن يحاول أن يملي على المشاهد أي إجابات عنها.
الصراع العربي الإسرائيلي

 

 

 

 

فنيًّا يعتبر “Munich” تحفة سينمائية لا تقل روعةً عن باقي أعمال سبيلبرغ الكبرى، التي يدهشنا فيها دومًا بعبقرية الصورة التي يقدمها، كيف لا وهو صاحب واحدة من أجمل اللغات البصرية في العالم وأحد المخرجين الحاصلين على أكبر عدد من جوائز وترشيحات الأوسكار في تاريخ السينما.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يرافقه بالفيلم جون ويليامز بموسيقى أخّاذة تهز حواس الإنسان جميعًا، وتبقى رهبتها عالقة في رأس المشاهد لأشهر طويلة وربما لسنوات بعد مشاهدة الفيلم.

 

 

 

 

 

 

 

ترشح الفيلم لـ5 جوائز أوسكار غطت معظم جوانبه وهي: أفضل فيلم لعام 2005، وأفضل إخراج، وأفضل نص مقتبس، وأفضل موسيقى، وأفضل مونتاج.
وهي بمثابة مبرر جديد لمشاهدة هذا الفيلم الرائع.

صديقي القارئ، كمشاهد، يمكنك أن تحكم بنفسك على الفيلم وتصوغ موقفك الخاص منه والذي قد يكون مخالفًا لقراءتي، لكن يمكننا بالمحصلة أن نتفق على أن “Munich” ليس ثلاث ساعات من الترفيه البصري، بل امتداد لظاهرة تورط الفن الحقيقي بحياة الإنسان وممارسة لوظيفته بإثارة العديد من الأسئلة الحرجة حول قضاياه الجوهرية.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد