في الثلاثين من مارس كل عام، تحي فلسطين ذكرى يوم الأرض الذي يرمز لواحدة من أكبر عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية التي وقعت عام 1976. ولا أعتقد أن هذا هو التاريخ الوحيد الذي يمكن أن تحي فيه فلسطين ذكرى الأرض. ولماذا في الأصل هي ذكرى إذا كانت سرقة الأرض هي جرم يومي ترتكبه إسرائيل للاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية؟ ولا يتوقف فعل السرقة على الأراضي الخالية أو الأراضي الزراعية، ولكن يهدم الاحتلال منازل القدس، ويشرد أصحابها من أجل تهويد المدينة دون رادع، وتحت مرأى ومسمع من العالم أجمع.

وإذا تحدثنا بلغة الأرقام سنجد وفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن إسرائيل تسيطر على 85% من أراضي فلسطين، بينما لم يعد يتبقى سوى 15% من الأراضي التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. مع العلم أن هذه النسبة آخذة بالانخفاض مع استمرار عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية التي تحدث كل يوم، عبر هدم المزيد من المنازل في القدس، والاستيلاء على المزيد من أراضي الضفة الغربية. إلى جانب مخططات توسيع البؤر الاستيطانية. ففي العام الماضي وافقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على 115 مخططًا استيطانيًّا جديدًا لبناء أكثر من 5,000 وحدة سكنية في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وقد كنت أتساءل باستمرار عندما كانت تخوض فلسطين حربًا دبلوماسية دولية للاعتراف بحقها في الوجود كدولة: أين هي أرض هذه الدولة إذا كانت معظم الأراضي الفلسطينية أصبحت تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف السبيل لإعلان قيام دولة وهي قائمة بالفعل ولكن أرضها محتلة؟ وبدلًا من أن نطالب بتحرير الأرض ورحيل الاحتلال أصبح العرب يبحثون عن بعض من بقايا فلسطين كي يقنعوا العالم بالحق الفلسطيني في أن تكون دولة، وحتى اليوم لم يقتنع العالم، ولم تدان إسرائيل، ولم ينته الاحتلال، ولم تتوقف سرقة الأرض الفلسطينية.

حتى مدينة القدس التي كانت وستظل قدسنا العربية، لم نستطع الحفاظ عليها عاصمةً لفلسطين حتى في جولات المفاوضات مع الاحتلال في المحافل الدولية. وبعد أن كان الحديث عن القدس، أصبح العرب والسلطة الفلسطينية نفسها تطالب بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، فأين ذهبت القدس؟ وأين هي الدولة؟ وأي تطبيق للقانون نرجوه من العالم؟

في ذكرى يوم الأرض، هل يقف همنا العربي عند حدود البحث عن الأرض الفلسطينية؟ وما المجدي في البحث إذا كان زعماء العرب ما زالوا يقدمون خطبهم العصماء المليئة بكلمات الشجب والإدانة لتتردد في اجتماعات القمم العربية، وهم يبرمون في الخفاء والعلن اتفاقيات التعاون مع العدو؟

وبدلًا من أن يستشعر العرب عار الصمت لضياع أرض فلسطين، حولناها لذكرى بكائية عربية نتشاطر فيها الخطب الرنانة. ولكن الواقع يشير إلى أن التجربة أعجبتنا فقررنا تعميمها على أراضينا العربية، فتراها أين تكون أرض العراق؟ في بغداد أم الموصل أم أربيل؟ وأين هي أرض سوريا؟ في دمشق أم حلب أم الرقة أم عين العرب؟ وما هي خريطة تقسيم أراضي ليبيا واليمن؟ وكم من أرض عربية أخرى ستضيع وستقسم؟ وكم من شعب عربي آخر سيباد وسيشرد؟ وإن كنا استوعبنا الدرس الفلسطيني، ونعرف قيمة الأرض، لماذا نضيع أرضنا العربية؟ ولماذا تفرغنا لقتال بعضنا البعض، وفقدت أسلحتنا طريقها لقلب العدو؟ ولماذا نفرط في إرث ومستقبل أبنائنا وأحفادنا ونرتضي تشريدهم في دولة الخيام على الحدود بلا أرض وبلا وطن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد