باريس (الكومونة)، مهد الثورة والديمقراطية وحقوق الإنسان والليبرالية، باريس أول من وقف في وجه المؤسسة الدينية الجاثمة على حقوق وحريات الشعب، هناك وفي كل أزقات الشوارع وحاناتها المشهورة ترى بوضوح أبسط معاني الحرية -مثل ارتداء النساء لما يحلو لهم بلا قيود – و أكثرها تعقيدا – رجل ينهال بالسباب على رئيس البلدية الجالس في حانة – باريس هي يوتوبيا السياسة لكثير من العرب، وإليها تصبوا عيون الليبراليين والعلمانيين، بها جالية عربية كبيرة من كافة الجنسيات، وفيها أيضا يعبر العرب عن آرائهم بكل جرءة و وضوح، فالملحد يعلن عن نفسه على الملأ، والليبرالي المضطهد في مجتمعه الإسلامي يطالب بتطبيق العلمانية بدون خشية التكفيير، بسبب عيشي في هذه المدينة، واحتكاكي بشكل مباشر بالحقوقيين والمفكرين العرب وغيرهم من المثقفين، وجدت ظاهرة تجتاج الوقوف عليها ودراستها بشكل حيادي وعلمي.

لقد كونت لنفسي مجموعة من الأصدقاء العرب في أوروبا بعضهم علماني وبعضهم ليبرالي، ومنهم المثقف، ومنهم الذي اتجه لهذا الطريق بشكل لا فكري، بل اجتماعي، المهم في الموضوع هو أن هؤلاء الشباب – ليس الكل طبعا – يسودهم اعتقاد أنهم ارتقوا فكريا باتخاذهم هذه المسارات، البعض مثلا يرى أنه مشكلة العالم العربي هي الدين بشقيه الإسلامي والمسيحي، ويرون أيضا أنه باتخاذهم مسارات لا دينية، فهم قد وجدوا حل الإشكالية المتمثلة في الجهل والتطرف، طبعا منهم من اتخذ هذا الطريق – وأنا هنا لا ألومهم ولا أنتقدهم، ولا حتى أحاول أن أحكم على اختياراتهم – لا لدواعي فكرية فلسفية عميقة على قدر ما هي محاولة تقليد الغرب العلماني لإعجابهم بمستوى الانفتاح، وما يعتقدون أنه مجتمع ذا سقف حرية عال يستوعب الجميع، فالمار بالقارة عجوز أيا كان، ليس له إلا أن يعجب بالتجربة الديمقراطية وانعكاساتها على المجتمعات إيجابا، خصوصا عند الحديث عن مستوى الحرية الشخصية واحترام حقوق الإنسان بشكل لا نظير له على مستوى العالم، وبالتالي فمن المتوقع لمن يعيش أو عايش مجتمعات مغلقة فكريا تنعدم فيها الحقوق البسيطة للإنسان وأولها الحرية الشخصية أن يبهر بتلك المجتمعات المستوعبة للتعدديات، لكن ما فشلت فيه نسبة ليست بسيطة من طبقة العلمانيين والليبراليين هو إيجاد هويتهم الشخصية التي لا يجب أن تضيع أو تتماها تماما مع هوية الغرب، بل إن بعض هؤلاء الأشخاص لم يعرفوا حقا أنهم لا هم علمانيون، ولا هم ليبراليون مضمونا، بل فقط شكلا لإتاحة متنفس لهم للتخلص من قيود مجتمعهم الأم، وهنا أنا فقط أتحدث عن ظاهرة وسط طبقة العلمانيين والليبراليين، وليس عن الطبقة ككل.

الحرب مع الدين

التجلي الواضح أنه عند الحديث مع أحد هذه الطبقة، هي المعاداة الشديدة لأنظمة القمع والاستبداد في بلدانهم من جهة، ومعاداة أوجه الفكر الديني، سواء الاجتماعي أو السياسي، بمعنى آخر يجد هؤلاء في الدين عدوا لما يؤمنون به من حريات وحقوق إنسان، ودولة ذات مجتمع حاضن للتعددية الفكرية، إن نظرة سريعة وبدون تعمق للأوضاع المجتمعية كفيلة باستنتاج استخدام العامل الديني في تكميم الأفواه، وتقييد الحريات، وحتى دعم سلطات الاستبداد، لكن من يؤمن بالديمقراطية والليبرالية، وحتى العلمانية، ومن يملك مستوى أدنى من الثقافة، لا يجب أن يقع في مغالطة مهاجمة الدين واعتباره سبب التأخر الذي يعاني من الوطن العربي؛ فكما يقول المفكر الفرنسي مارسيل غوشيه (البعد حداثي) – وهو منظر للعلمانية – أنه حتى المجتمعات التي يحاول فيها الأصوليون فرض معتقداتهم على المجتمع مثل أفغانستان وبعض الدول العربي، فالأمر لا يتعلق بالدين، ولا يجب أن يلام عليه لأن الأمر متعلق أصلا بغياب المنظومة الديمقراطية، فالدولة والمجتمع التي يغيب عنها الحيز السياسي العام، يغيب عنها مبدأ التعددية والتحاور والتعايش السلمي بين مختلف الأفكار.

والنتيجة أن كل الأطياف الفكرية السياسية، سواء علمانية أو دينية او ليبرالية ستحاول فرض نفسها ومعتقداتها على الآخرين، وهذه الظاهرة يجب أن تكون حاضرة عند تلك الطبقة المذكورة، لكن عند الحوار مع بعض الفئات المحسوبة على العرب الليبراليين والعلمانيين، وفي خضم حوار سياسي أو فكري، إذ بهم يهاجمون الدين، أو قد يصل التهجم إلى شخص الرسول مثلا، أو كيل السباب للدين، في تناس واضح أن هذا ضد جوهر الليبرالية التي تحترم كل الأديان والأفكار والأيدوليجيات، بل يذهب البعض للتأكيد على وجوب اجتثاث الدين في معارضة صريحة لقيم المجتمع الغربي المعجبون بها، هذا التطرف وجد طريقه حتى لتشويه التاريخ الإسلامي أيضا في خضم حربهم التحررية التي تكون أول معاركها الدين، متناسين السياق التاريخي وما بنته حضارتهم السابقة؛ فتجدهم ينتقدون شره هارون الرشيد، ويشيرون لاستبداده، بالرغم من أن عصره شهد أكبر مراحل التطور العلمي والأدبي – تناولت موضوعا عن الفارق الحضاري الرهيب لصالح هارون الرشيد على شارلمان – في حين أن الأوروبيين اليوم يتفاخرون بشارلمان الذي تقل إنجازاته العلمية بكثير عن ما أنجزته دولة الرشيد، بل كان يحكم من البابا، والمستغرب أنه أحد أعمدة العلمانية الحديثة هي العلم، واعتباره محرك الأساس في النهضة، لذا فعادة ما تكون النظرة المادية هي السائدة، بمعنى أنه من وجهة نظر العلمانية الحديثة يكون التقييم مبني على معيار التقدم العلمي والاجتماعي أكثر، وهنا بكل سهولة نستطيع من وجهة نظر حداثية أن نعتبر هارون الرشيد، وما أنجز في عصره شيء يحترم ويقدر بغض النظر عن استبداده في الحكم، طبعا هذا مثال مجرد.

هل العلمانية تطالب بالتخلي عن القومية؟

أتذكر حتى حوارا مع رجل عربي – دون ذكر الدولة – ينفي عن نفسه القومية العربية أو الإسلامية، ويقول لي في خضم حوار بأنه فلسطين لا تعنيه على قاعدة أنها دولة أجنبية مثلها مثل أي دولة أجنبية أخرى كاليابان، طبعا هذا التهرب الغريب من حاضنته الاجتماعية وثقافته الأصيلة كانت مبنية كما يعتقد هو على فكرة الغرب الأوروبي العلماني القائم على نبذ القوميات، غافلا أن الفكر الأوروبي يدور حول تهميش القومية المحلية لصالح قومية أعم وأشمل تستوعب شعوب المنطقة على أمل خلق أرضية مشتركة مبنية على أسس فكرية وجغرافية ومصالح مشتركة وهي طبعا الوحدة الأوروبية وهي شكل موازي لفكر سبق الاتحاد الأوروبي – تأسس في سنة 1993 – وهو فكر القومية العربية – تأسست الجامعة العربية سنة 1945 – لذا فالرجل العربي خرق أيضا أحد أهم مبادئ التحررية والعلمانية التي على أساسها تبرأ من دولة عربية يجمعه بها صلات دم وهوية وتاريخ وقرابة ومصالح مشتركة.

بيئة واحدة.. نتاج واحد.. مشكلة الإقصائية

إني فعلا لست مصدوما بكل التناقضات التي تعيشها هذه الطبقة التي وإن صبغت نفسها بلون التحررية والتقدمية بكل أشكالها العلمانية والليبرالية فهي طبقة تظل نتاج لنفس بيئة مجتمعاتنا وعليه فإنهم يعانون من نفس مشاكل الإقصاء وعدم احترام الرأي الآخر والتعصب الفكري، والناتج أنهم يبقون جزء من منظومة القهر الفكري غير القادرة على التغيير أو التقدم بمجتمعاتنا، وهنا يتساوى العلماني مع السلفي في مبدأ الأصولية ورفض الآخر، والأهم محاولة الهيمنة، لذا فالمطلوب من هذه الفئة المثقفة الكف عن تشويه موروثها ومعادات مجتمعاتها ومحاولة استنساخ أفكار الغرب وتطبيقها على دول ذات ظروف وقيم وسياق مختلف، المفكر المصري عبد الوهاب المسيري تحدث عن خطورة الاستنساخ التي تبدأ بفقدان الهوية، لأن استنساخ أي شيء يعني طمس للأصل من جهة، وتنتهي بالفشل لأن ظاهرة الاستنساخ لا يمكن أن تنجح عند الحديث عن غياب العوامل المشتركة، وهنا يؤكد المسيري على فكرة أنه الاستنساخ أيضا يؤدي للتأخر، ولذا فهو لا يحل مشكلة التخلف؛ لأنه مثلا عندما تدعو طبقة المثقفين المذكورة لاستنساخ العلمانية في الوطن العربي للحاق بركب الغرب، فان الغرب نفسه يعيش اليوم عصر ما بعد العلمانية، وإذا أردنا استنساخ الحداثة، فأوروبا تعيش اليوم، بل تناقش ما بعد الحداثة وبداية عصر جديد، من كتاب الحداثة وما بعد الحداثة.

تقبل الخطاب الديني

الحديث في أوروبا يدور اليوم على ما بعد العلمانية والحداثة، بل وعن عودة الدين واعطاءه الحيز المستحق، ليس كفكر جامد، بل كفلسفة ومنظور اجتماعي وثقافي، ولذا فمن غير المستغرب أن أكبر دول أوروبا والمدافع العضيد عن حقوق الإنسان – ألمانيا – تحكم من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تترأسه ميركل العضوة اللوثرية في الكنيسة الإنجيلية في برلين، والتي تعتبر أطول رئيس حكومة في تاريخ أوروبا المعاصر، الحزب عمل على إعادة النظر في العلاقة الدينية بالسياسة من جهة والتعامل مع الدول والمجتمع كفكر مساو للباقي الأفكار والانتظام داخل مؤسساته وقواعده السياسية وفقا لفكر المفكر الألماني شلايرماخر، وهذا لا يعني انتهاء الدين، بل انتهاء نظرة الاستعلاء الديني بما أن الموجه السياسي في الحزب الديني يبقى بشريا، لذا فالمطلوب الثاني من طبقة علمانيي وليبراليي العرب، وخاصة المغتربين، هو أن يقتدوا بالمفكر الألماني الماركسي قديما والليبرالي- ديمقراطي فيما بعد، يورغن هابرماس، الذي يعتبر من أشد المؤيدين للتوجه الليبرالي وقال عنه وزير خارجية ألمانيا أنه فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة، هابرماس طالب من العلمانيين في كتاب الطبيعة والدين أن يظهروا تسامحا أعلى مع الدين وخطابه، وأن لا ينتظروا أو يحاولوا اجتثاث الدين من الحيز العمومي، وعلى أن يعترفوا بالحقيقة المحتملة التي يحلمها الخطاب الديني، بل أن يساعدوا الدينيين على توصيل وتفعيل خطابهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد