في ظل التطورات المتلاحقة والأحداث المصيرية التي يشهدها العالم العربي في الآونة الأخيرة، تواكب وسائل الإعلام العربية تلك التطورات لحظة بلحظة فتركز على أحداث بعينها لإخراجها للواجهة قصدًا، وتعتم على أخرى لسحبها من الواجهة الإعلامية عمدًا، وذلك وفق السياسة التحريرية لكل مؤسسة إعلامية، فنجد منها من يتبع سياسات دول بعينها، ومنها من يتبع جماعات دينية ومنها من يعبر عن أيديولوجيات أخرى، فتلجأ كل مؤسسة إلى ترتيب أجندتها بما يتوافق مع أيديولوجيتها والتيار الذي تتبعه. فنجد حارس البوابة، وهو عبارة عن رئيس التحرير في المؤسسة الإعلامية، يستقبل المعلومات والأخبار من مصادره، ثم يعيد بثها للجمهور بعد التعديل عليها، وتكييفها بما يتوافق مع السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية، وذلك حسب ما تنص عليه نظرية حارس البوابة، وهي إحدى نظريات الاتصال الشهيرة.

ومع كثرة الأحداث والقضايا في العالم العربي، أصبحت وسائل الإعلام مجبرة على وضع أولويات إعلامية للقضايا في الوطن العربي وهو ما جعل المنظر الجزائري وصاحب نظرية الحتمية القيمية، عبد الرحمان عزي يتحدث عن القضايا الإعلامية العربية في مقال له بعنوان «أولويات القضايا الإعلامية في الوطن العربي» في مجلة المستقبل العربي في عددها 500 الصادرة شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. حدد عبد الرحمان عزي أولويات القضايا الإعلامية العربية في عدة نقاط أهمها:

1- الوعي بمجال التنظير الإعلامي. ويقصد به أن كل ممارسة إعلامية لا يجب أن تكون بمعزل عن التنظير وتؤسس لرؤية معرفية علمية، وأن أي إهمال للتنظير سيجعل من الممارسة الإعلامية مشتته وخاضعة للمصادفة.

2- فك الارتباط بالمجال السياسي من دون السياسة، فالكل يعلم مدى تأثير السياسة على الإعلام والعكس، لكن عزي فرَّق بين التحدث باسم السياسة والتحدث عن السياسة، وشدد على ضرورة الاستقلال عن السياسة من ناحية التمويل؛ إذ عده أمرًا إيجابيًّا يساهم في مصداقية وسائل الإعلام.

3- ربط الإعلام بالموضعية والفصل والوصل بين الدين الأخلاق. إن ضرورة الابتعاد عن أي تعصب قبلي وطائفي وعرقي في عصر التطور والتقدم والتكنولوجي أمر واجب التحلي به؛ إذ إن التعصب سيجعل الإعلام العربي يحيد عن الموضوعية بحجة الهوية والانتماء وتكسر قواعد وأخلاقيات العمل الإعلامي، وتدخل وسائل الإعلام في صراع مع غيرها، وإن الاختلاف الثقافي اختلاف طبيعي بين الناس ومصدر التجارب الحياتية، ووجب على وسائل الإعلام احترام هذا التنوع الثقافي.

أما في ما تعلق بقضية الدين من منظور الدكتور عبد الرحمان عزي فإن انطلاق الدين بوصفه مؤسسة تاريخية وإنسانية، انطلاقها من منطلق عقلاني تساعد الفرد على التميز في الممارسة، دون أن يتحول الدين إلى طقوس وتقاليد (عاطلة). فوسائل الإعلام العربية عادة ما تتخذ من الانتماء العرقي والديني مبررًا لصراعات مع غيرها من وسائل الإعلام الأخرى، وبهدف التأثير في الجمهور المستهدف من خلال مضامينها، لقد ساهمت التطورات التكنولوجية في مجال الإعلام والاتصال والتقنيات المتعلقة بها ساهمت في خلق فوضى إعلامية فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لبث المضامين بعد ما كانت مقتصرة على وسائل الإعلام التقليدية، وما ساهم في زيادة الفوضى الإعلامية هو سهولة الوصول والشيوع والانتشار لوسائل الإعلام الجديدة وقلة تكلفتها.

لقد عرج المفكر الجزائري وصاحب نظرية الحتمية القيمية عبد الرحمان عزي عن أولويات القضايا الإعلامية في الوطن العربي وتناولها بالتحليل والتفسير وأكد ضرورة الاهتمام بالتنظير وعدم الابتعاد عنه بوصفه الموجه الأساسي والبوصلة لأي عمل إعلامي، واختتم عزي مقاله في جريدة «المستقبل العربي» بطرح عدة تساؤلات سماها بالأسئلة الكبرى تناول فيها طبيعة الإنسان ومجتمع ما بعد الحداثة والمنطق العقلاني والقضايا الدينية والاجتماعية في الإعلام العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد