من السخافة أن تنتَقد دولة كالإمارات العربية بسبب توقيعها اتفاق سلام مع إسرائيل، فالشعب الفلسطيني لم يكن يومًا يعوَّل على الحكومات العربية وعلينا نحن الفلسطينيين أن نلوم أنفسنا أولًا، لأننا قد سمحنا للآخرين بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية.

الطريق إلى السلام مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية

إن التحولات السياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تحتم على دول عربية ضرورة البحث عن حليف استراتيجي للعرب ضد شبح المنطقة العربية إيران، التي باتت تطوِّق الخليج العربي بأوهام مشاريعها في المنطقة العربية، هذا العدو الجديد الذي صُنع بعد إسقاط نظام صدام حسين في العراق، الذي يُثير القلق والمخاوف للخليجيين وإسرائيل تحت معادلة مركبة هي عدو مشترك للعرب والأمريكيين وإسرائيل، بموجب تلك المعادلة تقتضي المصلحة إقامة تحالفات عربية مع إسرائيل حتى وإن كانت على حساب الفلسطينيين، ذلك على الأقل من وجهة نظر سياسية، بعيدًا عن المصالح الاقتصادية لكلٍ من الدول المطبعة مع إسرائيل.

كنت قد نشرت مقالاً بتاريخ 3 أغسطس (آب) 2019 تحدثت فيه عن مستقبل الشرق الأوسط في ظل التحولات السياسية، فسياسة التطبيع ليست جديدة، وكذلك ليست مستغربة، والتحالفات قادمة لا محالة وعلى حساب القضية الفلسطينية، ذلك منذ مؤتمر المنامة في البحرين العلني، وصولًا إلى سلام الإمارات العربية المتحدة، وكل ما يجري في المنطقة العربية ليس وليد الصدفة أو اللحظة، وإنما يجري التخطيط له على قدمٍ وساق ويصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، حتى وإن كان في نشر ثقافة التطبيع من خلال الأعمال الدرامية على شاشات التلفزة.

ما هو سلام الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل؟ 

هو تحالف أكثر من كونه سلامًا، فمن سخافات عالمنا المعاصر أن نتحدث عن اتفاق سلام دون حرب سابقة.

مع القليل من المعطيات والتحليل للوقائع والأحداث نستطيع أن ندرك بسهولة لماذا تتجه عدد من الدول العربية لإقامة تحالفات مع إسرائيل تحت مفاهيم مثل التطبيع والسلام؟

أمام التحولات السياسية في المنطقة العربية، ومنذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا وعدم تدخلها في حرب اليمن بشكلٍ مباشر موكلةً المهام لكلٍ من الإمارات والسعودية، وهو ما يعني مواجهة غير مباشرة في اليمن بين البلدين وإيران، بالنيابة عن شرطي العالم الأمريكي الذي قرر الانسحاب وعدم التدخل المباشر في المنطقة العربية، لأسباب أهمها الانشغال بالقضايا العالمية السياسية والاقتصادية، وكذلك تراجع الاقتصاد الأمريكي أمام تنامي الاقتصاد الصيني، وتخفيف عبء التكاليف العسكرية للجيش الأمريكي في الشرق، كان لا بد من إيجاد شريك وحليف استراتيجي للعرب في المنطقة ضد وهم إيران المتمدد، وإسرائيل هي الأكثر قربًا من الأحداث، وهي البديل الوحيد والشريك الوحيد للعرب والعدو لإيران، يمكننا القول بأن إسرائيل تتولى مهامها السياسية الجديدة في الشرق الأوسط بديلًا عن الأمريكيين وتدخلهم المباشر في قضايا المنطقة العربية، وهو ما يمكن تفسيره بالعمل السياسي بالوكالة أو النيابة عن الأمريكيين.

فراغ سياسي ناتج من مجموع التحولات السياسية وانشغال الأمريكيين في القضايا العالمية، تستغله إسرائيل جيدًا وتطرح نفسها بديلًا عن الأمريكيين في المنطقة العربية وشريكًا جديدًا للعرب، بمباركة البيت الأبيض.

إذا ما عدنا للوراء ونظرنا إلى السياسة الإسرائيلية التي تبناها نتنياهو، والتي بدأت بجولات لمختلف البلدان العربية تهدف لكسب مودة العرب على حساب بيع أوهام التسوية مع الفلسطينيين تحت مسميات التطبيع وصفقة القرن أو العصر ومؤتمر المنامة، حتى سلام الإمارات، وصل نتنياهو إلى هدفه الرئيسي، وهو إعلان التحالف العرب- الإسرائيلي السياسي والاقتصادي ذلك تحت مسمى السلام، وربما مستقبلًا العسكري ضد عدو مشترك هو إيران.

وهنا يظهر العرب بمظهر الباحث عن التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبكل فخر واعتزاز يتحدث أُمراء وملوك العرب عن سلام عربي- إسرائيلي.

كان لا بد من وسيلة لتحقيق الهدف الإسرائيلي، والوسيلة الأنجح هي التطبيع العربي – الإسرائيلي السياسي والاقتصادي مع عدد من الدول الخليجية، أسوة بالدول العربية الموقعة لاتفاقيات السلام الثنائية مع إسرائيل، وقعت الإمارات اتفاق سلام، ولكن على قاعدة الاستسلام.

المصلحة تقتضي تحالفًا عربيًّا- إسرائيليًّا، ولكن تحت مسمى السلام.

بمفاهيم نظريات المصلحة والقوة المختلفة قد ندرك أنه من الطبيعي حدوث تحالفات عربية مع إسرائيل على فرضية وجود عدو مشترك يهدد أمن الجميع ويشكل خطرًا سياسيًّا واقتصاديًّا على المنطقة.

ولكن من المستغرب استخدام مسمى اتفاق سلام بين الإمارات وإسرائيل على مبدأ التسليم وليس السلام، وعلى حساب القضية الفلسطينية، كان من الأجدر أن توقع الإمارات اتفاق سلام على قواعد واضحة وثابتة، طالما أنها تعتقد أن اتفاقها يصب في مصلحة الفلسطينيين وتراه دفاعًا عن قضيتهم، على فرضية ذلك يمكنها أن تضع شروطًا لتسوية عادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويحذو حذوها باقي الدول المطبعة، لتصبح القاعدة الأساسية التطبيع مقابل تسوية عادلة تضمن حق الفلسطينيين، وبذلك يمكن إحراج إسرائيل دوليًّا وحشرها في الزاوية.

الحقيقة بالطبع خلافًا لما ذكرت والهدف هو السلام من أجل التحالف وتبادل المصالح، وليس من أجل إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية ويطبق القول على ما حدث في مؤتمر البحرين، وكل العلاقات العربية الإسرائيلية.

ليس مستبعدًا أن تنهج دول أُخرى نهج أُسرة بن زايد نفسه في العلاقة العلنية مع إسرائيل، فالسلام على طريقة الإمارات العربية المتحدة هو أفضل وأنجح الوسائل لتحقيق التحالف مع إسرائيل ضد عدو مشترك، وصناعة المبرر لذلك التحالف مع الظهور بمظهر المدافع عن الحق الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

تلك المعادلة التي جرت صناعتها أمريكيًّا تخلق عدوًّا استراتيجيًّا للعرب واسرائيل معًا، وهو ما يدفع العرب للتحالف مع إسرائيل سياسيًّا واقتصاديًّا في المنطقة العربية على قاعدة عدوك بالأمس هو صديقك اليوم.

نستطيع أن نطرح تساؤلًا قد وضعه نتنياهو لنفسه ونجح في ترجمة إجابته على أرض الواقع، كيف تجعل من عدوك صديقًا حميمًا لك؟

استطاع نتنياهو أن يُقنع قادة العرب بعدو مشترك، يتطلب من الجميع التعاون المشترك والمستمر ورفع لمستوى العلاقات مع دولة إسرائيل من أجل مواجهة ذلك العدو، ولكن ذلك كان على حساب القضية الفلسطينية.

تلك هي سياسة نتنياهو التي نجحت عندما ربط بين سياسته الداخلية تجاه الفلسطينيين وقضيتهم التي شكلت حرجًا حقيقيًّا للعرب في الآونة الأخيرة، والسياسة الخارجية تجاه العرب الذين استطاع إقناعهم بأنهم لم يكونوا يومًا ما على عداء مع إسرائيل، وتُوُّج نجاحه بالتطبيع العربي على حساب القضية الفلسطينية وتحالف عربي- إسرائيلي ضد عدو مشترك هو إيران.

هذا ما استطاع نتنياهو تحقيقه طوال مسيرته السياسية، هو داهية سياسية لا مثيل لها في التاريخ.

السلام على طريقة الإمارات العربية المتحدة

الإمارات تصنع سلامًا على حساب الفلسطينيين، وهو المخرج الوحيد للتخلص من فوبيا الخطر الإيراني الذي تغلغل في عقول العرب، أظن أنه من الأجدر أن يكون هناك تحالف عربي- عربي وليس عربيًّا- إسرائيليًّا ضد مشروع إيران في المنطقة العربية وضد المشروع الإسرائيلي في المنطقة العربية.

في نظري إيران التي ترفع شعار «الموت لأمريكا وإسرائيل» لم تُقدم على قتل أمريكي أو إسرائيلي منذ رفع شعارها الجهادي، ولم تخض حربًا مباشرة ضد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب الإيرانية العراقية، ولكنها استطاعت قتل العرب من خلال ضربهم بعضهم ببعض.

فعليًا لم ترد إيران مباشرة على معظم العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في سوريا وجنوب لبنان، إيران لم ترُد على اغتيال سليماني، وإيران أيضًا لم ترد على قصف الأمريكيين لأهداف إيرانية في العراق، يقودنا ذلك لتساؤل هل إيران تشكل خطرًا حقيقيًّا على الأمريكيين وإسرائيل أم على العرب؟

في ظاهر الأمر نستطيع الفهم والمعرفة بأن إيران تشكل تهديدًا حقيقيًّا لكلٍ من إسرائيل والأمريكيين ومصالحهما في المنطقة العربية، ولكن في باطن الأمر قد لا تشكل إيران أي تهديد حقيقي على المصالح الأمريكية وإسرائيل، وإنما يظهر تهديدها وخطرها الحقيقي على البلدان العربية فقط، يظهر ذلك في الكثير من البلدان العربية مثل اليمن وسوريا والعراق، والخليج العربي، وأظن أن الأولى أن يكون التحالف عربيًّا- عربيًّا ضد إيران وليس عربيًّا- إسرائيليًّا ضد إيران.

تعد إيران هي العدو الأول للأمريكيين، أو أنها في حقيقة الأمر المنافس في الشرق الأوسط للولايات المتحدة الأمريكية، إن صح التعبير، هذا ما تسوق له الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، هي تثير الكثير من المخاوف والقلق للأمريكيين مهددة بضرب مصالحهم في المنطقة من جهة، وتثير المخاوف والقلق لدول الخليج ودول عربية أُخرى من جهة ثانية، حيث تُترجم السياسة الخارجية الإيرانية تجاه المنطقة العربية بوضوح على صورة معارك إيرانية بالوكالة في المنطقة العربية تخوضها الميليشيات الموالية للنظام الإيراني ضد عدد من الأنظمة العربية التي تكتسب شرعية دولية، وهو ما تسبب بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية، وهو ما يتطلب بالطبع تحالفات عربية وشريكًا ضد عدو مشترك، من المؤسف حقًّا أن يكون هذا الشريك الجديد للعرب إسرائيل.

لا بد أن نُذكر بما حدث مؤخرًا في مياه خليج فارس والمياه الدولية والإقليمية من صدامات دولية مباشرة مع إيران تمثلت باحتجاز السفن وإسقاط طائرات،  وتهديدات إعلامية، وكل ذلك يقود العرب إلى ضرورة إيجاد الشريك والحليف السياسي والاقتصادي الجديد، لإحداث قوة جديدة ذات مصالح مشتركة في الشرق الأوسط وضد النظام الإيراني.

لقد نجحت إسرائيل بتنفيذ سياستها الداخلية الأُحادية تجاه الفلسطينيين في كلٍ من الضفة الغربية وقطاع غزة، عندما حققت تقدمًا حقيقيًّا في تنفيذ كل سياساتها الخارجية تجاه العرب.

إن التحالفات الإسرائيلية مع دول المنطقة ما زالت تسير على قدمٍ و ساق دون توقف، على الرغم من أن القضية الفلسطينية ما زالت تشكل حرجًا كبيرًا للعرب.

يمكننا فهم ذلك المعنى للسلام الإماراتي- الإسرائيلي، إذا ما فهمنا أن المصالح تقتضى ذلك حتى وإن كانت على حساب القضية الفلسطينية.

نحن الآن أمام نقطة تحول تاريخية

هو اتفاق سلام إماراتي- إسرائيلي تاريخي وغير مسبوق كما يُسوِّق له الرئيس الأمريكي ترامب، ويبدو أن حكام وأمراء بعض الدول العربية سوف يصنعون تاريخًا مزيفًا لشعوبهم الغارقة في رفاهية العيش فوق آبار البترول.

ذلك التاريخ الذي تجري صناعته الآن، قائم على مفاهيم جديدة أحدها، أن العرب لم يكونوا يومًا ما على عداء مع إسرائيل، ولم تكن هناك حروب سابقة أو شهداء سقطوا من أجل الأرض العربية، وبذلك سوف يجري تزييف كل الحقائق التاريخية والقفز على دماء كل شهداء الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد