تميزت الفترة الأخيرة بمسارعة بعض الدول العربية إلى توقيع اتفاق سلام مع الجانب الإسرائيلي، بداية من الإمارات العربية المتحدة، وبعدها مملكة البحرين، وأيضًا جمهورية السودان، والمملكة المغربية مؤخرًا، ودول عربية أخرى قادمة. دون أن ننسى اتفاقات السلام السابقة مع كل من جمهورية مصر العربية عام 1979، ولبنان عام 1983، وأيضًا المملكة الأردنية الهاشمية سنة 1994.

ولكن بالرغم من كل هذه الاتفاقيات الموقعة إلا أن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكثر مناطق العالم توترًا واضطرابًا.

ويبقى السؤال المطروح: هل يمكن لاتفاقات السلام الموقعة سابقًا ومؤخرًا مع إسرائيل برعاية أمريكية أن تهدئ من شدة التوتر وتحقق الاستقرار في المنطقة؟ أم تؤدي إلى مزيد من الفوضى والحروب؟

فجمهورية مصر العربية، التي هي أول دولة توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، من بين الأسباب التي دفعتها لذلك هزيمة حرب 1967، والعدوان الثلاثي سنة 1956، وأيضًا الانتصار غير الكامل لحرب 1973.

أما لبنان فقد وقعت اتفاق سلام في عهد الرئيس أمين جميل في مايو (أيار) 1983، وتلتها الأردن في اتفاق واد العرب سنة 1994، والذين رفعوا كلهم شعار الأرض مقابل السلام، وأيضًا ما تبلور عن المبادرة العربية سنة 2002، والتي تقر بإمكانية التطبيع مع إسرائيل شرط التنازل عن الأراضي المحتلة سنة 1967، وقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

أما الدول العربية التي وقعت مؤخرًا مع الجانب الإسرائيلي، ونقصد بكل من الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وجمهورية السودان، والمملكة المغربية، فأسباب توقيعهم لهذا الاتفاق يعود إلى بروز تحديات أخرى، ومواجهتهم لتطورات جديدة على الأرض، فهي تتمثل في: الخطر الإيراني، والجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان، وأيضًا النفوذ التركي مؤخرًا. أما المغرب فالتحدي الذي كانت تخوضه هو عدم الاعتراف الدولي بشرعية المغرب في السيطرة على أراضي الصحراء الغربية والحصول على الدعم الامريكي.. إذا كلها تحديات وعوامل دفعتهم للتقرب من تل أبيب، وتكوين حلف جديد، دون أن ننسى موجة الربيع العربي، وتأثر بعض الأنظمة الملكية لهذا التغير الحاصل، إضافة إلى رغبة الولايات المتحدة الأمريكية من تخفيف قواعدها العسكرية في المنطقة ومواجهة الصين والروس في الشرق.

كلها تحديات أجبرت هذه الدول إلى الاحتماء بإسرائيل؛ كونها ليست هي العدو الأول للعرب، بل إيران، وتركيا، والجماعات الإسلامية هي التي تهدد استقرار أنظمة هذه الدول بمعنى أنهم بمجرد توقيعهم لهذا الاتفاق تلقائيًا تم التخلي عن شعار «الأرض مقابل السلام» إلى «السلام مقابل السلام»، أي السلام والحماية من الخطر الإيراني، والتركي، والجماعات الإسلامية

وفي الجهة المقابلة شيطنة ممنهجة للفلسطينيين من خلال فساد النخب الفلسطينية، وإضاعتهم لعدة فرص للسلام، وأخطائهم المتكررة طيلة أكثر من 70 عامًا، وكذا «عقوق الفلسطينيين» (المصطلح المستخدم من طرف بعض الدول العربية).

فعند العودة إلى مصر نجد أن من نتائج ثورة 25 يناير (كانون الثاني) أن جماعة الإخوان تمكنوا من الوصول للحكم، وانتخاب محمد مرسي رئيسًا لها خلفًا للمخلوع حسني مبارك، وبعد جولات من الانتخابات المختلفة، إلا أن ذلك لم يدم طويلًا لأن إسرائيل أصبحت تشعر بالخطر من حكم الإسلاميين، وحدث بعدها انقلاب عسكري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي؛ لأن إسرائيل لا يمكنها التعامل مع الأنظمة الديمقراطية للدول العربية، خاصة المتواجدة على حدودها، بغض النظر عن طبيعة توجهات وأيديولوجيات من يحكمون.

أما لبنان فقد أجبر على توقيع اتفاق سلام سنة 1983 في عهد الرئيس أمين جميل، وإلى رفض كل أنواع العنف مع إسرائيل، وتصبح لبنان دولة صديقة لإسرائيل برعاية أمريكية في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجن.

لكن اتضح فيما بعد أنها خطوة قصيرة النظر، وبعدها انهار نظام الرئيس أمين جميل، ومعها اتفاق سلام مع إسرائيل، وصعود التيارات والقوى الرافضة في لبنان كحركة أمل وحزب الله، إضافة إلى النفود السوري والإيراني وضعف التأثير الأمريكي فيها.

فالتاريخ يقول: إن مثل هذه الاتفاقات تكون مؤقتة تحت حكم أمر الواقع، ولكنها سرعان ما تنهار وتتلوها فترة من العنف والحروب.

أما الدول العربية التي وقعت فقط مؤخرًا اتفاقات سلام مع إسرائيل، فنأخد أسباب دولة الإمارات، والسودان، والمملكة المغربية، كنوذج في التوقيع على هذا الاتفاق.

أولًا: الإمارات العربية المتحدة هي دولة ثرية جدًا مزدهرة اقتصاديًا ومستقرة سياسيًا وأمنيًا، لكن موجة الربيع العربي أثّرت فيها بطريقة أو بأخرى، لذا حاولت أن تجهض هذه الثورات وتحاول على استقرار الأنظمة العربية القائمة ملكية أو جمهورية «دكتاتورية عسكرية»، وأن تمنع التيار الإسلامي من الوصول إلى الحكم، لذلك تقرّبت من تل أبيب محاولة منها لزيادة الاستقرار، وتوسيع اقتصادها، والاستفادة من التكنولوجية، والقوة العسكرية لإسرائيل، وعقد شراكات في مختلف المجالات والحماية من إيران وحلفائها، ومن المد التركي في المنطقة.

ثانيًا: جمهورية السودان فهي دولة تعاني في كل المجالات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، وحتى في الساحة الإقليمية والدولية، فالسلطة المشكلة من سياسيين وعسكريين «المجلس الانتقالي» بعد سقوط عمر البشير من الحكم.

فالسودان كدولة لم تكن أبدًا من أولوياتها، وأن تتقرب من إسرائيل بحكم الأوضاع التي تعيشها سابقًا، وحاليًا فقد أجبرت على ذلك من أجل الحصول على مساعدات دولية وقروض ورؤوس أموال من أجل الاستثمار في النهوض بالاقتصاد، وتحسين صورتهم على الساحة الدولية، ودفعها لمبلغ معيّن للولايات المتحدة من أجل رفع اسمها من الدول الراعية للإرهاب وفك العزلة الدولية عنها والتغاضي عن جرائم التي ارتكبها نظام البشير (الرئيس السابق) في دارفور.

ثالثًا: أما المملكة المغربية فهي من الدول التي لها علاقة مع إسرائيل منذ الستينات من القرن الماضي وتطورت العلاقة إلى فتح مكاتب للاتصال في التسعينات في عهد الملك الراحل حسن الثاني، وبسبب انتفاضة الاقصى 2005 توترت العلاقة، وأغلقت هذه المكاتب، وظلت العلاقة بينهما بين التوتر والتفاهم.. إلى أن شعر النظام المغربي بطول مدة الصراع، وبالعزل الدولي، وفشل في كسب الدعم حتى من أقرب الحلفاء، وهي فرنسا، من تأييد خطواته في الصحراء الغربية، ففكر في ترسيم العلاقة مع تل أبيب لإدراكها أنه الطريق الأقصر للوصول إلى البيت الأبيض وكسب التأييد منه.. وهذا ما حصل.

ففي كتاب للمؤرخ ديفيد فرامكين اسمه: «A PEACE TO END ALL PEACE» بمعنى «سلام ما بعده سلام» ويبقى السؤال المطروح: هل ستستفيد السودان والمغرب من هذا الاتفاق؟ أم أنه سيكون مثل سابقيه ينحصر بين الأنظمة والحكومات فقط؟ وهذا الذي تخشاه إسرائيل من تكرار سيناريو لبنان ومصر، وإلى محو كل فرص السلام مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد