كيف تشارك الصحافة الرداءة؟

لم يعد مهمًا عند المسلمين اليوم أن يحكمهم رئيس أو ملك على غير الديانة الرسمية أو المعلنة في الدولة أو حتى ملحد لا يؤمن بأي خالق للكون، بل أكثر ما يهم الفرد داخل الدولة هو حصوله على حقوقه المهضومة حتى ولو كان بيد العدو، وبالتالي أصبح خطر التكفير على مستوى العقيدة للحاكم في الدولة لا يهدد سلطانه كما في سابق العهد.

في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، كانت أولى بدايات حملة التكفير التي ظهرت بموجبها مجموعات من شيوخ السلطان وعلماء البلاط الذين يدافعون عن الحكام وفجورهم وتهورهم والحيلولة عن الخروج عنه، حتى بلغ الأمر إلى أن نسمع من داعية سعودي – عبد العزيز الريس – أنه لا يجوز الخروج عن الحاكم حتى لو زنا بمومس نصف ساعة على التلفاز، أو كان يشرب الخمر.. إلى آخره. ولأنه من الحرية الشخصية التي غزت العالم الإسلامي باسم العولمة، فيمكن أن يقوم الحاكم بما يحلو له دون اعتراض من الرعية حتى لو جلدك وأخذ مالك كما يقال.

اليوم المسألة مختلفة تمامًا، لم تعد عقيدة الحاكم مسألة مهمة عند الشعب بقدر ما يهمه نشاطه وإنجازاته ومدى سعيه لإحقاق الأمن والعدالة الاجتماعية والتنمية وتقديم الفرص والاهتمام بالمصلحة الوطنية، وهنا كانت الحاجة إلى سلاح الدفاع والهجوم، مخالف لما سبقه والمرتبط بالدين، وهنا يبرز دور الإعلام في تمجيد القائد وإنجازات القائد وقرارات القائد وتثبيت فكرة قائد الدولة والمساس بشرف القائد هو عينه مساس بالدولة والخروج عنه هو الخروج عن الدولة ذاتها حتى لو كان الخارج عنه هو الشعب كله.

وبحكم أن القادة العرب ليس لهم مرجعيات سياسية واقتصادية وثقافية لبناء برنامج دولة كامل متكامل بمعنى الحكم بالمزاج والفوضى، يأتي دور الإعلام في البحث عن ضحايا لإلقاء تهم فشل التسيير والفساد المستشري الذي لم تسلم منه أية دولة إسلامية وعربية، بحيث يتم التضحية برئيس الوزراء واتهامه بالتقصير باعتبارها مفارقة عجيبة كون الرئيس حريصًا ولا ينام الليل ساهرًا على أمن الدولة ومشاريعها، فكيف يعبث به في مبالغ لا تحلم بها بعض الدول الغنية؟

يعتبر الإعلام الرسمي والخاص العربي من أسوأ المراجع التي تكذب بصدق وتحرف وتحور الحقائق أمام الأعين، شغلها الشاغل إدخال فكر الخضوع والخنوع والركوع في روع المواطن من أجل حماية أمن واستقرار الدولة، ولعل أبرز هذه النماذج يتصدرها الإعلام المصري الذي يهتم بالبحث عن أقذر التعابير، وخاصة المهينة منها، للشماتة والرد على أبسط الانتقادات وأهمها تصنيفهم في خانة «الإخوان المسلمين»، في المقابل التهليل والتكبير والتسبيح بحمد رئيس انقلب على الشرعية وقتل وسجن وعذب وأعدم المصريين وذبح الثورة والاقتصاد لدرجة أنها من الوضوح بحيث لا ترى.

والتلفزيون السوري يحتفل بانتصارات متتالية للشبيحة على الشعب السوري الذي يعتبره إرهابيًّا لأنه قال كلمة «ارحل» لطاغية يدعي «الممانعة والمقاومة»، والشعب الذي تحمل قذارة حكم هذا الرئيس لم يتحمل الرئيس منه كلمة صبي صغير كتبها على جدار مدرسته، لكن في المقابل تحمل انتهاك الطيران الإسرائيلي للأجواء السورية 2003، والأخص القصر الرئاسي بدمشق في 2006، والأكثر من ذلك تحمل القصف الإسرائيلي على محافظة دير الزور سنة 2007، لكن الأسد احتفظ بحق الرد الذي كان الشعب السوري أولى به، فنال التقتيل والذبح والتشريد ومخلفاته من اليتامى والثكالى والأرامل والمعطوبين من الشعب السوري، من  خلال الحرب على الإرهاب التي تدعيها آلة القتل، وكان الواقع مشروعًا حسب الإعلام.

هذه الآلية تعتمدها كل الأنظمة العربية، وقذارة الإعلام تنسحب عليهم جميعًا، فما الإعلاميون والصحافيون خاصة في طابعهم الرسمي إلا أدوات تشغل على مزاج السلطان، ففي الجزائر نفس القنوات كانت تحيي الميت وتسيّر المشلول وتقدسه، هي نفسها اليوم من تحمل وزر الفساد المستشري في الجزائر، بل إن بعضها اتهمت الرئيس الحالي بالفاسد المفسد لما أقيل عن رئاسة الوزارة.

يتلقى المستمع أو المتلقي عموما أكاذيب ومعلومات تشمئز من فجورها مردة الإنس والجن، لا يرون في تغيير موقفهم بين ليلة وضحاها عيبًا أو إساءةً أو إهانةً لهم ولمهنتهم التي هي في الأصل مهنة شريفة، فهم مجموعة من ربوطات الإنس يقضون حاجاتهم البيولوجية لقاء العبودية والخضوع والخنوع التام للسلطان، حتى لو كان في ذلك إهانة للشعب والدين والدولة.

في برامج نقدية لمشاريع التنمية في الدولة على أساسها المناطيقي لن تسمع كلمة تدين فيها رئيس الدولة أو وزراءه أو حتى الولاة، بل وإن حدث ذلك سيكون ذكرهم ضمن سياق الاستغاثة بهم، ولكن المسؤولية سيتحملها مجموعة منتخبين في الجماعات المحلية (البلديات، الولايات، المحافظات) ويلقى عليهم اللوم الكبير رغم أنهم لا يملكون من أمر السلطة شيئًا.

وعليه أبرز سمة يمكن إطلاقها للإعلام اليوم هو «السلطة الخاضعة» بدل «السلطة الرابعة»، لأنها تفتقد لأدبيات العمل في نطاق الحرية بعيدًا عن الإيعاز وصناعة الأحداث وفبركة الصور والفيديوهات بما يتماشى مع منطق الاستبداد السياسي والتضليل الإعلامي وتجهيل وتغييب الحقيقة عن الجماهير.

ويتم تعزيز دور الإعلام الخاضع للحاكم بما يعرف بـ«الذباب الإلكتروني»، ووظيفته خلق فجوة فكرية وطائفية وعرقية بين المجتمع الواحد والحلول دون إجماعه على فكرة وموضوع وحدوي أو ثوري، فالدولة تدعم وبسخاء من يبيض وجهها الأسود ولو بالمكاشفة القليلة للسلبيات التي تكتنفه مع إلقاء الحصة الكبيرة من اللوم على ضحية لا سلطان لها ولا قوة (التضحية من أجل القائد).

وفي الختام، فالحلال بيّن والحرام بيّن، وقد تبيّن الرفيع من الوضيع والصالح من الطالح، فمعركة التحرر تبدأ من النفس. {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وعقدنا العزم على الحرية ودرء الفاسدين وعلى الله فليتوكل المتوكلون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد