مع ما تمر به المنطقة العربية من أزمات، تظهر العديد من الأفكار التي يرى متبنوها فيها الحل لمشاكل المنطقة. تعتبر الليبرالية من أكثر الأيدلوجيات رواجًا وإثارة للجدل خاصةً مع وجود التيارات الفكرية المحافظة والتي ترفض حتى مناقشة الليبرالية كفكرة. إن مبادئ الليبرالية قد تمثل حلًا لكثير من مشاكل الدول العربية، إلا أن المثقفين العرب –أو من يظنون نفسهم كذلك– ممن يتبنون الليبرالية ينحصر فكرهم في استنساخ التجربة الأوروبية جهلًا أو تجاهلًا لاختلاف حال أوروبا في العصور الوسطى والواقع العربي ومفاهيم الليبرالية وكيفية تطبيقها لإصلاح حال أمة بعينها. إن التقليد السطحي لليبرالية الغربية لا يمكن أي يكون الحل كونه لا يأخذ بالحسبان خصوصيات الدول كما أن الدعوة لها في غياب الوعي والإيمان بمبادئها ينتج عنه فكرٌ يقمع الحريات الأساسية ويتباهى بالسماح بالمسلَّمات أو التفاهات مدعيًا أو ظانًا نفسه من دعاة الحرية.

تنادي الليبرالية بالحرية الدينية والتي تكفل لكل فرد أن يتبنى أي معتقد ديني ويمارسه كيفما شاء ومتى ما شاء وأينما شاء طالما أنه لا يعتدي على الآخرين أو يدعو لذلك. إن الهدف من جعل الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر الدينية أمرٌ شخصيٌ هو غلق الباب أمام استغلال الخطاب الديني لإشعال النزاعات. المشكلة في الليبراليين العرب هي أنهم يتبنون خطابًا متناقضًا مع خطاب الحرية الدينية حين يتعلق الأمر بالدين الإسلامي. فعلى سبيل المثال نجد أن الهجوم على النقاب والحجاب ومن يرتدونه من أكثر ما يردده الليبراليون رغم أنه يندرج تحت الحرية الدينية وحرية المرأة. بالإضافة لذلك يدعو كثيرٌ من الليبراليين إلى سن تشريعات تحرم الناس من تسيير أمور معاملاتهم كالزواج والطلاق بالطريقة الإسلامية التي ألفوها وارتضوها كذلك يدعون إلى قوانين تضيق على الناس العبادة كيف أو متى شاءوا. إن هذا الأفكار لا تتنافي وحسب مع الحرية الدينية بل مع العلمانية –والتي يتبناها معظم الليبراليين– كونها تعطي السلطة السياسية حق التحكم في المؤسسة الدينية بدل أن تفصلهما. كذلك يتناقض الليبراليون في ردود فعلهم تجاه الإساءة لأي دين؛ فهم يلتزمون بمبادئ الحرية على حسب الدين أو بالأخص يحيدون عنها إن كان المهاجَم هو الإسلام إذ أن حينها يمكن التبرير أو التجاهل.

إن الإيمان بتطبيق الليبرالية في الحياة السياسية يعني الإيمان بإمكانية وجود تيارات سياسية متعددة ذات أفكار مختلفة يمكن لأتباع كل فكر أن يمارسوا العمل السياسي ويعبروا عن آرائهم ويسعوا إلى الوصول إلى السلطة حتى وإن لم يكونوا مؤمنين بالفكر الليبرالي طالما أنهم لا يصرحون بأفكار متطرفة. الليبراليون العرب -وعلى الرغم من تأكيدهم إيمانهم بهذا الفكر- يشيطنون أي فكر لا يتفق معهم باتهامه بالتكفيري أو الرجعي أو الديكتاتوري أو المتطرف… إلخ. ليس إطلاق شعارات الليبرالية ثم منافاتها بدعوات لتكبيل الحرية مقتصرًا على الحياة السياسية والدينية بل هو يمتد أيضًا للحياة الاجتماعية والشخصية. يحوي الخطاب الليبرالي العربي في كثير من الأحيان على رغبة في تطبيق نمط حياتهم -والذي يكون نمطًا غربيًا خالصًا- على الآخرين باعتباره الصواب أن ما غيره ضربٌ من الرجعية.

ليس العيب في الليبرالية، لكن العيب في الجمود الفكري لدى العرب والذي يجعل اختياراتهم محصورة في عدم التغيير أو استساخ تجارب الماضي الناجحة أو تجارب الآخرين الناجحة. إننا بحاجة لإنتاج فكرٍ جديد قائم على إدراك عميق للواقع ومسبباته الفعلية وبثقافة حقيقية –ليست نتاج قراءة بضعة كتب– مستفيدين من تجاربنا وتجارب غيرنا. إن هذا الفكر يجب أن يكون شاملًا لكل نواحي الحياة ويتناسب مع خصوصيتنا ولا يتخلى عن قضايانا الراسخة؛ بهذا يمكن أن نصنع ليبرالية حقيقية تخصنا نحن أو ننتج أي فكر آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد