الإعلام العربي يعيش أزمة انفصام هويّة حقيقية. على مستوى الرسالة والمضمون والصيغة والشكل وحتى الولاءات. وهو في اختلال دوره يشكل تهديدًا حقيقيًا على المجتمع في طموحه للارتقاء بذاته وعلى الاستقرار نفسه أيضًا. وحتى نفهم عمق إشكالية الإعلام العربي، يجب تمعن صيغه المتاحة والتفحص في طريقة صناعة خطابها.

الإعلام العمومي العربي هو في غالبه إعلام رسمي لا يجمعه بالعمومية غير مصادر التمويل. وهو غارق في محاباة السلطات التنفيذية بشكل مبالغ فيه يقتل المصداقية و يجعل المضمون دون أهمية. ولو كان بالإمكان ضبط أرقام المشاهدة في المنطقة العربية لظهر جليًا أن القنوات المحلية المسمات بالعمومية يمكن وضعها في خانة هدر المال العام لا غير، بل وإفساد الذوق العمومي عبر رداءة المنتج وهذا ما يفتح الباب أمام توغل الإعلام الخاص إلى كل البيوت العربية.

الإعلام الخاص عمومًا هو صوت لرأس المال، وهذا الارتباط يصل مستوى التلاحم في الوطن العربي. فالقنوات الخاصة تحولت إلى منابر للحروب الإعلامية تخدم اجندات محددة واضحة المعالم، بل تغير خطاباتها وفق المزاج السياسي لدافع رواتبها. وهي بذلك تصبح أداة صناعة مواقف غير حيادية، وسلاحُ تَوجِيه للرأي العام نحو مصالح بعينها. بهذا الواقع يصبح أقل نبلًا من الإعلام الرسمي الذي يحمل على الأقل هدف خدمة الاستقرار الذي يعنينا جميعًا، ولو كانت صيغته غير عادلة.

الإعلام العربي بشقيه العمومي والخاصّ لازال يعيش أيضا أزمة الانتقاء فيما يتعلق بالموهبة، فالكفاءة تظل معيارًا كثير الغياب في استئجار الأصوات. والتغريد خارج سرب الخط الإعلامي كفيل بإخراج صاحبه من سرب الإعلام بأكمله. الإعلام العربي لم يرتق بنفسه إلى مستوى احترام نبل الرسالة المهنية عبر لعب دوره الحقيقي كسلطة رابعة تَسندُ سلطة العدل، بل تَنازل عن هذا الدّور ليصبح مجرّد تابع يخدم مصالح سلطات أخرى أو أداة في يد الطامحين لبلوغها.

أمام هذا الواقع، ظهرت تلقائيا قيمة الإعلام البديل، الذي بات بضعف إمكانياته يشكل منبرًا للرأي والرأي المخالف، وصوتًا أقرب للمواطن يجد فيه متنفسًا أحيانًا لما يخالجه في صمتٍ الخروج منه قد يكون وخيم العواقب. ورغم أن هذا المجال مفتوح أمام القيمة والرداءة معًا، إلا أنه بات منبرَ إبداعات تفرض وصولها لشاشات كثيرة، وساحة إعلامية تحترم كل الأذواق وتضمن للمتلقي حقّ المقارنة و الاختيار. ومع أنّ الإعلام التقليدي قد هاجر بكل نواقصه نحو العالم الرقمي ليزاحم الوافدين الجدد ويضمن عدم صناعة نموذج منافس، فإن الاعلام الجديد يملك الفضل في تحرير الألسن التي هي مفاتيح القلوب والعقول. ولعلّ الحرب المعلنة ضد المضامين الإلكترونية عبر منع المواقع وفرض الرّقابة على المضمون، وتجنيد أنامل وأصوات لشن حروب تصنع الجدل حول المنتج وتكيل له النقد، بل السباب في حال تعارض مع فكر مستأجريها، لدليل على قدرة الإعلامي الإلكتروني على إزعاج السلطات والجهات التي باتت تراه خطرًا. الإعلام الجديد حرر أيضًا مهنة الصّحافة وجعلّ كلّا منها صحافيًا من موقعه يملك حق نقل الخبر وصياغة الرأي ونشره والتفاعل مع الغير حوله. الإعلام الإلكتروني حرّرنا من احتكار ألسنة تابعة بعينها وخلق للألسن كلها مجالًا تصيح فيه وفق رغباتها الفكرية.

أصل مشكلة الإعلام العربي في غياب إعلام عمومي يفتح الباب أمام تواجد أصوات كل مكونات الوطن. ويجعل خدمة المواطن أيا كان انتماؤه السياسي أو الأديولوجي رسالته الأولى والأخيرة باعتباره دافعًا تمويله. وهذا الغياب يفسح المجال أمام طغيان العبث في المشهد الإعلامي الذي تحول إلى ساحات صراعات غير نبيلة يضيع بين تفاصيلها الفرق بين صناعة الحقيقة وصناعة الكذب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد