“الصحافة ما هي إلا حِرفة تأخذ سنوات لتعلمها؛ هي مثل رياضة الجولف، يصعب عليك عملها بطريقة صحيحة كل مرة؛ فهي لعبة الأخطاء القليلة وتغطية الأحداث وكشف الحقائق بطريقة أفضل”.

بن هيو رائد الأعمال الأمريكي في قطاع الإنترنت

 

(1)

لم أتردّد لحظة في قبول دعوة معهد الصحافة النرويجية وشبكة الأخلاقيات الصحفية بالشراكة مع مؤسّسة مهارات اللبنانية، لحضور ورشة عمل عُقدت الأسبوع الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت حول “الإعلام وخطاب الكراهية في المنطقة العربية” لأن الموضوع الذي تطرحه تلك الندوة أو ورشة العمل يَمس صميم اهتماماتي الإعلامية بشكل كبير، ونعاني منه في مصر أشد عناء!

لا أعرف لماذا لم يَهتز ليّ جفن عندما استمعت إلى التجربة اللبنانية والوضع الإعلامي في لبنان، وكيف أن النقابات الصحفية والإعلامية غير مفعّلة، وأن هناك فسادًا يستشري في تلك النقابات، وهناك ما يُسمى بمحكمة للمطبوعات تُجيز حَبس الصحفيين، وأحد المدوّنين قد حُكم عليه بالحبس لتعرضه لرئيس الجمهورية.

 

ولا أعرف لماذا لم يتملكني الغضب وأنا أستمع إلى التجربة الأردنية، وكيف أن الصحفيين الإلكترونيين يُمكن أن يُحاكموا بكل سهولة ويُزجوا خلف القضبان. ولا أدري لماذا لم أُبدِ أي علامة من علامات التعجب والدهشة عندما استمعت إلى التجربة البحرينية التي تعاني مما يُسمى بالعيب في الذات الملكية والتي تُجيز بكل سهولة حَبس الصحفيين والإعلاميين إذا ما تعرضوا لشخص الملك وعائلته.

 

ربما فقط تعجبت بعض الشيء من التجربة اليمنية التي عَرفت معها أنه يُمكن بكل سهولة انتقاد الحكومة وممثليها على يد الإعلام، لأن الحكومة هي الحلقة الأضعف في الصراع هناك!

لقد أصبحت متبلّد الحس والمشاعر، ولا أعرف لماذا!

(2)

شَعرت بالغيرة الشديدة وأنا أستمع للكلمة التي ألقاها المحامي “طوني مخايل”، مدير وحدة الرصد الإعلامي بمؤسّسة مهارات اللبنانية، في ورشة العمل تلك والتي تتعلّق بتطوير أداة لقياس أداء الإعلام اللبناني فيما يَخص خطاب الكراهية وزيادة التوتر، لا سيما وأنني كُنت جزءًا من مبادرة مماثلة قام بها بعض الشباب المصريين بعد ثورة 25 يناير من خلال تدشين ما يُسمّى بـ “مؤشر مصداقية الإعلام المصري”، من أجل إيجاد إعلام ذي مصداقية ومهنية يرتقي بالعمل الصحفي والإعلامي في مصر.

ولكن، هذه المبادرة لم يتم إلقاء الضوء عليها فحسب، وإنما بعض وسائل الإعلام التي احتلت المراتب الدنيا في التصنيف الشهري لهذا المؤشّر، قامت بشنّ حرب “كراهية” على ذلك المؤشّر، واتهامه بالتحيّزات الأيديولوجية والسياسية!

وعند سؤالي الذي طرحته على الدكتور “جورج صدقة” عميد كلية الإعلام بالجامعة اللبنانية الحكومية، والذي يتعلّق بتدني دور كليات الإعلام في الوطن العربي من خلال تخريج جيل جديد من الصحفيين يفتقر إلى المهارات الصحفية الأساسية، وتعلّم اللغات الأجنبية، وغيرها من المهارات التي باتت لا غنى عنها حاليًا.

جاءني الجواب كالصاعقة، بأن كليات الإعلام في لبنان حتى الحكومية منها، ليست مسيّسة ولا تتبع الحكومات أو الأنظمة الحاكمة، كما أنها تتلقّى تدريبات على تطوير المهارات الصحفية من خلال شراكات مع المؤسّسات الأجنبية المعنية، من أجل إخراج جيل من الصحفيين الواعيين الذين يحترمون أخلاقيات المهنة وحرفيتها.

الدرس المستفاد: مصر ليست لبنان، وتبدو أفضل من العراق وسوريا!

(3)

كانت هذه هي أول مرة ألتقي فيها به، رأيته يتحدّث بكل حماس وبكل ذرة من جسده عن قدرات الصحافة والصحفيين بوجه عام التي من الممكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًّا في تلك المهنة الشاقة. يَقتنع تمامًا بأن الصحافة ليست مرادفًا للخطاب الحر، بل لديها هدف وغاية، وتهتم وتتعلّق في الأساس بالآخرين؛ فالصحافة يجب أن تكون مسؤولة وشفافة ومستقلة ودقيقة بشكل كبير.

تبدّلت تعابير وجه إيدن وايت، الأمين العام السابق للاتحاد الدولي للصحفيين ومدير شبكة الأخلاقيات الصحفية الحالي، وبدا منفعلاً وأنا أطرح عليه سؤالاً يتعلّق باستحالة تطبيق مبدأ الشفافية على الإعلام المصري، كأن يكون هناك آلية شفافة تتيح للمؤسسات الإعلامية كَشف ما يتقاضاه المصادر من أموال عند جلبهم بأحد البرامج التلفزيونية، أو برامج التوك شو وما شابه، وكيف نتعامل مع هذا الأمر.

تلوّن وجه إيدن واحمرت عيناه وهو يقول ليّ الصحافة تعني الشفافية، ويجب على تلك المؤسّسات كشف تلقي هؤلاء المصادر الصحفية للأموال، ولكن بطبيعة الحال من السذاجة الإفصاح عن المبلغ الذي تلقاه هؤلاء المصادر، وإنني أتفق معك على استحالة تطبيق مبدأ الشفافية هذا، طالما أن الصحفيين أنفسهم يؤمنون باستحالة هذا الأمر! انطلقت جملته الأخيرة كالسهم الذي اخترق شعاب قلبي.

أثّرت فيّ جملته الأخيرة أيما تأثير، وطأطأت رأسي في حزن وخزي!

(4)

سِرت مع إيدن في شوارع بيروت وكأننا أصدقاء قُدامى، وتحدّثنا عن الحريات ومواثيق الشرف الصحفية وأوضاع الإعلام في مصر والوطن العربي، والتي بدا يعرفها أكثر من الصحفيين والإعلاميين في تلك البلاد أنفسهم.

حَدثني إيدن عن أنه منذ أربعة أعوام، أراد أن يحتفل احتفالاً مميّزًا بعيد ميلاد ولديه (22 و24 عامًا وقتذاك)؛ حيث أراد أن يكون عيد الميلاد هذا لا يُنسى. قرّر إيدن أن يَصطحب ولديه الشابين في رحلة لزيارة فلسطين وإسرائيل لكي يتعرّفا عن قرب على ماهية الصراع العربي- الإسرائيلي وجذوره التاريخية. طاف إيدن بولديه في أنحاء الخليل والقدس وبيت لحم وتل أبيب لمعرفة أهل تلك البقعة التي يشوبها الصراعات منذ عهد بعيد.

قرّر إيدن أن يُنهي رحلته باصطحاب ولديه لإجراء مقابلة شخصية مع “أسوأ شخصية يمكن أن يقابلونها في حياتهما”، والحديث هنا لإيدن، مع المسؤول عن تمويل المستوطنات اليهودية، وقال إيدن لولديه: كل ما عليكما فعله، أن تنصتا باهتمام لتلك المقابلة. وَجه إيدن سؤالاً مباشرًا لهذا الشخص، لماذا تموّلون إنشاء مزيدًا من المستوطنات اليهودية؟ ليكون الجواب: لأننا أؤمرنا أن نفعل هذا من الله!

ويتعجّب إيدن قائلاً، ماذا ستفعل لو كنت مكاني وأنت تجادل أحدهم ويقول لك إنني أؤمرت أن أفعل هذا من الله؟! طبعًا، الحديث معه مضيعة للوقت، لا سيما وأن الإسرائيلي قال لإيدن إن الإسرائليين والأمريكيين لن ينخرطوا في صراع مباشر مع العرب، بل الأوربيين وحدهم سيتولون هذه المهمة عنهم!

 

وحَدثني إيدن عن معاناته مؤخّرًا في القدوم لفلسطين، ومنعه من قِبل سلطات الأمن الإسرائيلية من دخول الأرض المحتلة عبر مطار بن جوريون لإلقاء محاضرة على طلبة الإعلام في الجامعات الفلسطينية؛ حيث إنه على ما يبدو يدفع ثمن آرائه وصراحته التي لم تعجب الجانب الإسرائيلي.

طأطأت رأسي مُجدّدًا، فأنا اصطحبت ابني ذا الأعوام الستّة في عيد ميلاده الأخير، في زيارة ميدانية للملاهي ليتعرّف عن قرب على آلية عمل ألعاب التزحلق والمراجيح وألعاب الفيديو بكل أنواعها!

(5)
بمجرد وصولي لمطار القاهرة الدولي وأثناء الوقوف في طابور الجوازات الذي بدا أطول من سور الصين العظيم، أخذت أتصفح المواقع الصحفية المصرية بمختلف أيديولوجياتها وأجنداتها. وقعت عيناي على خبر يتعلّق بالقبض على إخواني أنشأ شبكة لممارسة الشذوذ، ولم أستطع استكمال قراءة الخبر بعد تلك الجملة: “وأشارت تحقيقات النيابة، أن المتهم أثناء ممارسته للشذوذ كان يشير بأصابعه بعلامة رابعة”!

وفي محاولة أخيرة لاجتناب الإصابة بجلطة مخية، حاولت سريعًا أن أقرأ خبرًا آخر، لتقع عيناي مصادفة على خبر يفيد باقتراب موت أوبرا وينفري صريعة لمرض السرطان الفتّاك، ووجدت الخبر ذاته بمعظم إن لم يَكن بكافة مواقع الصحف المصرية المرموقة، وهالني الخبر فحاولت إيجاد مصدرًا إخباريًّا باللغة الإنجليزية، فبالتأكيد سيتصدّر هذا الخبر كافة المواقع الأمريكية والأوربية بل والعالمية.

 

لم أجد خبرًا واحدًا باللغة الإنجليزية، اللهم سوى خبر بمدونة نيجيرية، تتساءل ما إذا كانت وينفري مصابة بالسرطان، ومن دون مصادر بالمرة! هذا الخبر الذي كُتب بمدونة نيجيرية ترجمته كافة المواقع المصرية كما هو، وبعضها وَضع اللمسة الدرامية السحرية عليه، دون حتى التدقيق أو التشكيك في صحته!

على الفور، وجدتني أسطّر هذه الكلمات في رسالة إلكترونية وأبعثها إلى صديقي أيدن:

“العزيز إيدن، في المرة القادمة التي تريد فيها استعراض التجربة المصرية في مجال أخلاقيات الصحافة وحرية الإعلام وخطاب الكراهية وما شابه، أرجوك ضعها في خانة مستقلة ولا تساويها بباقي تجارب المنطقة العربية؛ لأن الذي بَنى مصر، كان في الأصل… حلواني”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد