جمال الفكر والتجربة الإنسانيين بكل ما يحملان من عيوب، يعكسان شكل النظام المجتمعاتي الذي وصلنا إليه اليوم في كل جوانبه. وقد لا يظهر هذا الجمال بالنسبة لنا على اعتبار تركيزنا التلقائي في شكل اللحظة الآنية دون محاولة ربطها بسياقها التاريخي. فالوصول إلى صيغة الدول التي نراها اليوم طبيعية مثلًا، مرّ بقرون من محاولات بناء الشكل التنظيمي قبل أن يبلغ حاله المعاصر الذي تجسده رموز السيادة والانتماء الذي نتعامل ونُعامل بها اليوم. والحقيقة هذه تمس كل شيء في حياة حاضرنا. نحن نتعامى بالخصوص عن واقع أن الفكر الإنساني يتعلم من تجاربه الذاتية لصياغة نماذج مستقبلية، تُسقط تلقائيا ما نراه اليوم طبيعيًا. والمثير أن هذا التغيير في سلّم الزمن يظل سريعا لا يتجاوز بضعة عقود لخلق التجديد الجذري. ومع ذلك فهناك بعض المجالات بالضبط التي يظهر أن الفكر الإنساني لم يستطع تجاوز أفكارها الأولية، بل لم يسعى للرقي بها ربما لطبيعة الإشكالية التي تعالجها، ومنها شكل العقاب الذي يحدده المجتمع في حق من يراه متعديًا على الإطار القانوني الذي يحكم شكل التعايش فيه.

السؤال الذي تأخرنا في تناوله بعمق ربما هو، هل العقوبات السجنية والجزرية حققت المقصد الإنساني من سنها؟ بل ما الذي نريد فعلًا بلوغه من خلال هذه الصيغة من شكل العقاب التي عمرت في واقعنا منذ قرون كثيرة. وحتى نلتزم بالواقع العربي، فالسجون العربية تأتي تمامًا بعكس مبتغاها. فهي ليست مؤسسات إصلاحية بقدر ما هي مصانع لمحترفي الإجرام. وهي أحيانًا أسواق تجارية تسودها معاملات قد لا يملك أهلها بلوغ أرباحها خارج الأسوار. السجون العربية هي غالبًا نهاية الأمل لوالجيها في حياة مستقرة وفي فرص للاندماج مجددًا في المجتمع، وهي بذلك تلقي بهم في عالم خاص يناقض ما هو منوط بها من مهمّة إعدادهم لحياة توبة لا عودة في ظلها لماضيهم.

ألا يمكننا اعتبار أهل السجون ضحايا لظروف ربما لم تكن لهم يد كاملة في اختيارها، حتى نحاول مساعدتهم في صياغة شكل حياة جديد ولو في إطار العقوبات الحالية؟ على الأقل بتحويل المؤسسات السجنية إلى مراكز تأهيل حقيقية، لها مصانع تابعة لها تعلم أهلها قيمة التحصيل عبر المجهود، وتفتح لهم الباب أمام إمكانية استئناف حياة طبيعية بعد بلوغهم خارج الأسوار؟ أمن المكلف تخصيص سجون للجامعيين تلحق بمراكز تكوين ثقافية علمية، تجعل من عقوبتهم فرصة لإيجاد الذات الضائعة في الإبداع؟ أليس بقدورنا سن مصالحة اجتماعية تفتح الحوار بين الجناة وضحاياهم أو عائلاتهم قصد محاولة تطهير الجروح النفسية التي من المفترض أن تكون مصدر حاجتنا الأساسي لمفهوم العقوبة؟ أهذا فعلًا ما بلغه الفكر الإنساني من صيغ للعقوبات أم أن توقفه نابع من تجاهل ضرورة النظر للمذنب كإنسان تمامًا كالضحية وأهل القانون؟

في نفس المضمار، إلغاء عقوبة الإعدام لازال غير مفعل في الدول العربية. والنظر هنا للعقوبة لا يجب أن ينحصر في زاوية الضحايا، ولكن يجب أن يتم من زاوية وضعية القوانين والأحكام، فالقضاء والقوانين هي منتج إنساني بحث، لا يمكنه أن يخلو من احتمالات معاقبة الأبرياء ولا ترجمة الحسابات الشخصية إلى عقوبات قانونية، بل إن سيد الأدلة الذي هو الإعتراف، قد يخضع لضغوط نفسية قد يمارسها المتهم على نفسه لا ثبوت فيها لحقيقة، والواقع هذا يزداد حدة في ظل عدم إحترام القانون وسيادته العادلة على الجميع. وبالتالي فباعتماد لغة الاحتمالات وقدسية الروح والعدالة، فالأسلم يكون تفادي الوقوع في الأخطاء الإنسانية بإنهاء عقوبة الإعدام بشكل نهائي. ومحاولة التفكير في صيغ أخرى لجزر المذنبين.

العالم تقدم تكنولوجيا بما يكفي لإثبات الأدلة على المعتدين على القانون والأشخاص، بل إن التقدم البيولوجي بات على مشارف إعلان العلاقة بين الحس الإجرامي وخلايا بيولوجية بعينها، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية القضاء على الشر قبل أن يصنع الشرير، أمّا حصر الموضوع في معاقبة المذنب دون آدمية فما هو إلا ذنب جديد يجرّده من آدميته، ويصنع منه مجرمًا حقيقيًا، لكن هذه المرة، بهامش حريّة أقل في اتخاد قراره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد