تقاطرت الوفود العربية إلى الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقية سلام بين كل من إسرائيل والإمارات والبحرين في حراك تاريخي غير مسبوق من قبل العرب تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي. ومن اللافت للانتباه هو المستوى الدبلوماسي المتدني الذي مّثل كلا من البحرين والإمارات. ففي الوقت الذي ترأس فيه نتنياهو وفد إسرائيل (وهو رئيس الوزراء أعلى سلطة في البلاد)، اقتصر تمثيل الإمارات والبحرين على وزراء خارجية البلدين، عبد اللطيف بن راشد الزياني ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.

وعلى الرغم من التوقعات التي كانت تتحدث عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية عن حضور رفيع المستوى لكل من الإمارات والبحرين إلا أن محمد بن زايد والأمير حمد بن عيسى غابا عن هذه القمة. وأما عن أسباب عدم حضور الأخيرين فيبدو بأن أسباب كلتا الدولتين تختلفان عن بعضهما البعض.

فبالنسبة للإمارات والتي ظن ولي عهدها الشيخ محمد بن زايد بأنها خطوة نحو الدخول في خط تحالف استراتيجي بين الإمارات-الولايات المتحدة-إسرائيل. ولكنه فوجئ بأنّ هذا التحالف له العديد من الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها. هذه الخطوط رسمها اليمين المتطرف الإسرائيلي والذي ينظر إلى سكان المنطقة على أنهم مسلمون وخطر محتمل ومحدق بإسرائيل مهما بلغت العلاقة بينهم. وعلى الرغم من توقعات بالموافقة على بيع طائرات إف 35 الأمريكية إلى الإمارات بضوء أخضر إسرائيلي، إلا أنّ ابن زايد استفاق من نومه وعرف جيدًا بأن هناك معدلات لا يجب أن تتغير، تتمحور هذه المعادلات حول حفظ التفوق الإسرائيلي في المنطقة. خصوصا بعد التقارير التي سربتها الصحافة الإسرائيلية من عكوف مجموعة من العسكريين الإسرائيليين على إعداد قائمة من الأسلحة الأمريكية المتطورة لطلبها من الولايات المتحدة لحفظ التفوق الإسرائيلي في المنطقة. وإن كان ابن زايد قد استطاع إسكات الأصوات الداخلية التي تنتقد عملية التطبيع هذه من خلال تفعيل قوانين الجرائم الإلكترونية وزج كل من يعترض في السجن أو تهديد المعارضين للعملية التطبيع بإلغاء إقامتهم وإخراجهم من الإمارات (حيث أموالهم وأعمالهم وأسرهم)، إلا أنه لا يستطيع أن يمنع الصحافة الإسرائيلية من الاستهزاء به علانية في الصحف والبرامج التلفزيونية. فعلى سبيل المثال سخرت القناة 12 الإسرائيلية من محمد بن زايد. حيث تحدثت القناة عن اتفاق سلام بعد سنوات من «عدم القتال».

أما البحرين والتي زحفت زحفا لدخول نادي المطبعين، يبدو بأنّ أسبابها مختلفة عن دولة الإمارات. فالقرار السياسي البحريني يقع خارج حدودها وبالضبط يقع في السعودية ويتخذه ابن سلمان ولي العهد السعودي. إن قرار التطبيع البحريني جاء تمهيدًا لدخول السعودية هذا النادي المخجل.

فابن سلمان أعطى الضوء الأخضر للبحرين للانخراط في التطبيع مع إسرائيل، كي يُحكم قبضته على السعودية بدعم من الولايات المتحدة خصوصا بعد فضائح عديدة شوهت صورته في الولايات المتحدة بعد قضية قتل خاشقجي وقضية سعد الجبري. ابن سلمان يبحث من خلال دفع الدول الخليجية الصغيرة إلى التطبيع مع إسرائيل يبحث عن غطاء ودعم شرعي له في مواجهة المعارضة الداخلية في المملكة والتي ترفض وصوله إلى سدة الحكم بوجود أشخاص ذوي وجود مؤثر وفاعل كأحمد بن عبد العزيز وبن نايف.

وأما عن سبب تخفيض مستوى مشاركتها، فالمسؤولون في البحرين يتخوفون من انفلات زمام الأمور في الداخل البحريني خصوصا بعد توقيع بيانات عديدة من قوى الداخل البحريني حيث أصدرت 17 جمعية وتيارًا بيانًا، أعلنت فيه رفضها التام لكافة أنواع التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، و«تمسكها بثوابت الشعب البحريني من القضية الفلسطينية العادلة وبنصوص الدستور الذي يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني وبالإجماع العربي والإسلامي الرسمي والشعبي الرافض للتطبيع مع هذا الكيان المجرم». كما رفضت القوى الإسلامية في الداخل البحريني عملية التطبيع وأعربت عن تمسكها بالقضية الفلسطينية وثوابتها. هذه المعارضة بالإضافة إلى التظاهرات التي شهدتها البحرين هي ما دفع القيادة البحرينية إلى تقليل مستوى تمثيلها في القمة الموعودة اليوم الثلاثاء.

لا يظن أحد من المنبطحين المطبعين بأن الشعوب العربية الأصلية، التي نظرت إلى القضية الفلسطينية كقضية شعب يكافح من أجل الحصول على حقوقه، لا يظنوا بأن هذه الشعوب ستسكت عن هذا الانبطاح المخزي. فالمعارضة البحرينية التي تعاني من قمع السلطة الحاكمة وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وقمع الحريات هناك، تدرك تمامًا مرارة الوقوف إلى جانب الظالم ضد المظلوم. كما يدرك الشعب البحريني بأن القبول بعملية التطبيع تعني التخلي عن قضيتهم المشابهة كذلك، فالظلم واحد لا يتجزأ ورفضه واحد لا يتجزأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد