«هذا العالم العربي الذي ما زال يعد عدوًا؟ هذا هو الصراع. أنا أيضًا كنت حينذاك وعلى الدوام غارقًا في الصراع. مثلًا، وضعي كمهاجر جديد كان مختلفًا عن وضع المهاجر الروماني الذي يسكن بجواري. لو كان لديّ شعور بالدونية لقلت إن الرومانيين الإشكنازيين يحتضنون أما نحن فيرموننا، لأننا شرقيون. أنا رأيت هذا الجانب، ولكن ليس فقط هو. الصهيونية منذ بدايتها كانت قائمة على النظرة الاستعمارية الأوروبية تجاه الشرق العربي، والعلاقة باليهود القادمين من البلدان العربية، اليهود العرب، لم تكن مختلفة عن العلاقة بالعرب، وإن كان هناك القليل من التعاطف لأنهم ينتمون للشعب المختار. لديّ مشكلة مع النظرة الصهيونية الأصلية، أن تكون جدارًا لثقافة الغرب ضد الشرق وبربريته. عرفت هذا من الأيام الأولى في إسرائيل ولهذا أحسست أن لدي دورًا، أن أقرّب إسرائيل وأفتحها تجاه الشرق. لهذا أصبحت إسرائيليًّا».

«شمعون بلاص/ أديب إسرائيلي من أصل عراقي»

حينما نتكلم عن اليهود تذهب الأذهان العربية إلى «إسرائيل» بسبب الصراع العربي الإسرائيلي الذي ما يزال المعضلة الرئيسية نحو السلام في الشرق الأوسط، ناسين أن اليهود جزء لا يتجزأ من تاريخنا العربي، حينما نتكلم عن اليهود فإننا نتكلم عن ماضينا المشترك وعن أجزائنا المفككة التي فشلنا في توحيدها وعلقنا عليه كل مصائبنا وأخطائنا.

صحيح أن اليهود لم يلعبوا دورًا بارزًا في تاريخ الثقافة العربية إما بسبب العنصرية تجاههم وإما لحشرهم في زاوية الأقلية من قبل تلك المجتمعات وشعورهم الدائم بالخوف. لكن هذه العنصرية ليست في التراث العربي الإسلامي القديم بل إنها مستجدة على العرب والمسلمين، ولنا في التاريخ عبرة وأمثلة كثيرة حينما شن المسحيون حروبًا لإعادة أيبيريا لهم في قرطبة 1236 وإشبيلية 1248 نهاية بسقوط دولة بني الأحمر في غرناطة سنة 1492، وخرج المسلمون من الأندلس لم يخرجوا بمفردهم، وإنما خرج اليهود الذين كانوا في أوروبا في ذلك الوقت مع المسلمين وتحت حمايتهم، وقد طردهم مسحي أوروبا ليذهبوا إلى شمال إفريقيا، بالإضافة إلى يهود الشرق الذين كانوا موجودين منذ دخول الفينيقيين إلى الجزائر قبل عودة اليهود من الأندلس بألف عام، وفي المغرب أيضًا وهذا يدل على أن اليهود كانوا حاضرين في التاريخ العربي الإسلامي، ولم يمارس ضدهم أي شكل من أشكال التميز أو العنصرية في هذا الوقت الذي كانت ثلثا الأرض تحت الخلافة الإسلامية العثمانية آنذاك، واستوطنوا إلى جانب العرب المسلمين لأن سماحة الإسلام كانت تحكم في ذلك الوقت، ولا أرغب في أن أخوض في أخطاء الدولة العثمانية في ذلك الوقت، لأن الطابع الغالب كان التعايش والتسامح.

مع بداية الاستعمار للدول العربية التي استخدمت سلاح الأقليات في تفكيك تلك الدول من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية لكنها تركت إرثًا ثقافيًّا لدى تلك الشعوب، نعاني من تلك الثقافة حتى الآن التي أصبحت مصدر الصراع والكراهية في الشرق العربي، إنني أتساءل لماذا شكلت المجتمعات العربية والإسلامية في الماضي البعيد ملاذًا آمنًا لليهود الهاربين من الأندلس، ولماذا عملت على إقصائهم في الماضي القريب؟ هل من العدالة أن نتجاهل كل تاريخ اليهود وحشرهم في كتلة واحدة وخانة آراء إسرائيل؟ أليسوا عربًا مثلنا، عربًا يهودًا؟ « كما قال الرئيس الليبي معمر القذافي حينما عرض أن يعودوا إلى الدول العربية لأنهم عرب يهود، لماذا نفشل الآن في خلق بيئة آمنة للأقليات العربية، إنها إشكالية نعول على الغرب فيها لكنها في الأساس هي نتاج ثقافي، هل على هذه الأقليات أن تبقى عربية لو، في المقابل، كانت ترتعش خوفًا على حياتها ومستقبل أطفالها ودائمًا ما تنكر هذه المجتمعات حقها في الوجود الطبيعي؟».

أسئلة كثيرة تُطرح علينا كعرب بمناسبة الحديث عن يهود العالم العربي، والكثير منها متعلق بإنشاء إسرائيل على أرض فلسطين. ولكن إذا ما تركنا تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي جانبًا قليلًا، ودققنا النظر في علاقتنا باليهود الذين ساهموا في بناء المجتمعات العربية، هل يمكن أن نستطيع أن نوفر لهم بيئة آمنة في وقتنا الحالي كمحاولة للتعايش المشترك؟ هل يمكن أن نفعل هذا تجاه الأقليات المختلفة في الوطن العربي التي ترفض الأغلبية حقها في التعايش الطبيعي وممارسة حقها في الوجود ؟

كان اليهود العرب جزءًا من المجتمعات العربية. فقدنا هذا الجزء منذ عشرات السنوات، والآن هنالك خطر حقيقي يهدد بفقدان أجزاء أخرى. هل تعتبر المجتمعات العربية من تلك التجربة وتحاول بناء جسور ثقافية فيما بينها لتدارك ما حدث في الماضي؟ هل يمكن أن نصبح مرة أخرى «عربًا» فقط؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب العرب واليهود تأليف د. أحمد سوسة
كتاب التاريخ الحقيقي لليهود تأليف نجيب زبيب
عرض التعليقات
تحميل المزيد